مقالات مختارة

ما لا يدركه البغدادي

أيمن خالد
1300x600
1300x600
الشيء الذي أنا متأكد منه، أن الإسلام وصل إلى أندونيسيا وماليزيا وإلى وسط وجنوب القارة الإفريقية وأستراليا وأمريكا، ليس عن طريق البغدادي أو الظواهري، ولكنه وصل عن طريق أشخاص كانوا يمتلكون الحكمة، ففتحوا قلوبهم للناس، ولم يستلّوا سيوفهم ويطعنوا في صفوف المدنيين العزّل؛ لأن هذه السمة، في كل الأديان، وكل مقاييس البشر، وكل معايير الأخلاق، هي إحدى سمات الغدر التي أصبح تنظيم البغدادي يعتز بها، وهذا هو الفارق بين تاريخ الأمة، وبين ما يقوم به البغدادي وشركاؤه اليوم.

في الأزمنة الماضية شهدت البلاد الإسلامية حروباً دموية لا يتحملها عقل، ولكن الناس كانت تفصل بين الأرض التي تدور عليها المعركة، وبين بقية الأماكن، وكانت مدينة القسطنطينية، أثناء وجودها في عهدة الرومان، تعج بالتجار العرب والمسلمين، في ذات الوقت الذي كانت فيه الحروب الطاحنة تمتد من أنطاكية إلى القدس، والسبب أن رجال ذلك الزمن كانوا أكثر وعياً وحكمة، وكانوا يعرفون أن الحرب هي لغة السياسيين والقادة والطامعين بصناعة المجد على أكوام اللحم البشري الحرام، ولكن الشعوب لها لغة مختلفة، هي لغة القرآن الكريم الذي يقول "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى? وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا". فالله تعالى لم يصنف البشر كلهم محاربين، فعلى أي دين جعلتم كل البشر محاربين وبدأتم قتلهم؟

وما لا يدركه البغدادي، أن العرب عندما كتبوا تاريخ الصراع على القدس، وتاريخ الحملات الصليبية عليها، لم يكتبوا بتاتاً كلمة الحروب الصليبية ولا في أي رسالة أو كتاب من كتبهم، بما في ذلك المؤرخ ابن القلانسي الذي عاصر قسماً مهماً من تلك الحروب، وما استخدمه العرب هو فقط مصطلح حروب الفرنجة؛ لأنهم بداخلهم كانوا يعرفون أن الصراع بين المسيحية والإسلام غير موجود، وأن كل ما حدث، وكل ما سيحدث هو نوع من التدافع الحضاري، المغلف بالسياسة، والذي لا يخلو من طمع بعض الحكام؛ لأن عادة الحكام المستبدين كانت أن يذهبوا بشعوبهم إلى الحرب، كي لا يستمعوا إلى صوتهم.

قبل مجيء البغدادي والظواهري وأمثالهم، لم يكن يعاني المسلمون في الغرب من ظاهرة الإسلام فوبيا، ولم يكن هناك صعود لليمين الأوروبي العنصري، فيما اليوم، باتت الأحزاب اليمينية المتطرفة تصل إلى سدة الحكم، وبات المسلمون هناك يدفعون ثمناً باهظاً، وهكذا يشارك البغدادي وأمثاله في صعود هذا اليمين، تارة من خلال استهداف المدنيين في أوروبا، وتارة من خلال الترويج لفكرة الخلافة، وإعادة انتاجها على قاعدة توحيد المسلمين في مواجهة أوروبا، وهي بالتحديد النقطة الجوهرية، التي يستثمرها اليمين العنصري، الذي يدرك أنه لن يستطيع أن يصل إلى السلطة أبداً، إلا إذا نشر الخوف في القارة الأوروبية، وهو الأمر ذاته الذي يريده البغدادي وأمثاله، فهم بحاجة إلى بث الرعب في قلوب الناس لكي يصبحوا حكاما على رؤوسهم.

العلاقة بيننا وبين الشعوب في كل الدول الغربية هي علاقة تعاون، وتفاهم، وما يكتبه البغدادي بالدم، هو يؤذينا قبل غيرنا.

(نشر المقال باللغة التركية في صحيفة ديريليش بوستاسية)
النقاش (1)
مُواكب
الإثنين، 24-04-2017 08:32 م
تصديقا لما جاء في المقال، الجميع يذكر كيف أطلق بشار أسد سراح الجولاني، وذات الشيء فعله المالكي مع البغدادي. هكذا ليتسنى لهما الاستثمار في تشدد وغُلُو هذين الجهاديين. ثم جاءت نتائج هذا الاستثمار كما اشتهاها المالكي وبشار. طعنت داعش تحت زعامة البغدادي الثورة السورية من الخلف، وطعنتها القاعدة تحت زعامة الجولاني في الصدر . ولا القاعدة ولا داعش مسَّا بسوء إسرائيل أو إيران أو حزب الشيطان. ودعوى التنظيمين بذلك أن حرب الردة، الذين هم كل من لا يتبعهم، أي الأكثرية الساحقة لِأهل السنة، هي أبدى من حرب الكفار. يرفض العقل أن يقبل أن عمل التنظيمين هو عفوي، أو هو نتيجة التشدد والغُلُو فقط، بينما تتعدد وتتكاثر الدول الإسلامية السنية الفاشلة على أنقاض الحرب على الإرهاب!! هناك من الدواعش والقاعدة من هو بريء ومضلل به، لكن القادة يعلمون ماذا يفعلون، وهو : القضاء على أُمة محمد عليه الصلات والسلام.