قضايا وآراء

مقامة العجب العجاب فيما حلّ بأهل أفريقيا من مُصاب

نجيب عاشوري
1300x600
1300x600

قال أبو الفتح:


خرجت ذات ليلة في طلب حاجة عَنّتْ لي، لدي صديق بيتُه بعيد منّي، وكانت الشمس قد غربت وغاب النورْ، وخيَّمَ الظَّلامُ وعمَّ الدّيْجورْ، وبدا القمرُ في السماء مُحاقا قد شَفَّ ضوؤه الضئيلْ، على رقيقِ السّحابِ مثل وجهِ العَليلْ، فمضيت أتلمَّس السبيلْ، وأَنا أسيرُ بحذَرْ، خشية أن أسقط في بعض الحُفرْ.

فبينما أنا كذلك، إذ لمحت من بعيد، كهيئة الشبح، بغلالة بيضاء وقوام نحيل، فأصابتني منه رهبهْ، فاقتربت منه وصحت به وفي صوتي رعشهْ: أَإنس أنت أم جانْ؟ وما الذي تفعله بهذا المكانْ؟ فقال: بل إنسْ، من خيار "الزِّنسْ"، وهرول نحوي رافعا يديهْ، كاشفا عن إبطَيهْ، فلما اقترب عرفتهُ،ْ فإذا هو البُهلول عينُهْ، فقلت ويلك يا بهلول، ما هذه الحال؟ وما الذي أَلْجأَكَ إلى قبيحِ الفِعال؟ لماذا تُخيفُ السّارِينْ؟ وتُدخِلُ الرُّعبَ على قلوب المسافرين؟

قال: لا تسألْ عن الخبر النَّبيث، فما أصابني بما ترى إلا كلُّ خبيثة وخبيث. ثم أضاف وقد أصابت لسانَه عُجْمَة لم أعهدْها فيهْ، وخالط لغتَه لحن لم يَنْشأْ عليه: يا بو عْجيبة، كل يوم تسمعْ غْريبة، ألم تصلك أنباء بلاد أفريقيّة؟ وما أصابها من صاحب "القْريقيّة"؟ ولجنته ذات التقرير اللعينْ، الذي يريد استبدال زراعة القمح بزراعة الطَّحين؟ فلم أفهم بيانَه، وهممت أن أسأله عن عُجمة لسانِه، فلم يمهلني ومضي يقول: هي بِئستِ اللّجنهْ، عليها رهوط تسعة، ما أشبههم برهط النبيّ صالح، يبتغون تسوية الصالح بالطالح، يُسَوُّون بين "الوْزَف" والقدّيد، وبين البالي والجديد، وبين التِّبر والحديد، ويجعلون الدّياثة من حرية الفكر، ويسَوُّون بين الفضيلة والعُهر، ويجاهرون بالدعوة لتغيير أحكام الدين، غير عابئينَ بخاصّة العلماء ولا بعامّة المسلمين، ويريدون إلحاقنا بالفرنجةِ الذين بدت عليهم أماراتُ آخر الزمان، من اكتفاء الذُّكْرانِ بالذّكران، والنِّسوانِ بالنِّسوان، وشيوع الفحشاء للعيان، حيث ينزو العاهر على العاهرة في الحدائق والمنتزهات، حتى لكأنهم حمير في إسطبلاتْ، لا يخشون لومة لائمْ، ولا سطوة حاكم، من نهاهم شتموه، وعزّروه، وبالإرهاب رمَوْه، وإن أصرّ سجنوهْ، وإن كان غريبا طردوه… فلما قامت في وجوههم قيامة الأحرار، وأسمعوهم من غليظ القول ما أمر به العزيزُ الجبار، أصابهم ذلك بالمزيد من السُّعار، فَعَلاَ نباحهم، واشتدّ صياحهم، وَرَموْا من خالفهم بالارهابِ وقالوا فيها "وووكْ"، ورَدُّوها "شَريان شبوكْ" وشِدّوني لا "نطيح" عليكمْ، "يا اللي بيكم يا اللي عليكم"، وبلغت بهم الصفاقة أن دَعوْا جهارا لِمنع الأئمة في المساجد من الحديث عن بهتان تقريرهم، وتحذير الراكع والساجد من إفكهم وتزويرهم، وحرّضوا صاحب قرطاج الذي عهِد إليهم بالمُهِمّة، على قطع ألسنة الأئمّة، وعلى ملاحقة المدوِّنين، ومن سجَّل إعجابا أو جاما للكاتبين… إلا أن هذا كلّه "كُوم"، وما اقترفه بعضُ من هم إخوة لنا في الدين "كوم"، فقد جاهروا بمساندة اللجنةِ وهم لمّا يقرؤوا بعدُ التقرير، بدعوى الدّفاع عن حرية التعبير، والحال أنهم يعلمون علم اليقين، أن الرهوط التسعة ترتجف منهم "المصارين"، لمجرد الاقتراب من تابوهات المموِّلين، ومقدسات المُتَصهْيِنين، وأنّ ما زعموه من تهديد بالاعتداء، هو محضُ  كذب وافتراء، ولو صدقوا لَوَلَّوا وجوهَهُم صوبَ القضاء، والأغربُ أنهم لما جاهروا بالقبيح من القول للأئِمّة، وللعلماء ولعامّة الأُمّة. لم نسمع لمن ساندهم قولا ولا رِكزَا، كأنّ ما تأتيه لجنة الرهوط لا يُحدث لهم وَخْزَا، واعتصموا بالصمت، وتذرّعوا بما يخفى فهمُه إلا على أصحاب السّمت، وقال قائلهم لما أنكرنا فِعلَه، ونصحناه بالتوبة والاقلاع عن أمرِه: إنما الإسلام دين السماحة واللطف مع المخالفين، ونسوا أن الله أمر رسوله بالغلظة والشدّة مع المُرْجفين، الذين هم للفحشاء والمنكر من الدّاعين، ولعمل قوم لوط من المساندين، ولأحكام الشرع من القالين، وللأوقاف من الرافضين، وبالخنا من المجاهرين، وبالصلاة من المستهزئين، وبجملة أحكام الدين من المستهترين، ومنه كما قال المرحوم الطالبي من المنسلخين…

قال أبو الفتح:

قلت يا بُهلول، لا أفهم كثيرا مما تقول، فقد خالط كلامَك غريبُ الألفاظ، وقد عهِدتُك من مَهَرَةِ الحُفَّاظ، غير أنّ خلاصة مقالك مفهومَة، وأحوالُ أفريقيةَ كما وصفتَ مذمومة، فماذا فعلت؟ وكيف تصرّفت؟

قال وقد انكسر صوتُه، وامتُقِعَ لونُه: وأيُّ رأي لمن لا يُطاع؟ وكيف تفعل مع من يرى الرِّيشةَ عنقاءَ ودفعها غير مُستطاع؟ غير أنّ الأمورَ تسير، بتدبير العزيزِ القدير، الذي يعلم خائنة الأعين وما تُخفِي الصدور، ومن تولّى فعليه إثمُه، ويستبدلُ الله قوما غيرَه، ولن يَعْدِمَ أهلُ أفريقيّة رجالا صناديد، يذودون عن شعبهم شذوذَ العبيد، عبيدِ الدرهم والدينار، والريال والدولار، وكيدَ موالي "سيداو" ومُمَوِّليهِم، وأبواقَ إعلامهم ومُسانديهم، والله لا يُصلح عمل المفسدين، ولا يهدي كيد الخائنين.

فما إن أكمل حديثه حتى ولَّى مُدبرا ولم يُعَقِّبْ، وتركني في متاهة الأفكار أسيرُ وأرْكَب، وفي بحار الحيرة أَمُوجُ وأتَقلب، ثم ولَّيْتُ راجعا دون بُغْيَتي، فقد أذهلني حالُ أهل أفريقيّة عن حاجتي.

0
النقاش (0)