قضايا وآراء

محاربة الدجل والشعوذة بين القانون والمجتمع

فؤاد الفاتحي
1300x600
1300x600
إذا كانت "الطبيعة تأبى الفراغ"، فإن هذا يعني أن الاجتماع البشري عندما تبرز فيه بعض الظواهر المخالفة للدين وللعقل، فهذا مؤشر دال على وقوع خلل ما في نظام الحياة الاجتماعية، وهذا النظام تحكمه قواعد عامة وقع التوافق عليها، لضبط السلوك داخل المجتمع، سواء كانت هذه القواعد ذات طبيعة دينية أو مدنية، على شكل قوانين ملزمة أو أحكام غير ملزمة، لكن الالتزام بهذه القواعد، يرتبط بمستوى الوعي بأهميتها أو بتأييدها بالجزاء.

مناسبة هذا الكلام، القضية التي فجرها أخيرا شاب بمدينة سلا في المغرب، والذي صرح لبعض المواقع الإخبارية، أنه أراد أن يفضح سيدة معروفة في الحي بممارستها لأعمال السحر والشعوذة، وتستقبل في بيتها زبونات من كل الشرائح المجتمعية، وقام بتوثيق ذلك، بتصوير بعض النساء اللواتي يقصدنها طلبا لخدماتها الاحتيالية، ونشرها في مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك بهدف حماية الناس - كما صرح بذلك - من أفعالها المنافية للدين.

وقد أثارت هذه القضية جدلا وسط المجتمع، بين مؤيد ومعارض، ففي الوقت الذي عارض بعض الناس تصوير السيدات اللواتي قصدن هذه المشعوذة، واعتبروا ذلك تشهيرا، هناك البعض الآخر أيّد ذلك لأنه فضح تلك "الدجالة" وكشف أعمالها "الشيطانية"، وأغلب هؤلاء المؤيدين من جيران وسكان الحي، بالإضافة إلى الذين يرفضون تعاطي أعمال السحر والشعوذة. وقد حاول كل طرف الدفاع عن موقفه، من خلال الاعتماد على ما ينص عليه القانون والدين.

وليست هذه المرة الأولى التي تثار فيها ضجة حول ممتهنات أعمال السحر والشعوذة في المغرب، فكل عام تقريبا تقع حوادث مماثلة، لعل آخرها العام الماضي بنفس المدينة، عندما خرج شباب حي شعبي للاحتجاج أمام منزل إحدى الدجالات التي تمارس الشعوذة، بعدما تجاوزت جرائمها الإنسان إلى الحيوان، حيث أثار غضبهم مشهد قطة وهي خارجة من منزلها، وقد خاطت فمها، وعند فتق الخيط، وجدوا صورة شاب مكتوبا عليها طلاسم سحرية، حسب رواية الشباب القاطن بالحي. وبعد كشف جرائمها، تدخلت السلطات المعنية فأوقفت المشعوذة، وتمت متابعتها قضائيا حسب المنسوب إليها.

هذه الحوادث المتكررة، تطرح علامة استفهام كبيرة، حول الموقف الغامض للدولة إزاء هذه الأعمال المنتهكة لأحكام القانون وللدين، حيث تلتزم الصمت في مواجهتها، رغم ما تشكله من خطر على الصحة العامة، وما تنطوي عليه من احتيال ونصب على المواطنين، مع العلم أن السلطات، تكون على علم بتلك الأعمال المحظورة، وقد توجد هناك عدة شكايات مرفوعة من سكان الحي ضد المشعوذة؛ ولا يتم إيقافها، وهذا ما يفسر لماذا يلجأ أحيانا بعض المواطنين المتضررين من هذه الأنشطة القذرة، إلى استخدام وسائل غير قانونية، لوضع حدّ لتلك المشعوذة..

تجدر الإشارة إلى أن ممارسة أعمال السحر والشعوذة، تعتبر في الدين الإسلامي من كبائر الذنوب، وشدد عقوبة الذين يتعاطونها، وحرّم الذهاب إلى العرافات والمشعوذين وتصديقهم، وعدّه من الذنوب العظيمة. وتبعا لذلك، حارب الحكام المسلمين عبر التاريخ أعمال الدجل والشعوذة، حتى كادت المجتمعات العربية والإسلامية تخلو منها، بمساهمة فعالة من مؤسسات التنشئة الاجتماعية (الأسرة، المسجد، المدرسة)، لعبت دورا مهما في التربية والتوعية بالتحريم الشديد للسحر والشعوذة، لكن بعد الانحطاط الحضاري وانتشار الجهل والتخلف العلمي داخل المجتمعات العربية والإسلامية، وتهميش الدين الصحيح من حياة المسلمين، أخذت تسيطر على المجتمعات الخرافات والشعوذة، واتجه الناس لطلب العلاج وقضاء حوائجهم من السحرة والدجالين، والذين عرف نشاطهم الإجرامي ازدهارا في السنوات الأخيرة، خاصة في المغرب، الذي بلغت شهرته الآفاق في هذا المجال؛ لأن الدولة لا تقوم بمنع نشاطهم كما تفعل معظم الدول العربية، رغم ما يشكلونه من تهديد على الصحة العامة، وما يجنونه من أموال بالنصب والاحتيال على الناس.

وفي ظل هذا التساهل مع المشعوذين، أصبح الطلب على أعمال الشعوذة لا يقتصر على فئة اجتماعية محدودة، من الأميين ومتوسطي التعليم، وإنما امتد إلى أصحاب المستويات التعليمية العليا، ومن الطبقات المتوسطة والغنية، ومن أعمار مختلفة، ذكورا وإناثا. وهذا راجع بالأساس إلى الجهل بالدين والبُعد عن تعالميه من جهة، ومن جهة أخرى، عدم قيام المؤسسات والسلطات المعنية بتحمل مسؤوليتها في محاربة هذه الأعمال المخالفة للقانون والدين.

آن الأوان لكي تتحمل الدولة مسؤوليتها في حماية المجتمع من الدجالين والسحرة والمشعوذين، ومحاربة كل الذين يحتالون على الناس، سواء كان يدعون العرافة والكهانة، أو الذين يدعون العلاج لبعض الأمراض بالقرآن أو بالأعشاب، حفاظا على الصحة العامة، ومنعا لكل أعمال النصب والخداع التي تستهدف سلب أموال وعقول المواطنين، بدعوى قضاء حوائجهم، دون أن نغفل المدرسة والإعلام والمسجد في القيام بأدوارهم في التوعية بخطورة هذه الظاهرة التي تسيء إلى سمعة بلادنا. 
النقاش (2)
إلياس
الخميس، 13-01-2022 01:01 م
كان مقالا مفيدا شكرا لك
محمد سعيد
الأربعاء، 25-12-2019 03:29 م
ما هو القانون المانع لتعامل الدجل والشعودة بالمغرب