قضايا وآراء

ماذا تريد روسيا من "حماس"؟

علي البغدادي
1300x600
1300x600

أثار الإعلان عن دعوة روسيا لرئيس حركة "حماس" إسماعيل هنية ثم الإعلان عن تأجيلها جدلا بين المتابعين، لا يقل عن الجدل الذي يثار عادة حول طبيعة اللقاءات بين دولة عظمى كروسيا وبين "حماس" كحركة مقاومة، وتختلف التفسيرات في أسباب هذه العلاقة بين من يرى في روسيا دولة داعمة للمقاومة وبين من يراها تتمتع بعلاقة جيدة مع (إسرائيل)، مما قد يصل ظاهريا إلى حد التناقض.

رفض القطبية

بداية يجب أن نشير إلى مبدأين أساسيين تتميز بهما السياسة الخارجية الروسية في العهد البوتيني يعتبران مدخلا لفهم هذه العلاقة وما تريده روسيا منها:

المبدأ الأول: أن روسيا أخذت على عاتقها مقاومة نظام القطب الواحد الدولي الذي تمثله الولايات المتحدة، وتسعى إلى إقامة نظام متعدد الأقطاب وقد عبر عن ذلك الرئيس الروسي بوتين في أكثر من تصريح.

المبدأ الثاني: هو الاتصال مع جميع الأطراف الفاعلة، لذلك هي على تواصل مع السلطة الفلسطينية ومع (إسرائيل) أيضا، ومع "حماس" بطبيعة الحال، وهذا يتيح لها القيام بدور فعال في الوساطة بين مختلف الأطراف.

 

بدأت العلاقة بين روسيا و"حماس" متزامنة مع التوجهات الروسية الجديدة في العودة بقوة إلى الساحة الدولية


وبالتالي فروسيا ليست دولة مقاومة للاحتلال الصهيوني لكنها دولة مقاومة للهيمنة الأمريكية وهذا ما تتقاطع به مع حركات المقاومة، رغم اختلافها مع مواقف "حماس" في عدم الاعتراف (بإسرائيل).

ورغم العلاقة الجيدة بين روسيا (وإسرائيل) بشكل عام، حيث يشكل الناطقون بالروسية خمس سكان دولة الاحتلال، كما أنه يوجد حضور معتبر لليهود في روسيا، إلا أن روسيا ليست على وفاق مطلق معها وتتبنى حل الدولتين، وتختلف مع وجهات النظر الإسرائيلية في الموقف من إيران وحزب الله و"حماس". وقد صرح عدة مسؤولين روس بما فيهم السفير الروسي لدى تل أبيب ألكسندر شاين بأن روسيا لا تعتبر "حماس" حركة إرهابية بل حركة تحرر وطني.

وبالعودة قليلا إلى الوراء فقد بدأت العلاقة بين روسيا و"حماس" متزامنة مع التوجهات الروسية الجديدة في العودة بقوة إلى الساحة الدولية، وقد ارتأت الدبلوماسية الروسية في ذلك الوقت أن (صورة) تجمع بين خالد مشعل والرئيس الروسي في حينه الكسندر ميدفيديف، ستسهم في تعزيز القوة الروسية الناعمة في المنطقة العربية، وهذا ما تم في دمشق برعاية من الرئيس الأسد.

ولا شك بأن تداعيات الربيع العربي وارتدادات الثورات المضادة وابتعاد "حماس" عن دمشق عوامل أسهمت في فتور العلاقة بين الطرفين.

لكن السؤال: ما الذي جرى مؤخرا ليعيد تحريك المياه الراكدة من جديد؟

إن نظرة إلى الصورة الكلية في المشهد الإقليمي يشير إلى نجاح روسي في إحداث اختراق كبير في المنطقة، فبالنسبة للروس أدى تدخلهم في الأزمة السورية إلى تحقيق الاستقرار ومنع تقسيم البلاد عبر تثبيت النظام السوري وإضعاف المعارضة وإجلاس الجميع على طاولة المفاوضات سلما أو حربا. في مقابل التردد (العك) الأمريكي الذي لم يهزم النظام ولم ينصر المعارضة. وقد عزز قرار الرئيس الأمريكي ترامب بالانسحاب من سوريا هذا (الانتشاء) الروسي، فأصبحوا يشعرون بأنهم القوة الأكثر تأثيرا في الملف السوري.

 

اقرأ أيضا: سفير السلطة بموسكو يعلن إلغاء زيارة هنية وحماس تؤكد تأجيلها


ويبدو أن توجهات السياسيين الروس وقد لامسوا نتيجة استثمارهم في سوريا قد شجعهم على المزيد من الانخراط في قضايا المنطقة ليس فقط لملأ الفراغ الأمريكي بل سعيا منهم إلى إضعاف مواقع أمريكا عبر إمساك روسيا للملفات المهمة في المنطقة، والعمل على تشكيل جبهة معادية للغرب وإزاحة أمريكا تدريجيا من مناطق النفوذ.
 
مسعى روسي لإطلاق مفاوضات فلسطينية ـ إسرائيلية

وإذا كان الإمساك بالملف السوري له بعده الجيوسياسي المهم بالنسبة للروس فالإمساك بملف الصراع العربي ـ الإسرائيلي يمثل قيمة استراتيجية كبرى فهو مفتاح المنطقة الرئيسي، لذلك يريد الروس أن يدخلوا منطقة الشرق الأوسط من أوسع أبوابها عبر إطلاق مفاوضات إسرائيلية ـ فلسطينية جديدة، خاصة في ظل تعثر تلك التي رعتها الولايات المتحدة والتي وصلت إلى طريق مسدود منذ العام 2014، ويرى الروس بأنهم بعلاقاتهم الجيدة مع جميع الأطراف قادرين على إحداث اختراق في هذا الملف.

وتبقى المعضلة في مماطلة الطرف الإسرائيلي الذي لطالما أثار ذريعة عدم وجود موقف فلسطيني موحد وعدم قدرة الرئيس الفلسطيني على تقديم ضمانات بإسم الشعب وفصائله في ظل حالة الانقسام وسيطرة "حماس" على غزة، ومن هذا المنطلق تصبح رعاية مصالحة بين "فتح" و"حماس" أمر ضروري وخطوة أساسية للمسار الروسي ومن هنا تصبح دعوة الحكومة الروسية لرئيس حماس إسماعيل هنية لزيارة روسيا أمرا مفهوما.

ليست العلاقات الروسية ـ الإسرائيلية في أحسن حالاتها حاليا فقد أدى قيام الطيران الإسرائيلي بـإسقاط طائرة روسية إلى تدهور في العلاقات بشكل غير مسبوق، فقد حاول نتنياهو بشتى الطرق إجراء اتصال مباشر مع بوتين لمحاولة إعادة العلاقات الروسية ـ الإسرائيلية إلى المستوى السابق ولكن الخارجية الروسية ماطلت طويلا إلى أن وافقت إسرائيل على قبول وساطة موسكو في الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي بالإضافة إلى ضمان سلامة الجنود الروس وهي قضية ذات أولوية في العلاقة الروسية الإسرائيلية.

 

اقرأ أيضا: هل تتجه حدة التوتر بين روسيا وإسرائيل للتصاعد؟

ويواصل الروس ضغوطهم على الحكومة الإسرائيلية، حيث يرى مراقبون روس بأن خشية إسرائيل من المزيد من التوتر في علاقاتها مع روسيا كان عاملا مهما في عدم اتساع المواجهات الأخيرة مع غزة.

 

اقرأ أيضا: وفد عسكري إسرائيلي يزور موسكو ويعلن استئناف "التعاون"

"حماس" وأوراق القوة

إن الإمساك بملف القضية الفلسطينية يمثل دافعا موضوعيا أساسيا للعلاقة بين روسيا و"حماس" ولدعوة هنية لزيارة موسكو، لكن هذا الدافع ليس الوحيد فهناك دوافع ذاتية عائدة لما تملكه "حماس" من أوراق قوة، فـ "حماس" لاعب أساسي في منطقة ملتهبة من العالم، وقد أدت بسالة المقاومة في المواجهات الأخيرة إلى تأكيد أنها ما تزال رقما صعبا في معادلة المنطقة، فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار ما يثار بأن المنطقة تجهز لتكون مسرحا لصراع قادم بين أمريكا وإيران فإن لروسيا مصلحة في تصليب الموقف الإيراني واستنزاف الجانب الأمريكي وقد يكون لـ "حماس" دور في ذلك سيما إن تدخلت (إسرائيل).

أمر آخر مرتبط بالملف السوري الذي يبدو أنه مقبل على الإقفال، وبإمكان "حماس" بما تملكه من قوة معنوية وعلاقات تاريخية أن تلعب دورا إيجابيا في تقريب وجهات النظر بين جانبي المعارضة والنظام.

في المقابل ما الذي ستكسبه "حماس" من العلاقة مع روسيا؟

1 ـ موسكو واحدة من عواصم قليلة تقيم علاقات مع الحركة، و"حماس" ترى في ذلك اعترافا بشرعيتها من قبل إحدى القوى الدولية، فضلا عن أن روسيا دولة مؤثرة في منطقة الشرق الأوسط.

2 ـ الحركة تعول على الدور الروسي في التصدي لأي محاولات أميركية لشيطنة الحركة وتصنيفها عبر مجلس الأمن الدولي كحركة إرهابية، كما يصدر أحيانا من مسؤولين أميركيين، وكما حدث في مشروع القرار الأخير بتجريم حماس حيث كان للموقف الروسي دور في إفشاله.

3 ـ "حماس" تريد من روسيا أن يكون لها دور في مواجهة السياسة الإسرائيلية وموازنة الموقف الأمريكي المنحاز لإسرائيل وللتصدي لما يثار حول صفقة القرن.

4 ـ حماس تريد من روسيا بذل جهود للتخفيف من معاناة قطاع غزة.

ولكن ما الذي أدى إلى إعلان تأجيل زيارة وفد "حماس" برئاسة هنية؟

ـ بدأت موسكو الاستعدادات لتنشيط سياستها في الاتجاه الفلسطيني ـ الإسرائيلي من نهاية حزيران (يونيو) من عام 2018 على الأقل.

ـ وشهد شهر تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2018 حراكا روسيا في هذا الملف، فخلال المؤتمر السنوي الرابع للحوار المتوسطي في روما في 23 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، أكد وزير الخارجية الروسي لافروف على استعداد روسيا للتوسط في حل القضية الفلسطينية، وعقد لقاء بين قادة فلسطين (وإسرائيل) في موسكو دون شروط مسبقة.

ـ وفي 27 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي عُقد اجتماع للجنة السياسية الروسية - الفلسطينية المشتركة في موسكو برئاسة نبيل شعث (مستشار الشؤون الدولية لدى الرئيس عباس) وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح وبوغدانوف مبعوث الرئيس الروسي لشؤون الشرق الأوسط، حيث تمت مناقشة العلاقات الثنائية والدور الروسي في المنطقة.

ـ وفي يوم 28 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي نقل حيدر أغانين السفير الروسي لدى السلطة الفلسطينية دعوة من وزارة الخارجية الروسية لهنية لزيارة روسيا في المستقبل القريب.

ـ في نفس الوقت تقريباً، أعلن وزير خارجية السلطة الوطنية الفلسطينية، رياض المالكي، تلقيه دعوة لزيارة روسيا في 21 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، لمناقشة آفاق تسوية فلسطينية ـ إسرائيلية والعلاقات الثنائية.

وكان من المتوقع أن يعقب ذلك كله زيارة هنية لروسيا إلا أن التطورات الداخلية في الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي أدت إلى عرقلة الجهود الروسية وأثارت حنقا لدى الدبلوماسيين الروس.

1 ـ ففي الجانب الفلسطيني أدت أجراءات الرئيس عباس التوتيرية مع غزة وحل المجلس التشريعي وسحب الحرس الرئاسي من معبر رفح إلى تعكير الأجواء وعرقلة خروج الوفد الحمساوي مما اعتبر طعنة للجهود الروسية.

 

اقرأ أيضا: موسكو تعبّر عن قلقها من تعثر عملية المصالحة الفلسطينية
 
2 ـ أما في الجانب الإسرائيلي فتداعيات الوضع الداخلي أدت إلى إعلان نتنياهو حل الكنيست وإجراء انتخابات مبكرة في نيسان (إبريل) المقبل، مما يعني انتظار تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة.

3 ـ كما أن العلاقات الروسية ـ الإسرائيلية ما تزال على غير ما يرام بسبب العدوان الإسرائيلي المتكرر على دمشق مما يعطل استئناف التعاون العسكري الروسي الإسرائيلي، وقد كان للضباط الروس موقفا عبر عنه بيان وزارة الدفاع الروسية الذي كانت عباراته أشد مما ورد في البيان العسكري السوري.

إن هذه الأسباب مفادها أن المسار الروسي ليس مفروشا بالورود، وأن جهدا روسيا متزايدا ما يزال مطلوبا لإحداث تقدم في هذا المسار، وفي المقابل لا يبدو أيضا أن طريق "حماس" مفروش بالورود فروسيا دولة عظمى ولها حساباتها، وفي العودة على بدء لا يتوقع أن تجدد الدعوة إلى رئيس "حماس" لزيارة روسيا إلا بعد تكوين الحكومة الإسرائيلية الجديدة في أيار (مايو) المقبل، وقد يستعاض عن ذلك حاليا بزيارة وفد حمساوي أقل مستوى.

النقاش (0)