مقالات مختارة

عذرية المجتمع العربي السياسية

عبد العزيز الخاطر
.jpg
.jpg

لم أتفاجأ كما فعل غيري من صعود القوى الإسلامية في أنحاء عالمنا العربي حيثما سقط الاستبداد وأينما انهارت قواه، بل هذا متوقع وأمر طبيعي لمجتمعات ما قبل السياسة.


المجتمع قبل السياسي هو بالضرورة ديني في رؤاه وفي تجلياته. الأرضية السيسيولوجية للمجتمع العربي دينية تقليدية، لم تشهد تحولا سياسيا عميقا ينقلها من مرحلة التقليد إلى مرحلة الإبداع، استمرار القبيلة والطائفة والحزب العائلة كلها تمظهرات لشكل ديني سابق على العملية السياسية التي ترتكز على الفرد والبرنامج واحتساب الزمن والمدة، العملية السياسية عملية ذات زمن محدود ورؤية محددة وصلاحية مؤقتة فهي دائما في مرحلة تحول كبرنامج وكشخوص.


هذا لم يتم خلال تاريخ الأمة ولم يتحقق، فالمجتمع العربي لا يزال عذريا فيما يتعلق بمراحل ولادة الفعل السياسي المنظم بعيدا عن تأثيرات المرجعيات الأولية الحاكمة للقاع الاجتماعي والمسيطرة على فضائه الرحب.


فهل كان من المتوقع أن يفوز الليبراليون مثلا في مجتمعات يقتصر فيها تعريف الليبرالية على شرب الخمر ونزع الحجاب؟ هل يمكن أن يفوز القوميون مثلا في مجتمعات ترى في القومية تضادا مع الدين؟ مجتمعاتنا لا تزال هي مجتمعات النشأة الأولى وهي بالضرورة دينية.


يبدأ التاريخ بالدين أو دينيا ثم يتطور ليصبح منهجا سياسيا روحيا يخدم واقع المجتمع وتحولاته، السياسة تتفجر من داخل المجتمع لأسباب عديدة يجد المجتمع وضعه في حالة من التآكل الذاتي لذلك يسعى لإنقاذ نفسه من خلال إعادة ذاته على أسس جديدة غير تلك التي أوصلت إلى مرحلة التآكل والانهيار، اذا هي صراع داخل مكونات المجتمع لا يدعي احدهما العصمة على الآخر.


تحييد المطلق واطلاق النسبي، أرخنة الماضي وتحريك الحاضر، تنظيم في مقابل شمولية طاغية.


يقال إن معاوية أول سياسي في الإسلام وأن منهجه أول منهج سياسي في الإسلام كذلك، ولكن امتنعت السياسة بعد ذلك وتحولت إلى نوع من تأليه للسلطة التي هي بالضرورة مركز لإدارة العملية السياسية وليست كل العملية السياسية، لذلك أصبحت السلطة هي السياسة، فما يتساقط اليوم هي السلطة السياسية وليست السياسة كفن لإدارة الحكم ومنهاج لتداول السلطة.


فلا يزال المجتمع العربي مجتمعا سابقا على العملية السياسية إلا أنه غير سابق على السلطوية السياسية. ما نشهده اليوم من صعود للقوى الدينية أمر كما قلت طبيعي ومتوقع ولا بديل عنه في الوقت الراهن.


فلا بأس على شرط أن يدخلوا سياسيا في إدارة المجتمع وبرامجيا في تنفيذ خطط الإصلاح والتنمية فالمجتمع العربي بأغلبية متدين وهو لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الدين بقدر ما يحتاج إلى إدارة شؤونه وأوضاعه بما يتناسب مع تدينه، يحتاج كذلك إلى الأمن والعدل لكل فئاته وأقلياته، نريد أن نخرج من ثنائية تديين السياسة أو تسييس الدين بشكل يجعل من المواطنة شعارا جامعا لما خلقنا الله عليه من اختلاف.

(الشرق القطرية)

0
النقاش (0)