صحافة دولية

FP: الأنظمة الديكتاتورية توسع من سلطاتها باسم مكافحة كورونا

قورين بوليسي: قد تؤدي موجة انتشار فيروس كورونا إلى تراجع خطير في الديمقراطية في أنحاء العالم- جيتي
قورين بوليسي: قد تؤدي موجة انتشار فيروس كورونا إلى تراجع خطير في الديمقراطية في أنحاء العالم- جيتي

نشرت مجلة "فورين بوليسي" مقالا لأستاذ التاريخ والسياسة لجنوب شرق أوروبا في جامعة غراز في النمسا، فلوريان بيبر، يقول فيه إن العالم كله أصبح خلال عدة أسابيع قليلة رهن الإغلاق. 

 

ويشير بيير في مقاله، الذي ترجمته "عربي21"، إلى أن الجيش يقوم بالتنقل في سياراته عبر مراكز المدن، وتعلن سيارات الشرطة للمواطنين أن يتفرقوا من المناطق العامة، ويتم استخدام طائرات درون لبث الإعلانات للعامة، وذلك كله أصبح طبيعيا. 

 

ويقول الكاتب إن "أعداد الموتى الكبيرة والانتشار السريع للمرض -الذي أغرق بعض أفضل أنظمة الصحة في العالم- تشير إلى أن هذا الرد الدرامي هو السياسة الصحيحة، وفي الوقت الذي يمكن فيه لهذه السياسة أن تنجح في مواجهة فيروس كورونا، إلا أن العالم يواجه خطرا آخر: وذلك عندما يتراجع الفيروس، حيث ستكون الكثير من البلدان أقل ديمقراطية مما كانت عليه في آذار/ مارس 2020، وفي أوقات الأزمات عادة ما تهمل الضوابط والتوازنات باسم السلطة التنفيذية، والخطورة تكمن في أن المؤقت قد يصبح دائما". 

 

ويلفت بيير إلى أن الزعماء الديكتاتوريين كانوا في البداية غير مستعدين لمواجهة الجائحة، إما بسبب قلة العلم والخبرة أو المحسوبية والفساد وإهمال المؤسسات الحكومية، بما في ذلك الرعاية الصحية، وهو ما جعل الحكومات، مثل حكومة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والرئيس المكسيكي أندريس مانويل لوبيز إبرادور، والرئيس البرازيلي جائر بولسونارو، في وضع أكثر خطرا. 

 

ويقول الباحث إنه قبل أن تصبح الأزمة الصحية واضحة ولا يمكن إنكارها، قامت أجهزة الإعلام الموالية في هذه البلدان بالتقليل من شأن الخطر الذي يشكله فيروس كورونا، ففي أمريكا مثلا لامت "فوكس نيوز" الديمقراطيين، واتهمتهم بتضخيم التهديد، وفي صربيا وتركيا منح الإعلام المؤيد للنظام صوتا لمن يدعون أنهم خبراء ادعوا أن الشعب محمي جينيا من الإصابة بالعدوى. 

 

ويجد بيير أن "الوباء أو الجائحة قد يقوض حكم الديكتاتوريين على المدى الطويل؛ لأن تكتيك توجيه اللوم لأكباش فداء سيفشل، ويدرك المواطنون أهمية رأي الخبراء والمؤسسات الفاعلة، والخطر هو إن شعر الحكام بالتهديد بفقدان شرعيتهم فإنه من المتوقع أن يضاعفوا من ممارساتهم الاستبدادية، ويستغلوا حالة الطوارئ لتكريس السلطة".

 

ويعلق الكاتب قائلا إن "العالم كان يمر في مرحلة تراجع للديمقراطية قبل أن يجتاح الفيروس العالم بوقت طويل، فمنذ عام 2006، رأت بلدان ديمقراطيتها تتراجع أكثر من البلدان التي تحسنت فيها الديمقراطية، وبحسب (فريدم هاوس) فإن 64 بلدا شهدت تراجعا في الديمقراطية، فيما شهدت 37 بلدا تقدما فيها".

 

ويقول بيير: "الآن، حيث تقوم الدول في أنحاء العالم باتخاذ إجراءات غير عادية لمكافحة الوباء أو الجائحة، تقوم كل من الدول الديكتاتورية والديمقراطية بالحد من الحريات المدنية على نطاق واسع".

 

وينوه الباحث إلى أن عددا من الزعماء الأوروبيين، بينهم الرئيس الصربي إلكساندر فوسيك، أشادوا بتعامل بكين السريع مع الفيروس وما قامت به من إجراءات قمعية، "بعد أن صححت الأخطاء التي وقعت فيها في البداية"، مشيرا إلى أن تراجع الإصابات في الصين، وقيامها بإرسال المساعدات لبلدان، مثل النمسا واليونان وإيطاليا وإسبانيا، قادا إلى تحسين صورتها في أوروبا. 

 

ويفيد بيير بأن "الدول تسابقت في وضع قيود على حرية التجمع التي تعد من الحريات الأساسية، وانتهكت حرية الحركة، وتم تأجيل للانتخابات في بعض البلدان، وتم التصويت في الانتخابات التمهيدية في أمريكا بـ12 ولاية على الأقل، وفي صربيا وشمال مقدونيا، تم تأجيل الانتخابات المقررة في نيسان/ أبريل، وفي بريطانيا تم تأجيل الانتخابات المحلية المقررة في أيار/ مايو". 

 

ويرى الكاتب أن "إجراء انتخابات في البيئة الحالية يعد صعبا بل حتى إنه أمر خطير، ويبدو أن الجولة الأولى من الانتخابات البلدية التي أجريت في فرنسا ساعدت على تسريع انتشار فيروس كورونا، وفي الوقت ذاته فإن تأجيل الانتخابات لأشهر قد يحرم الحكومات من شرعيتها، ويسمح للديكتاتوريين باستغلال التأخير لإحكام قبضتهم على السلطة، وإجراء الانتخابات في الوقت الذي يناسبهم".  

 

ويجد بيير أن "إجراء الانتخابات المقررة في الوقت ذاته يشكل مخاطر أخرى على الديمقراطية أيضا، كما في بولندا التي تصر الحكومة فيها على تنظيم الانتخابات المقررة في أيار/ مايو، وستكون نتائج الانتخابات لصالح الرئيس الحالي إندريزيج دودا، الحليف لحزب القانون والعدالة الحاكم؛ وذلك لأن الطوارئ عادة ما تساعد القادة الموجودين في السلطة، وتجعل من الصعب على المعارضة إدارة حملة انتخابية، وبشكل عام فإن تأجيل الانتخابات هو الخيار الأفضل، لكن مثل تلك القرارات يجب أن تكون توافقية بين الأحزاب وضمن برنامج زمني واضح".

 

ويشير الباحث إلى قول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: "نحن في حالة حرب"، مرددا لغة استخدمها غيره من زعماء الدول، ويعلق قائلا إن "مثل هذا الخطاب قد يساعد على تحشيد جهود قوية لمكافحة الوباء، ويبرز التضحيات التي يجب أن يقوم بها المواطنون، لكن مثل هذه المناشدات خطيرة في الوقت ذاته، فالفيروس ليس جيشا، والحديث عن الحرب يمكن أن يحول هذه الأزمة الصحية إلى أزمة أمنية، ويبرر الإجراءات القمعية".

 

ويؤكد بيير أن "إجراءات مثل إغلاق الأعمال، وفرض التباعد الاجتماعي، وإبقاء الناس في بيوتهم، بما في ذلك فرض منع التجول ومنع الاجتماعات، ضرورية للسيطرة على الانتشار السريع للفيروس، لكن هناك خطرا عميقا بأن تقود هذه الجهود إلى موجة جديدة من الديكتاتورية، وفي أذربيجان، استغل الرئيس إلهام علييف خطاب عيد النوروز ليصف المعارضة بأنها طابور خامس خطير، وهدد بأنه (خلال وجود المرض، ستكون هناك قواعد جديدة تماما تحكم العلاقات.. ومن المحتمل أن تفرض حالة طوارئ في مرحلة ما، وفي هذه الحالة سيكون عزل ممثلي الطابور الخامس ضرورة تاريخية)". 

 

ويلفت الكاتب إلى أن العديد من الدول قامت بسن قوانين طوارئ أو أعلنت حالة طوارئ، مشيرا إلى أنه هو تكتيك يمكن للمستبدين استخدامه لتكريس السلطة.

 

ويذكر بيير أن حكومة فيكتور أوربان في هنغاريا سنت في 30 آذار/ مارس قانونا حول "الحماية من فيروس كورونا"، يسمح للحكومة بأن تحكم بالمراسيم وتعليق القوانين الحالية، بما يعني تعليق رقابة البرلمان طوال الأزمة، ومن حق رئيس الوزراء فقط تحديد متى سترفع حالة الطوارئ، مشيرا إلى أن القانون الجديد يفرض غرامات باهظة على نشر الأخبار الكاذبة وخرق الحجر أو منع التجول، وتصل العقوبات إلى حد السجن لمدة خمس سنوات. 

 

ويفيد الباحث بأن القانون أثار رسالة واضحة من السكرتير العام للمجلس الأوروبي، جهاز الرقابة الأوروبي لحقوق الإنسان، للحكومة الهنغارية، فقال إن "حالة طوارئ مفتوحة دون ضوابط لا يمكن أن تضمن تطبيق المبادئ الأساسية للديمقراطية، بالإضافة إلى أنه يجب أن تكون الإجراءات التي تقيد حقوق الإنسان الأساسية متناسبة مع التهديد الذي من المفترض أن تكافحه". 

 

وينوه الكاتب إلى أن رئيس الوزراء في إسرائيل، بنيامين نتنياهو، قام باستخدام الطوارئ لتأجيل محاكمته بتهم الفساد، ومنع البرلمان من الانعقاد، ومنح جهاز الاستخبارات الداخلي سلطات واسعة لمراقبة الشعب.

 

ويؤكد بيير أن "السلطات غير العادية التي تمنحها قوانين الطوارئ وإجراءات الطوارئ الأخرى يمكنها أن تؤدي إلى انتهاكات بين الحكام الديمقراطيين أيضا، فقد قامت الديمقراطيات الليبرالية باتخاذ إجراءات غير مسبوقة لمراقبة المواطنين، مثل مراقبة تحركاتهم من خلال هواتفهم المحمولة، بما في ذلك في إيطاليا وألمانيا والنمسا، وفي مونتنغرو نشرت الحكومة حتى أسماء الأشخاص المفروض أن يكونوا في الحجر الصحي لضمان التزامهم".

 

ويعتقد الكاتب أن "مكافحة فيروس كورونا تحتاج إلى إجراءات صارمة، لكن أي انتهاكات للحريات المدنية يجب أن تكون مؤقتة ومتناسبة، بالإضافة إلى أن من الضروري أن تكون إجراءات الطوارئ محدودة بحدود وقتية واضحة، لئلا تقود إلى حالة طوارئ دائمة".

 

ويرى بيير أنه "يجب بقاء الأجهزة التشريعية نشطة، فمثلا قام البرلمان النمساوي بتمرير عدد من القوانين بسرعة، ودعم البرلمان الأوروبي فكرة صناديق الدعم الخاصة للدول المتأثرة بفيروس كورونا، حيث شارك معظم أعضاء البرلمان في الاجتماع والتصويت عن بعد".

 

ويقول الباحث: "أما الأخبار الكاذبة، فأفضل طريقة لمواجهتها هي شفافية الحكومة، بدلا من العقوبات، وفي الواقع فإن العقوبات لنشر أخبار كاذبة سارية في بلدان، مثل هنغاريا وصربيا وتركيا، حيث يقوم الإعلام الموالي للحكومة بنشر معلومات مضللة وكاذبة حول المخاطر الصحية للمرض، وجزء من نجاح بلدان، مثل تايوان وسنغافورة، في مواجهة فيروس كورونا كان تواصلهم الصريح حول مخاطر الفيروس".

 

ويختم بيير مقاله بالقول: "قد تؤدي موجة انتشار فيروس كورونا إلى تراجع خطير في الديمقراطية في أنحاء العالم، ومن الضروري أن تظهر الديمقراطيات الليبرالية ضبطا للنفس ويقظة، واتبعت حكومات، مثل كندا وكوريا الجنوبية، إلى الآن الطريقة السليمة لمواجهة الجائحة بنجاعة، مع بقاء الحوار الضروري متاحا، ويجب على الحكومات الأخرى أن تتبع النهج ذاته".

 

لقراءة النص الأصلي اضغط (هنا)

النقاش (1)
ناقد لا حاقد
الأربعاء، 01-04-2020 11:22 ص
في الجزائر عدنا الى سنوات التسعينات ، تحليق للطائرات المروحية ، اغلاق للمحلات و المقار الادارية ، قمع و منع للمواطنين و تعامل غير انساني من قبل ما يسمى بقوات الامن ، انه النظام العسكري