فنون منوعة

"رمضان بلا دراما حقيقية"

لماذا غابت دراما رمضان عن قنوات الثورة المصرية؟

الأعمال الفنية الهادفة حققت ردود فعل جيدة مؤخرا وحصلت على ملايين المشاهدات وبعضها فاز بجوائز دولية- عربي21
الأعمال الفنية الهادفة حققت ردود فعل جيدة مؤخرا وحصلت على ملايين المشاهدات وبعضها فاز بجوائز دولية- عربي21

* الأعمال الفنية "الهادفة" حققت ردود فعل جيدة مؤخرا وحصلت على ملايين المشاهدات وبعضها فاز بجوائز دولية

 

* المنتج أحمد زين: استمرار الأعمال الدرامية المستقلة هو الشيء الوحيد الكفيل بتطويرها.. وتأثَرنا بأزمة كورونا

 

* الفنان هشام عبد الله: هذه أسباب غيابنا عن شهر رمضان.. والقوى الناعمة لها أكبر الأثر في بناء وعي الشعوب

 

* أحمد الشناف: الدراما هي المُنتج الأكثر كُلفة في عمليات الإنتاج ونسعى في المستقبل لإنتاج أعمال جديدة

 

* المخرج حسام الغمري: غياب الإنتاج يعطل مسيرة واعدة بدأت قبل أعوام وكادت تُشكّل حركة فنية حُرّة

 
تغيب الأعمال الدرامية "الهادفة" في شهر رمضان هذا العام عن المحطات الفضائية المصرية في الخارج لأسباب إنتاجية، على الرغم من تحقيقها لردود فعل جيدة خلال السنوات الماضية، وحصولها على ملايين المشاهدات، وفوز بعضها بجوائز فنية دولية.

ويأتي هذا الغياب، في الوقت الذي أعلنت فيه القنوات المصرية المؤيدة للنظام عن الخريطة النهائية لقائمة مسلسلاتها الرمضانية 2020، والتي تخطت أكثر من 20 مسلسلا، رغم أزمة فيروس كورونا المستجد.

خلو رمضان من تلك الدراما هذا العام يزيد معاناة المشاهد المصري الذي يعاني أصلا من "وباء مسلسلات لا تلمس وجدانه، ولا تُعبر عن واقعه، ومن حجر صحي عام فرضته جائحة كورونا، ليبقى المشاهد يراوح مكانه بين سيئ إلى أسوأ"، بحسب فنانين ومنتجين تحدثت معهم "عربي21".

"دراما واعدة"

وبدأت الأعمال الفنية العربية المستقلة عام 2015 في مدينة إسطنبول التركية بمحاولات مبكرة مثل مسلسل سيت كوم "سمير بونديرة"، والتي كانت قالب درامي لمناقشة القضايا المجتمعية، واسكتشات فنية خفيفة أنتجتها قناة مكملين الفضائية، ثم مسرحية "الإمبراطور". وبدأت المسلسلات التلفزيونية بسيت كوم رمضاني لثلاثة مواسم رمضانية متتالية "نقرة ودحيرة"، ثم العمل الدرامي البارز "شتاء 2016" الذي عُرض في شهر رمضان الماضي، وحقق حينها نجاحا ملموسا.

 


وحازت تلك الأعمال الفنية ملايين المشاهدات، والتي كان منها مؤخرا مسرحية "الحرافيش" عن نص للأديب نجيب محفوظ، ثم أفلام سينمائية مثل "الهتك" و"بسبوسة بالقشطة"، والأخير حاز على مشاركات وجوائز دولية، ووصل عدد مشاهداته نحو 3 ملايين مشاهدة خلال شهرين تقريبا.

 


"رمضان بلا دراما حقيقية"

وعلى الرغم من جودة الأعمال الدرامية "الهادفة" التي عُرضت خلال السنوات الماضية، ونجاحها جماهيريا، إلا أنها تغيب هذا العام لأسباب إنتاجية، وعلى خلفية أزمة كورونا.

وعلق الفنان هشام عبد الله، الذي مثل دور البطولة في مسرحية "الحرافيش"، على هذا الغياب بالقول إن "أكثر ما يحزنني أن هذا الجمهور الذي وجد غايته بهذه الأعمال من فن المنفى، ولكنه بغيابها لن يجد أمامه سوى الإسفاف، والفن البعيد عن الواقع والمعنى، والقائم على تزييف الواقع، وتغييب الوعي"، مؤكدا أن "ما قمنا به من أعمال فنية في الغربة تسبب في ضجر وإزعاج ملموس للأنظمة الديكتاتورية في مجتمعاتنا العربية التي يؤرقها الفن الهادف، حيث واجهنا ما يقدمونه من فن، وتفوقنا على أعمال تُنتج بأرقام فلكية، رغم قلة الإمكانيات وضعف الإنتاج لدينا".

 


 

من جهته، أشار المنتج أحمد زين، الذي أنتج عدة أعمال درامية في تركيا، إلى "خطورة ترك المشاهدين فريسة لما تقدمه الأنظمة الحاكمة وأجهزتها الحكومية من دراما وفن، حيث أن تلك الأنظمة تهدف لاحتكار الرواية للأحداث والوقائع والتاريخ من وجهة نظرها فقط، وتتعمد تجاهل الكثير من الحقائق وترويج العديد من المغالطات والأكاذيب، وتغفل عن التطرق لقضايا المجتمع الحقيقية، وترك الملعب لهم خاليا تماما يسمح لهم بتمرير كل ما يريدون من أفكار ومغالطات وتشويه وأكاذيب، ويتحول الخير إلى شر والعكس، ويصبح المجني عليه جانيا، والظالم يصبح هو العادل والمدافع عن الحق". 

 

اقرأ أيضا: ما هي فرص نجاحات الفن العربي "المهاجر" خارج أوطانه؟

بدوره، أوضح المخرج المسرحي حسام الغمري، في تصريح لـ"عربي21"، أن "غياب إنتاج الأعمال الفنية في إسطنبول لن يكون أمرا إيجابيا على الإطلاق، لأنه يُعطل مسيرة جيدة بدأت قبل أعوام، حيث بدأت تظهر ملامح حركة فنية حُرّة تقدم أعمال هادفة لإيقاظ الضمير والوعي الجمعي في مواجهة أعمال درامية تتحكم فيها النظم القمعية الجاثمة على قلوب العرب".

ولفت الغمري إلى أن "غياب فن الثورة سيُعطي فرصة لمتابعة أعمال على الجانب الآخر تعبث بالوعي العربي، وتدعم أجندات الحكام المستبدين، وتُكرّس أفكار النخبة الحاكمة المتماهية بالطبع مع الأجندة الصهيونية، وبالتالي فكنت أتمنى كثيرا ألا تتوقف حركة الدراما التي شهدت نهضة كبيرة وصولا لإنتاج مسلسلين خلال شهر رمضان الماضي".

واتفق مدير عام قناة مكملين الفضائية مع الآراء المحذرة من غياب أعمال الدراما "الهادفة" هذا العام. وقال في حديثه لـ"عربي21": "للأسف سيجد المشاهد نفسه أسيرا لرواية الأجهزة الأمنية المصرية، وما تقدمه له عبر شركاتها الفنية، حيث يظهر فيها الشرطي – على سبيل المثال- رمزا للتسامح والبطولة والحرص على مصالح الوطن، بينما يغيب فيها الجانب المظلم لبعض أفراد الشرطة من قتل وتعذيب واختطاف للأبرياء، فضلا عن طرح قضايا الواسطة والمحسوبية، والرشاوى، والفساد، والظلم الاجتماعي، كما أن الساحة تكون مفتوحة أمام النظام- عبر أذرعه الفنية- لإطلاق النار على خصومه؛ فيصمهم بكل نقيصة أو عيب بغرض التشوية والقتل المعنوي".

وأكد الشناف أن "حالة الفراغ الفني حتما ستدفع المشاهدين لمتابعة دراما النظام والتأثر بها، رغم رداءة تلك الأعمال الفنية التي تعمل على تسطيح الوعي، ونسف القيم الإيجابية، لأن الإناء الفارغ سيملأه أحدهم، فإما أن تساهم في حصة منه، بصنع دراما قوية ومؤثرة وبها رواية حقيقية للأحداث بعيدا عن تزييف الوعي والواقع في دراما العسكر، أو يكون النصيب الأكبر لمسلسلات غير هادفة تشوه المجتمع وقيمه وأخلاقه".

"إمكانات قليلة وأعمال جيدة"

وعلى الرغم من قلة الإمكانيات الإنتاجية لأعمال دراما "المنفى"، إلا أن المشاركين فيها يعتقدون أنها أعمال جيدة، ويدللون على هذا بردود الفعل الطيبة عليها، وبأعداد المشاهدات العالية، وبالجوائز التي حصدتها بعض الأعمال مثل فيلم "بسبوسة بالقشطة".

وقال الفنان هشام عبد الله بهذا الصدد: "في السنوات السابقة كانت لنا تجارب فنية هدفها الفن للفن، ولكنها ترصد الواقع وتفاعلاته بكل حرية، وفوجئنا بالتفاف جمهور عريض حول هذه الأعمال، ولمسنا دعمه الكبير للتجربة، إلى أن وصلنا لأعلى درجات النجاح والمنافسة في مسلسل شتاء 2016، الذي كان بالنسبة لي تجربة فريدة أعتز بها، وقمت بها بكل حب وصدق، لأني لأول مرة أمتلك التعبير بحرية دون ضغوط أو موانع".

 



"فن حر بلا قيود"

وأكمل: "كانت مسرحية الحرافيش هي آخر أعمالي الفنية، والتي حققت نجاحا مبهرا، لكن الاستمرار يحتاج لميزانية إنتاجية بطبيعة الحال، ولأني هذه الأعمال غير ربحية، فبالتالي نحن نتعرض لأزمة على مستوى المنتجين، وأنا حزين للغاية لتوقف أعمالنا، وخاصة في شهر رمضان، لأنه أصبح لهذه الأعمال جمهورا ينتظر المزيد لما وجد فيها من احترام وتقدير للمشاهد وتعويضا لهم عن الإسفاف والعهر الفني المنتشر في هذا الزمن". 

ولفت عبد الله إلى أنه يعتز كثيرا بما قام به من أعمال فنية في غربته، مُعتبرا أنها من أنضج أعماله خلال مسيرته الفنية، و"ذلك لأني قمت بها بحرية، ونضج، ووعي، وحب، وصدق، ولأول مرة بلا أي قيود".

واتفق المنتج أحمد زين مع هشام عبد الله، حيث أكد أن "التحديات التي تواجه الدراما العربية المستقلة في إسطنبول لم تؤثر على جودة بعض الأعمال، ولم تعق المنتجين والفنانين عن القيام بدورهم، ولا يزال أمامنا العديد من الفرص لتطوير هذه الأعمال التي تسعى طوال الوقت للوصول إلى درجة الاحترافية العالية".

ورأى أن الأعمال الفنية التي قام بإنتاجها فنانون ومنتجون عرب في إسطنبول خلال الأعوام الماضية لازالت في "طور النمو والاستكشاف والتجارب، ومع ذلك نجحت في إنتاج بعض الأعمال المميزة، التي أثرت في جمهور واسع، وحصدت ملايين المشاهدات، بل أنها أحيانا تجاوزت أعمال فنية أخرى مُمولة من حكومات عربية ومرصود لها ميزانيات ضخمة جدا، وتتوافر لها سبل الدعاية، فضلا عن مشاركة نجوم لهم جماهيرية كبيرة".

"تجربة جيدة"

ومن جهته، أوضح مدير عام قناة مكملين الفضائية، أحمد الشناف، أن تجربة إنتاج الأعمال الفنية الخاصة بهم، والتي عرضتها قناة مكملين على مدار السنوات السابقة كانت "تجربة جيدة وواعدة، وقابلة للتطوير والتحسين، سواء على مستوى القصة والكتابة والحبكة الدرامية أو على مستوى التمثيل والتصوير والإخراج والإمكانات الفنية الأخرى بشكل عام".

"أزمة الإنتاج هذا العام"

ومع تأكد غياب الأعمال الدرامية "الهادفة" هذا العام، استطلعت "عربي21" الأسباب التي أدت لذلك.

وقال الفنان هشام عبد الله إن "الأسباب التي حالت دون إنتاج أعمال جديدة كثيرة ومتعددة، أهمها أنها ليست أعمال ربحية أو تجارية، وتوجد موانع لتسويقها أغلبها سياسية، بالإضافة لضعف الإمكانيات المالية، وعدم توفر الظروف المناسبة للإنتاج مثلما يحدث في كل الأعمال الفنية الأخرى".

وأشار، في تصريحات لـ"عربي21"، إلى أن "تجاوز الصعاب التي تواجه دراما الغربة والناس يحتاج للإيمان بمدى تأثير وفاعلية القوى الناعمة في تشكيل وبلّورة الوعي، لأنها تملك لغة مخاطبة الوجدان؛ فدقائق قليلة في العمل الفني تغني عن ساعات كثيرة من البرامج التوك شو التي لا نقلل من شأنها".

واستطرد قائلا: "يوجد لدينا طاقات وكوادر فنية مقبولة وجيدة لكل العناصر من إخراج وتمثيل وتصوير وتأليف وغيره، ولا ينقصنا سوى توافر الإمكانات التي تأتي عبر الجهات الإنتاجية الداعمة، والمنتج الصادق والمضحي الذي يؤمن بالرسالة الفنية وتأثيرها، خصوصا أن فن الغربة حر في تعبيره عن الواقع، ولا يقوده توجه ولا ضغوط بعينها مثلما يحدث في الدراما الأخرى التي تقوم الأنظمة وأنصارها بإنتاجها".

وختم عبد الله بقوله: "أحلم ونحن في معركة الوعي أن يُقدم فن يُعبّر عن أمتنا العربية، ويشارك بحق في بناء وعي الشعوب العربية المُغيب بفعل الأنظمة الحاكمة، لإيماني أن وعي الشعوب سيكون له أكبر الأثر في بناء الأمة على يد شعوبها وليست الأنظمة، وبلا شك القوى الناعمة لها أكبر الأثر في بناء الوعي، بدليل أن دول كبرى جدا كأمريكا صنعت قوتها عن طريق الفن والسينما".

"ضعف الموارد المالية"

المنتج الفني أحمد زين علق بدوره على الأزمة، بقوله: "في الظروف المستقرة في أي سوق إنتاجي هناك تحديات تواجه أي مُنتج أو أي قناة فضائية معنية بعرض الأعمال الدرامية، وعلى رأس تلك التحديات: توافر الميزانيات الإنتاجية، والنص الجيد، وجاهزية فريق العمل، وقدرة جهة الإنتاج على ضبط المواعيد الإنتاجية، وتسليم الأعمال بمستوى فني مقبول وفقا للميزانيات المرصودة.

هذه التحديات التي تواجه أي منتج، كما يقول زين، يُضاف إليها "تحدي آخر يواجهنا في العمل خارج بلادنا؛ فرغم توافر عناصر عربية فنية عديدة، والتعاون مع الفنيين الأتراك، إلا أن العملية الإنتاجية بالنسبة لنا أصعب بلا شك".

وأكد زين أن الإنتاج تأثر بأزمة كورونا، لكن يظل الإنتاج الدرامي العربي في إسطنبول في احتياج إلى الجهات الإنتاجية المتحمسة لدعم هذه الأعمال بالميزانيات اللائقة.

وأضاف زين، في حديث مع "عربي21"، أن "ضعف الموارد المالية للقنوات العربية في تركيا، وعدم وجود إعلانات تجارية تحقق مدخولا كافيا لها يقلل من حجم الإنتاج الدرامي".

"استمرار الإنتاج هو الحل"

وحول تطوير الأعمال الدرامية، قال زين إن "استمرار الأعمال الدرامية العربية المستقلة في إسطنبول هو الشيء الوحيد الكفيل بتطويرها، ولو توقفت الحركة الفنية التي بدأت قبل نحو 5 أعوام بمنتجين وممثلين ومخرجين مختلفين فهذا يعني أننا سنعود بعد سنوات أخرى طويلة إلى نقطة الصفر في الإنتاج الدرامي، والتي تجاوزناها بالفعل، بينما لو تم البناء على ما هو موجود من كوادر فنية ومنتجين ومخرجين وقنوات فضائية لديها جمهور واسع، وفي ظل مشاهدين كُثر متحمسين لمشاهدة تلك الأعمال، ستختلف المعادلة تماما، وسنصل لمستوى متقدم جدا ومنافس قوي في هذا الصدد".

واختتم أحمد زين حديثه بالقول: "ينبغي أن يكون هناك تواجدا لكل وجهات النظر، ونترك الحكم والقرار الأخير للمشاهد، ليحدد إذا ما كان هذا العمل الفني هو المُعبّر عن آماله وآلامه أم لا؟".

"ميزانية إنتاج الدراما"

من جهته، ذكر المدير العام لقناة مكملين الفضائية، أحمد الشناف، أن "عدم توفر ميزانية لإنتاج دراما جديدة لهذا العام، هو الأمر الذي حال دون إنتاج أعمال فنية جديدة نعرضها على شاشتنا"، لافتا إلى أن "الدراما هي المُنتج الأكثر كُلفة في عمليات الإنتاج على وجهة العموم، وكلما زادت الجودة الفنية زادت النفقات بالتبعية".

وبسؤاله عما إذا كانوا سيساهمون في إنتاج أعمال فنية جديدة خلال الفترة المقبلة، أجاب: "نسعى لذلك إن شاء الله في المستقبل، وقد كنّا حريصين على مدار السنوات الماضية على إنتاج أعمال درامية بالشراكة مع شركات إنتاج لديها رسالة وقيم تسعى لتقديمها، ونأمل أن تكون الدراما حاضرة في قناة مكملين وغيرها من القنوات الهادفة بشكل دائم طوال العام، ولا تكون موسمية فقط".

أما حسام الغمري، الذي قام بتأليف وإخراج مسرحية "الحرافيش"، وهي أول عرض مسرحي عربي في إسطنبول، فقد أرجع غياب الأعمال الفنية خلال شهر رمضان الحالية لأسباب إنتاجية، إلا أنه اقترح قيام الكيانات المصرية الكبيرة الموجودة في إسطنبول بدعوة "المصريين والعرب الوطنيين والأحرار لعمل اكتتاب، وفتح صندوق تبرعات لإنتاج دراما تنتمي لقيمنا ومبادئنا للتغلب على أزمة الإنتاج، خاصة في ظل تلك الأوقات الفارقة والفاصلة في عمر أمتنا".

النقاش (0)