مقالات مختارة

تفاوتات الدخل والنفوذ السياسي ​

بول كروغمان
1300x600
1300x600

مبدئيا، أمريكا دولة ديمقراطية، حيث يكتسي كل صوت الأهمية نفسها. ولكنها أيضا دولة ازداد فيها التفاوت في الدخل. وعليه، فقد يتوقع المرء رؤية رد فعل سياسي قوي يشمل مطالب بفرض ضرائب أعلى على الأغنياء، ورفع الإنفاق على الطبقة العاملة، والزيادة في الأجور.

 

غير أن السياسات سارت في الاتجاه الآخر عموما، إذ انخفضت معدلات الضريبة على الشركات والرواتب العالية، وسُحقت النقابات، وأصبح الحد الأدنى للأجور (بعد أخذ التضخم في عين الاعتبار)، أقل مما كان عليه في الستينيات. فكيف حدث هذا؟ 


الجواب أن التفاوت الضخم في الدخل والثروة يُترجم إلى تفاوت مماثل في النفوذ السياسي. ولرؤية كيف يعمل هذا الأمر، لننظر إلى مثال حديث نسبيا: الصفقة الكبرى بشأن الميزانية التي كادت تعقد في 2011.


وقتئذ، كانت واشنطن في قبضة حمى عجز الميزانية. ومع أن الحكومة الفدرالية كانت تستطيع الاقتراض بمعدلات فائدة منخفضة تاريخيا، إلا أن كل الشخصيات المهمة في واشنطن تقريبا بدا أنها تجمع على أن عجز الميزانية هو أهم موضوع يواجه أمريكا، وأنه من الضروري كبح الإنفاق على «الضمان الاجتماعي» و«ميديكير». وهكذا اقترحت إدارة أوباما صفقة على الجمهوريين: خفض في «الضمان الاجتماعي» و«ميديكير» في مقابل زيادة طفيفة في الضرائب على الأغنياء. ولكن الصفقة تعثرت فقط لأن الحزب رفض قبول ولو زيادة صغيرة في الضرائب. 


السؤال هو: من كان يرغب في الصفقة؟ الجواب: ليس الجمهور الأمريكي. 


ذلك أن الناخبين بشكل عام لم يكونوا قلقين كثيرا بشأن عجز الميزانية، مثلما تؤكد استطلاعات الرأي. وفي الأثناء، أبدت كل من إدارة أوباما والجمهوريين مواقف تتعارض مع رغبات الجمهور. إذ إن أغلبية كبيرة كانت ترغب دائما في رؤية توسيع لمزايا «الضمان الاجتماعي» وليس تقليصها. كما أن أغلبية كبيرة مماثلة كانت تقول دائما إن الأمريكيين من أصحاب الدخل المرتفع يدفعون أقل مما ينبغي من الضرائب، وليس أكثر مما ينبغي. 


وبالتالي، فالسؤال هو: مصالح من حُميت في المعركة حول الميزانية في 2011؟ الجواب: الأغنياء. 
فقد وجد دراسة شهيرة حول التفضيلات السياسية للأمريكيين الأغنياء في 2011 أن الأغنياء، وخلافا للناخبين بشكل عام، كانوا بالفعل يولون تقليص العجز الأولوية على ما سواه. وفي تباين كبير مع الجمهور العام أيضا، كانوا يفضلون تقليص «الضمان الاجتماعي» والإنفاق على قطاع الصحة. 


ثم إنه إذا كان بعض المليارديرات البارزين مثل «وارن بافيت» قد دعوا إلى زيادة الضرائب على الأشخاص مثله، فإن الواقع هو أن معظم المليارديرات مهووسون بخفض الضرائب، مثل الضريبة على العقار، التي يدفعها الأغنياء فقط. 


بعبارة أخرى، في 2011 مالت إدارة ديمقراطية كليا إلى موضوع يوليه الأغنياء فقط الأولوية وفشلت في التوصل لصفقة فقط لأن الجمهوريين لم يريدوا أن يتحمل الأغنياء أي عبء. 


ولكن لماذا يمتلك الأغنياء الكثير من التأثير على الحياة السياسية؟ المساهمات المالية في حملات السياسيين الانتخابية التي يهمين عليها الأغنياء تاريخيا، تُعد جزءا من القصة. فهذا تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» لعام 2015 وجد في تلك الفترة أن أقل من 400 عائلة تمثّل نصف الأموال التي جُمعت في حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2016.

 

وهذا مهم بشكل مباشر، لأن السياسيين الذين يقترحون زيادات كبيرة في الضرائب على الأغنياء لا يمكنهم توقع رؤية الكثير من أموالهم، وبشكل غير مباشر، لأن المانحين الأغنياء لديهم إمكانية الوصول إلى السياسيين بطريقة ليست متاحة للأمريكيين العاديين، ويلعبون دورا غير متناسب مع حجمهم في التأثير على رؤية صناع السياسات للعالم. 


بيد أن تأثير المال على السياسة يتجاوز تمويل الحملات الانتخابية. فالرشى الصريحة والمباشرة قد لا تكون عاملا حقيقيا، إلا أن ثمة مع ذلك مكافآت مالية شخصية كبيرة للشخصيات السياسية التي تدعم مصالح الأغنياء. والسياسيون المؤيدون للأغنياء الذين يتعثرون، مثل الزعيم السابق للأغلبية «الجمهورية» في مجلس النواب إيريك كانتور، سرعان ما يجدون مناصب ذات رواتب كبيرة في القطاع الخاص، أو وظائف في وسائل الإعلام اليمينية أو مناصب ذات رواتب مجزية بمراكز البحوث. 


ثم إن حتى المواضيع التي تناقشها وسائل الإعلام غالبا ما تعكس أجندة شخص غني. دولارات الإعلانات قد تفسّر بعضا من هذا التحيز، ولكن الكثير منه ربما يعزى لعوامل غير ظاهرة تماما، مثل الاعتقاد (الخاطئ غالبا) بأن الأشخاص الذين حققوا الكثير من الأموال لديهم فهم خاص لكيف يمكن للبلاد بأسرها أن تحقق الازدهار والرخاء. 


كلا إن أمريكا ليست نظاما أوليغارشيا (نظام الأقلية الغنية)، يحصل فيه الأغنياء دائما على ما يريدون. ففي نهاية المطاف، الرئيس أوباما أشرف على «قانون الرعاية الرخيصة» الذي يُعد أكبر توسيع للمزايا الحكومية منذ الستينيات، وعلى زيادة مهمة في الضرائب الفيدرالية على الـ1 في المئة الأغنى في أمريكا، من 28% إلى 34%. 


ثم كلا إن الحزبين ليسا في جيب الأغنياء الأمريكيين بشكل متساو. فـ«الديمقراطيون» أضحوا تقدميين على نحو متزايد، في حين يهيمن الأغنياء على الأجندة «الجمهورية». وقد يكون ترامب ترشح للانتخابات كشعبوي، ولكنه حينما وصل إلى الرئاسة عكس معظم الزيادة الضريبية التي أقرها أوباما،

وحاول في الوقت نفسه سحب التأمين الصحي من 23 مليون أمريكي (ولكنه فشل حتى الآن). 


غير أن الحقيقة هي أن أمريكا أقل ديمقراطية وأكثر أوليغارشية مما نحب أن نعتقده. ولمعالجة معضلة انعدام المساواة هذه، سيتعين علينا مواجهة قوة سياسية غير متساوية، وكذلك دخل وثروة غير متساويين.

(الاتحاد الإماراتية)

0
النقاش (0)