مقابلات

في مقابلة خاصة مع "عربي21"

أكاديمي تركي: اللغة العربية تأثرت بغياب الديمقراطية بالمنطقة

البروفيسور أحمد طوران أرسلان قال إن كل التحديات أمام اللغة العربية ستزول حال توحد العرب والمسلمين- مواقع التواصل
البروفيسور أحمد طوران أرسلان قال إن كل التحديات أمام اللغة العربية ستزول حال توحد العرب والمسلمين- مواقع التواصل

* لغتنا العربية متميزة في كل شيء وذات خصائص عظيمة قلما تجتمع في لغة واحدة

 

* سيزداد عدد الناطقين باللغة العربية لتصبح اللغة الثالثة بعد الصينية والهندية بحلول 2050

 

* أدعو لتضافر الجهود للعمل على استعادة مكانة المسلمين وساعتها ستعود اللغة العربية إلى سابق عهدها

 

* كل التحديات أمام اللغة العربية ستزول حال توحد العرب والمسلمين على قلب رجل واحد

 

* السياسات التعليمية العربية أدى بعضها إلى الإضرار باللغة العربية إضرارا بالغا

 

* دعاة الابتعاد عن اللغة العربية في البلاد العربية "مأجورون ثقافيا" ويتبعون الثقافات التي تربّوا عليها

 

* من الطبيعي أن تواجه "العربية" مخاطر فهي لغة الهوية الإسلامية وكلنا ثقة في وعد الله بحفظها إلى يوم القيامة

قال البروفيسور أحمد طوران أرسلان، عميد كلية العلوم الإسلامية في جامعة السلطان محمد الفاتح التركية، إن غياب الديمقراطية عن بعض الحكومات في الدول العربية والإسلامية نتج عنه تقصير في حق اللغة العربية، مؤكدا أن غياب الديمقراطية عن هذه الدول هو السبب الرئيس في عدم تنفيذ توصيات المؤتمرات التي تهدف لإنقاذ اللغة العربية مما تردّت فيه؛ فالقائمون على المؤتمرات ليسوا مَن بأيديهم تنفيذ التوصيات التي ينتهون إليها.

ورفض، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، قول البعض بأن لغة الضاد باتت ضعيفة اليوم، لأن "التقدُّم والتخلُّف إنّما يصيب أهل اللغة الناطقين بها، والضعف الذي يُشار إليه يوصف به أهل العربية، ولا يخفى على أحد حال المسلمين اليوم وما فيه أكثرهم من ضعف وهوان".

ودعا أرسلان إلى "تضافر جهود العالم الإسلامي كله من أجل العمل على استعادة مكانة المسلمين في العالم، وساعتها ستعود اللغة العربية إلى سابق عهدها حين كانت لغة للعلم والثقافة والحضارة"، مشيرا إلى أن المسؤولية تقع على عاتق المسلمين جميعا؛ لأن اللغة العربية ليست لغة العرب وحدهم، بل هي لغة المسلمين جميعا.

ووصف الأكاديمي التركي دعاة الابتعاد عن اللغة العربية في البلاد العربية بأنهم "مأجورون ثقافيا؛ يتبعون الثقافات التي تربوا عليها"، مُنوّها إلى أنه من "الطبيعي أن تواجه اللغة العربية مخاطر فهي لغة الهوية الإسلامية، لكن كلنا ثقة في وعد الله الذي تكفل بحفظها إلى يوم القيامة".

 

وفي 18 كانون الأول/ ديسمبر يحتفل العرب حول العالم من كل عام باليوم العالمي للغة العربية.

وقد وقع الاختيار على هذا التاريخ بالتحديد للاحتفاء باللغة العربية لأنه اليوم الذي اتخذت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1973 قرارها التاريخي بأن تكون اللغة العربية لغة رسمية سادسة في المنظمة.

وتاليا نص المقابلة الخاصة:

 

ما هو واقع اللغة العربية في عالمنا اليوم؟ وما هي مكانتها الآن بين لغات العالم؟


اللغة العربية بحق لغة غير عادية. لغة ذات خصائص عظيمة قلما تجتمع في لغة واحدة. لغة متميزة في كل شيء تقريبا: في رسمها، وأصواتها، ومعانيها، ومفرداتها، وتراكيبها. وهي لغة ذات إرث حضاري واسع وعميق؛ فقد كانت لغة العلم والحضارة لقرون متطاولة. وقبل كل هذا، هي اللغة التي تفردت بالشرف الإلهي والمنزلة الربانية حين أنزل بها القرآن الكريم.

وسأسرد لك بعض المؤشرات التي تبدو إيجابية في تصور حال اللغة العربية الآن، ومنها أن عدد المتكلمين باللغة العربية حسب الإحصائيات العالمية 422 مليون نسمة تقريبا، وتأتي في المرتبة الرابعة بين مئات اللغات في العالم، وعدد المتكلمين بها في ازدياد نتيجة النمو السكاني المضطرد في العالم العربي، وتشير دراسات عديدة إلى أن عدد الناطقين باللغة العربية سيزداد لتصبح اللغة الثالثة بعد الصينية والهندية بحلول 2050. إضافة إلى أن المسلمين الذين يُشكّلون الديانة الثانية في العالم ويتجاوز عددهم 1.62 مليار نسمة كلهم يتحدثون ويقرؤون شيئا من العربية في تلاوتهم وعبادتهم.

لكن ما أسباب ضعف لغة الضاد؟ ومَن يتحمل المسؤولية عن ذلك؟


لغة الضاد ليست ضعيفة، وإنَّما يصيب التقدُّم والتخلُّف أهل اللغة الناطقين بها، والضعف الذي تقصده يوصف به أهل العربية، ولا يخفى على أحد حال المسلمين اليوم وما فيه أكثرهم من ضعف وهوان. أما مَن يتحمل المسؤولية، فالمسؤولية تقع على عاتق المسلمين جميعا لأن اللغة العربية ليست لغة العرب وحدهم، بل هي لغة المسلمين جميعا، ولذا لا بد من تضافر جهود جمعية للعالم الإسلامي كله من أجل العمل على استعادة مكانة المسلمين في العالم، وساعتها ستعود اللغة العربية إلى سابق عهدها حين كانت لغة للعلم والثقافة والحضارة.

ما خطورة غزو اللغات الأجنبية للدول العربية والمسلمة؟ وما أهمية لغة الضاد لكل مسلم عربي أو غير عربي؟


لا يوجد - في رأيي - خطورة على اللغة العربية من اللغات الأجنبية، فإن تعلم اللغات الأجنبية ليس فيه مشكلة في حد ذاته، وإنما تكمن الخطورة في ماهية هذه اللغة الأجنبية التي يتعلمها صاحب اللسان العربي أي في محتواها التعليمي والأيديولوجي الذي يؤثر بلا شك على الأيديولوجيا العربية والإسلامية وبما يتعارض معها في كثير من الأحيان، حيث اختلاف المضمون العقدي الديني والموروث الثقافي والسلوكي والقيمي والخلقي.

وفي الحقيقة إن التعليم الأجنبي قد يزرع في الطالب الانتماء إلى اللغة والثقافة الأجنبية بكل ما تحمله من معان وأفكار ومفاهيم لا ترتبط بالتراث الإسلامي.

التطورات التكنولوجية والتحولات الرقمية.. هل كان لها أثر إيجابي أم سلبي على اللغة العربية؟


التحولات الرقمية كغيرها من مظاهر التطور في المجتمعات والحضارات لها آثارها الإيجابية والسلبية على كل مظاهر الحياة، ومنها اللغات، وإن كنا سنخصص الحديث بالإيجابيات فإن التحول الرقمي جعل العربية متاحة للجميع، وبمثال بسيط فإن مَن كان يريد أن يتعلم العربية في الماضي كان عليه أن يسافر إلى حيث يتعلم أما الآن فبضغط على أزرار الحاسوب يلتقي بمَن يريد من المعلمين ويحصل على ما يشاء من الكتب، والمهم هو استثمار الإيجابيات، لأنها إذا استثمرت الاستثمار الأمثل ستزول السلبيات من تلقاء نفسها.

ما هي التحديات التي تواجه اللغة العربية؟ وكيف يمكن تجاوزها برأيكم؟


التحديات كثيرة، ويأتي على رأسها تفرق العرب والمسلمين وعدم توحدهم، فإن توحدوا وأصبحوا على قلب رجل واحد ساعتها ستزول كل التحديات أمام العربية، لأن الناطقين بها سيكونون قوة يعمل لها ألف حساب، ويستطيعون أن يتخذوا القرارات والسياسات والإجراءات المناسبة التي تمكن لغة القرآن في كل دول العالم وتعيد إليها المكانة التي احتلتها على مدى قرون كانت فيها غيرها من اللغات تعيش عصورا من الظلامية والجهل.

ما أبرز الصعاب التي تواجه تعليم العربية للناطقين بغيرها؟


من أهم هذه الصعوبات نقص الإمكانات المادية، وعدم وجود المعلم المُعد تربويا وعلميا، وإهمال بعض الدول لهذا المجال. وهناك صُعوبات مصدرها الطالب الذي قد يفتقر إلى الدافع والحافز الذي يُشجعه على تعلم اللغة العربية، وقد يكون الطالب مُقصرا من ناحية بذل الجهد الكافي لتعلم اللُغة العربية، وصُعوبات مصدرها طريقة التعليم المُستخدمة ذلك كعدم مُراعاة الفروق الفردية بين الطلاب، أو كالاعتماد بشكل كبير على الترجمة، واستخدام أسلوب التلقين في أثناء العملية التعليمية.

وهناك صُعوبات مصدرها منهج التدريس؛ فقد يُشكل منهج التدريس المُستخدم لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها عائقا أمامهم حينما يكون ذلك المنهاج مشروحا بلغة الخِطاب المُتداولة بين الناطقين بالعربية، أو قد يكون المنهاج لا يوظف القواعد النحوية والصرفية توظيفا صحيحا في الفهم والتحدث.

السياسات الرسمية العربية مُتهمة بالتقصير في الحفاظ على اللغة العربية.. كيف تنظرون لهذا الأمر؟ ولماذا لم تفلح توصيات بعض المؤتمرات في إنقاذ اللغة العربية مما تردّت فيه؟


الشعوب العربية تحب لغتها وتُقدّر مكانتها، هذا ما لمسته من خلال الاحتكاك بالأساتذة والطلاب العرب، أما بعض الحكومات فغياب الديمقراطية عنها هو ما يجعلها مُقصرة في حق العربية، وهذا هو السبب الرئيس في عدم تنفيذ توصيات المؤتمرات، فالقائمون بالمؤتمرات ليسوا من بأيديهم تنفيذ تلك التوصيات.

والواقع أن السياسات التعليمية العربية قد أدى بعضها إلى الإضرار باللغة العربية إضرارا بالغا، ففي الدول العربية تعليم خاصّ، أجنبي في معظمه، لأبناء النخبة، وتعليم حكومي سيِّئ لأبناء عامة الشعب، وجلّ المدارس الخاصّة لا تعلِّم باللغة العربية، وإنَّما بلغات الدول الأجنبية التابعة لها. ويوجد أسباب أخرى كثيرة لا يكفينا الوقت لتعدادها.

البعض يرى أن مواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت كشفت تدني مستوى اللغة العربية.. هل هذا صحيح؟


بعضه صحيح وبعضه غير صحيح؛ فمواقع التواصل كما بها مَن يكتبون بلغة متدنية بها أيضا مَن يكتبون بلغة راقية.

كيف تُشكّل اللغة العربية جزءا مهما من هوية المسلمين والعرب؟


هي لغة القرآن ولغة النبي صلى الله عليه وسلم. وهي لغة العبادة والمناسك لدى المسلمين. وقد كانت الممارسات أو الحسابات والنوايا المعادية للعربية التي حملت سمات القومية والعلمانية واللادينية في المجتمعات الإسلامية التي شاهدناها طيلة التاريخ الحديث وراء هوية كونها لغة دينية.

البعض يرى أن هناك جهات ما تحارب اللغة العربية بشكل مباشر أو غير مباشر في الدول العربية وأن تلك الجهات حققت نجاحات في هذا الصدد بالنسبة لها حتى أن اللغة الأم لبعض العرب باتت تواجه مخاطر جمّة بالنسبة لهم.. ما تعقيبكم؟


دعاة الابتعاد عن اللغة العربية في البلاد العربية هؤلاء في الغالب مأجورون ثقافيا؛ فهم يتبعون الثقافات التي تربوا عليها، وطبيعي أن تواجه اللغة العربية مخاطر فهي لغة الهوية الإسلامية، لكن كلنا ثقة في وعد الله الذي تكفل بحفظها إلى يوم القيامة.

كيف تنظر لعلاقة تركيا باللغة العربية؟ وما حجم تواجدها بها؟ وهل هناك تجارب تركية لتعليم العربية في ظل التحول الرقمي؟

 

علاقة تركيا باللغة العربية علاقة قديمة وليست جديدة، وإذا رحنا نعدد العلماء الأتراك الذين كتبوا بالعربية وأبدعوا بها فهذا يحتاج إلى مؤسسات، وكانت الحروف العربية مستخدمة في عهد الدولة العثمانية، وكانت تُدرّس في مدارسها بكل دقائق صرفها ونحوها وبلاغتها. ومن أدلة أهمية اللغة العربية للأتراك مؤلفات علمائنا التي تملأ مكتبات العالم اليوم.

أما مسألة التحول الرقمي في تعليم اللغة العربية في تركيا؛ فالتجارب كثيرة، بل قل إن كل التجارب الآن هي في ظل التحول الرقمي، وهذا ما دعا كلية العلوم الإسلامية بجامعة السلطان محمد الفاتح الوقفية إلى تنظيم ملتقى دولي يومي 19- 20 كانون الأول/ ديسمبر الماضيين كان بعنوان "تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها في ظل التحول الرقمي: تجارب وآفاق"، وكان الهدف منه عرض كثير من التجارب الدولية في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها في ظل التحول الرقمي لتحقيق التطوير المناسب في المجال.

هل مستقبل اللغة العربية في خطر كما يقول البعض؟


اللغة العربية كما ذكرت قبل ذلك محفوظة بوعد من الله إلى قيام الساعة، لكن ليس معنى ذلك أن نركن إلى الوعد ولا نأخذ بأسباب تحقيق النهضة، فكل منا مسؤول في مكانه ومكانته وعمله مسؤول عن هذه اللغة، وأن يتخذ من التدابير ما يحفظها ويحافظ عليها.

ما الحلول التي تقترحها لمواجهة العولمة للحد من تأثيراتها السلبية على الهوية واللغة العربية؟


إن العولمة من جهة قد فتحت بابا ووفرت جميع الوسائل لكل لغة لتجد سبيلها إلى خوض التواصل الدولي، ولكنها من ناحية أخرى قد أدت إلى ما يمكن الإطلاق عليه مصطلح "أزمة الهوية اللغوية" حيث إن أبناء هذا العصر لم يعودوا يعيشون اللغة التي تنتمي إليها ثقافاتهم وحضارتهم، وإنما يعيشون اللغة المهيمنة على التواصل الدولي. لذلك يتطلب حتمية استعمال اللغة العربية كأداة لتبليغ التقانة لتأمين مستقبل لغتنا، ولتأهيلها لتتبوأ المكانة اللائقة بها بين اللغات الحيّة. وينبغي أن لا نغفل حقيقة أخرى ستساعد ولاشك اللغة العربية على احتلال هذه المكانة في المستقبل، وهذه الحقيقة تتجلى في كون اللغة العربية في حاجة إلى مسايرة العصر، حتى تُعبّر عن فكر عصري، وتسهم في خلق هذا الفكر العصري.

النقاش (0)