كتب

"صفقة القرن" فرصة الفلسطينيين للمراجعة وبناء خطة للمواجهة

تعبّر"صفقة القرن"عن رؤية إسرائيلية ـ أمريكية لتصفية نهائية للقضية الفلسطينية
تعبّر"صفقة القرن"عن رؤية إسرائيلية ـ أمريكية لتصفية نهائية للقضية الفلسطينية

الكتاب: "خدعة القرن.. أبعادها واستراتيجية مواجهتها"
المؤلف: مصطفى البرغوثي
الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، 2020

تعبّر"صفقة القرن"عن رؤية إسرائيلية-أمريكية لتصفية نهائية للقضية الفلسطينية، بما تتضمنه من ضم وتهويد لأراضي الضفة الغربية، وتجاهل سافر للحقوق الفلسطينية، لكن الإعلان عنها بطريقة استعراضية واستعلائية فجة لم يكن ليحدث لولا ضعف الأداء الرسمي الفلسطيني وارتهانه لنهج التفاوض والوسيط الأمريكي، خصوصا بعد اتفاق أوسلو، الذي ساهم في تكريس الانقسام الفلسطيني، وتقييد حركة التحرر عبر سلطة يتحكم بها الاحتلال. 

اتفاق فشل، بحسب مصطفى البرغوثي، الكاتب والسياسي المعروف ومؤسس حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية، "لأنه بني على اعتقاد خاطئ بأن إسرائيل مستعدة للقبول بحل وسط، ثم اتضح أن إسرائيل استخدمت الاتفاق لكسب الوقت وفرض أمر واقع جديد على الأرض، إضافة  إلى استخدام الاتفاق لإحداث شرخ في الصف الفلسطيني، وكمدخل للتطبيع مع العالم بما في ذلك الوطن العربي". 

رافق ذلك أوضاع صعبة شهدتها الدول العربية تمثلت بحروب أهلية وصراعات، و"خنق التحولات والثورات الديمقراطية، وكلها أمور استغلتها إسرائيل بذكاء لتمرير عمليات التطبيع مع المحيط العربي، بما يرافقها من تراجع في التضامن مع الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة". 

 

تكرر وثيقة صفقة القرن في كل صفحة من صفحاتها الرواية الإسرائيلية، وتتعمد في الوقت نفسه أن تغتال الرواية الفلسطينية. ولا يمثل انحياز الإدارة الأمريكية الجلي لإسرائيل في هذه الوثيقة أمرا جديدا.. لكن الجديد أنه يمثل تحالفا مع أكثر الاتجاهات عنصرية ويمينية في إسرائيل...

 



يرى البرغوثي أن ما نشهده اليوم هو انتقال الحركة الصهيونية إلى المرحلة الثالثة من مشروعها، إذ سعت في المرحلة الأولى التي امتدت حتى عام 1948 إلى تأسيس الوجود الصهيوني في فلسطين، واستكملت المرحلة الثانية باحتلال باقي الأراضي الفلسطينية وتوسيع الاستيطان مع تغذية الانقسامات الداخلية الفلسطينية وفصل غزة عن الضفة، وبدأت الآن في المرحلة الثالثة التي تهدف إلى تصفية كل مكونات القضية الفلسطينية بدءا من حق العودة وحق الفلسطينيين في القدس، مرورا بتصفية فكرة الاستقلال في دولة فلسطينية، وانتهاء بمحاولة ترحيل أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين من أرض فلسطين التاريخية وبتحقيق التطبيع مع المحيط العربي.

يقول البرغوثي إن الفلسطينيين، في هذه الظروف، يجب أن يدركوا أنهم ليسوا في مواجهة تكتيكية عابرة مع الحركة الصهيونية، بل هي مواجهة استراتيجية شاملة، تستند إلى القناعة بأن الحركة الصهيونية بكل مكوناتها اليمينية واليسارية قد أنهت فكرة ما سمّي "الحل الوسط" أو "حل الدولتين". وهذه المواجهة الاستراتيجية تستدعي التخلي عن كل ما فشل وعن أساليب المرحلة التي استمرت سبعة وعشرين عاما منذ أن وقع اتفاق أوسلو. 

وتتطلب هذه المواجهة انخراطا أوسع في المقاومة الشعبية، وحركة المقاطعة، وتوحيد طاقات كل مكونات الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، ودعم صمود وبقاء الشعب الفلسطيني، وإنهاء الانقسام وبناء قيادة وطنية موحدة. فالتحدي الاستراتيجي يتطلب ردا استراتيجيا، فكل وجود وتاريخ ومستقبل الشعب الفلسطيني صار على المحك، بحسب البرغوثي.

خطة كراهية

في الكتاب، موضوع العرض، يشرح البرغوثي في الفصل الأول مكونات وتفاصيل "صفقة القرن" ويقدم لها تحليلا شاملا يوضح أهدافها الحقيقية. ويركز في الفصل الثاني على تقديم رؤية للاستراتيجية التي يجب تبنيها في مواجهتها، ليعيد في الفصل الثالث نشر تحليل للآثار المتوقعة لتوقيع اتفاق أوسلو كان قد ضمنه مقالة نشرت في 1998 تحت عنوان "ما بعد أوسلو" شرح فيها طبيعة العمليات التي تقوم بها إسرائيل لفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وكشف فيها عن الإجراءات الإسرائيلية لإنشاء نظام أبارتهايد عنصري كحل إسرائيلي للوجود الديمغرافي الفلسطيني

يستحضر البرغوثي هذه المقالة ليلفت إلى أن الفلسطينيين لم يفتقروا إلى الرؤية الصحيحة في ذلك الوقت لكن من سيطروا على القرار الرسمي الفلسطيني كانوا "يحملون ويطبقون، للأسف، رؤية مختلفة اتضح لاحقا كم كانت خاطئة".

"تكرر وثيقة صفقة القرن في كل صفحة من صفحاتها الرواية الإسرائيلية، وتتعمد في الوقت نفسه أن تغتال الرواية الفلسطينية. ولا يمثل انحياز الإدارة الأمريكية الجلي لإسرائيل في هذه الوثيقة أمرا جديدا.. لكن الجديد أنه يمثل تحالفا مع أكثر الاتجاهات عنصرية ويمينية في إسرائيل... لذلك لا يبدو مستغربا أن جزءا من كتاب الأعمدة والمقالات في الصحف الإسرائيلية يهاجم صفقة القرن من منطلق أن تبنيها للعنصرية اليمينية الإسرائيلية تجر إسرائيل إلى كارثة نظام الأبارتهايد، الذي يعني بحسب تعبير هؤلاء الكتاب نهاية إسرائيل كدولة ديمقراطية". 

يشير البرغوثي إلى أمور يعتبرها أساسية في فهم المنطلقات التي قامت عليها "صفقة القرن"، وهي إلى حد كبير توضح المنطق الذي حكم تفاصيلها، منها أن هذه الصفقة ليست مشروعا أمريكيا بل هي مشروع إسرائيلي صاغه بنيامين نتنياهو وأركان اليمين الإسرائيلي المتطرف بالتعاون مع فريق دونالد ترامب. ومعظم ما جاء فيها من أفكار واقتراحات موجودة بالفعل في كتاب نتنياهو"مكان تحت الشمس" الذي أصدره بعد توقيع اتفاق أوسلو في عام 1994. 

ثم إن الصفقة تفترض أن الفلسطينيين قد هزموا وعليهم الاستسلام والقبول بما تفرضه إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية "إذ تنضح صفحاتها بالإهانة ومحاولات الإذلال للفلسطينيين" في محاولة لتجاهل أن ما هزم ليس الشعب الفلسطيني، الذين لا ينوي الاستسلام بأي حال من الأحوال، إنما "الوهم الذي عاشه بإمكان حل وسط مع إسرائيل المتطرفة". 

أيضا فإن الصفقة تستبدل برؤية ترامب والإدارة الأمريكية للحل القرارات الدولية في كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وهي رؤية يمكن وصفها ببساطة بمشروع لتصفية جميع عناصر القضية الفلسطينية الرئيسية وحقوق الفلسطينيين السياسية والإنسانية.

إلى ذلك فإن التطبيع مع الدول العربية من جهة والاحتلال من جهة ثانية يعد هدفا رئيسيا للصفقة "لعزل الشعب الفلسطيني وكسر مقاومته، ولتعزيز قدرة إسرائيل التنافسية مع القوتين الإقليميتين إيران وتركيا، مع تكريس وضع المحيط العربي كمفعول به وليس كفاعل في الصراع الدائر في المنطقة. إنها كما وصفها الباحث الإسرائيلي دانييل ليفي "خطة كراهية وليست خطة سلام" مليئة بنصوص تنضح بالكراهية للفلسطينيين ولا تفوت أية فرصة للحط من شأنهم وإهانتهم.

أعمدة الاستراتيجية

في مواجهة هذه "الصفقة" يقترح البرغوثي استراتيجية قائمة على ستة أعمدة توفر إطارا جامعا للفعل النضالي "يسمح بالتنوع وإطلاق حرية الإبداع والتجديد، لكنه يضمن في الوقت نفسه انضباط المسيرة من أجل الوصول إلى الهدف". تشمل هذه الاستراتيجية تفعيل المقاومة الشعبية التي "ثبت" من خلال التجربة الفلسطينية أنها أكثر أشكال المقاومة تأثيرا، وجوهرها المشاركة والمساهمة الطوعية، فلا يجب أن تكون مؤسسة رسمية تعتمد على توظيف النشطاء، ولا منظمة غير حكومية تعتمد على التمويل الخارجي. ولكي تكون قادرة على الاستمرار يجب أن تحاول دائما إنشاء وضع تكون فيه خسائر الخصم، مادية أو معنوية، أكبر من خسائرها. 

ويذكر البرغوثي أشكالا متعددة لهذه المقاومة منها الإضرابات على اختلاف أنواعها، سياسية أو تجارية. ومقاطعة المحتل وأنشطته ومحاولاته التطبيعية، عبر مقاطعة منتجاته التي ستلحق به أضرارا اقتصادية ملحوظة، إذ يبيع الاحتلال ما يزيد عن خمسة مليارات دولار من البضائع في الأراضي المحتلة عام 1967. 

ويلفت إلى أن هذه المقاطعة يجب أن تمتد أيضا إلى الجانب الرسمي، فضلا عن تفعيل المظاهرات والمسيرات الشعبية، والاستمرار في إنشاء قرى المقاومة التي مثلت شكلا إبداعيا غير تقليدي في التصدي للمستوطنين وفضح طبيعة النظام العنصري الإسرائيلي الذي يسمح لهم بالبناء على أراضي الفلسطينيين المسروقة. 

 

إن الفلسطينيين، في هذه الظروف، يجب أن يدركوا أنهم ليسوا في مواجهة تكتيكية عابرة مع الحركة الصهيونية، بل هي مواجهة استراتيجية شاملة، تستند إلى القناعة بأن الحركة الصهيونية بكل مكوناتها اليمينية واليسارية قد أنهت فكرة ما سمّي "الحل الوسط" أو "حل الدولتين".

 



يرى البرغوثي أن إحدى سبل المواجهة تتمثل بدعم الصمود والبقاء في الوطن، الذي يعني تعزيز التوازن الديمغرافي لمصلحة الشعب الفلسطيني. لكن هذا "البقاء" ليتحول إلى وجود فاعل ومؤثر ومقاوم يجب أن تتغير كل السياسات الاقتصادية الفلسطينية جذريا لمصلحة تنمية القدرة على البقاء والتطور ولمصلحة تعزيز الفئات الفقيرة والمهمشة وتوفير الحماية الاجتماعية لها، وبحسب ما يوضح البرغوثي فإنه منذ انتهاء الانتفاضة الثانية نفذت في الأراضي المحتلة وبخاصة في الضفة الغربية سياسات اقتصادية ـ اجتماعية خطيرة أدت إلى تعميق الفردية والذاتية والتنافس الاستهلاكي وإغراق الناس بالقروض والديون، وتعميق الفوارق الطبقية، ما أضعف روح التضامن والتكافل الاجتماعي. 

ويضيف أن هذه السياسات لن تتغير ما لم تنشأ قوى ضغط تطالب بتغييرها، وذلك يتطلب حركة سياسية ـ اجتماعية منظمة قادرة على بلورة رؤى سياسية سليمة وعلى تنظيم الناس للكفاح من أجلها.

عمود آخر مهم في هذه الاستراتيجية هو تحقيق حد أدنى من الوحدة الداخلية وبناء قيادة وطنية موحدة. يقول البرغوثي إن الصراع بين حركتي فتح وحماس يكرس فصل القطاع عن الضفة، أي إنه يضرب عنصر النجاح الرئيسي وهو الوجود الديمغرافي الفلسطيني لمصلحة إسرائيل. إن احتدام الخلافات بين الحركتين لتصبح صراعات تناحرية هو وصفة للانتحار الجماعي. 

وفي المقابل، فإن من الممكن تنظيم الاختلافات بأسلوب سلمي بنّاء باعتماد مبادئ الديمقراطية والشراكة والعمل الجبهوي. ويلفت إلى أن التنوع السياسي والاجتماعي الفلسطيني هو أكبر من حالة الاستقطاب هذه، فإن هناك أغلبية صامتة تستقطب أحيانا، وتهمش أحيانا، وتحبط أحيانا، لكنها تشكل قاعدة لتقوية الفكر الوطني الوحدوي والمستقل عن حالة الانقسام، في حال نجح في تقديم نفسه لها وفي العمل على تنظيم أكبر قدر ممكن منها.


النقاش (0)
الأكثر قراءة اليوم