أفكار

داعية سورية: اعتبار المرأة قاصرة العقل يسيء إليها

المساواة بين المرأة والرجل مثبتة بالشرع، وهي أمر أصيل في الدين
المساواة بين المرأة والرجل مثبتة بالشرع، وهي أمر أصيل في الدين

أبدت الداعية السورية، المتخصصة في الفقه الإسلامي، حفيدة الشيخ علي الطنطاوي، عابدة المؤيد، تعجبها من تصدر بعض الشيوخ ليشرحوا للمرأة ما هو الحيض، وما هي الاستحاضة، وما هو لون الدم وكيف تميز بينهما، في حين تحتار في ذلك المرأة الناضجة والطبيبة المتخصصة، داعية إلى ترك فتاوى النساء للنساء. 

وانتقدت المؤيد في حوارها مع "عربي21" ما تواجه به المرأة المسلمة حينما "تطالب وتنادي بأمر عام لصالحها كأن تطالب بحريتها في اختيار زوجها أو دراستها، فإن مطالبتها تلك تُلحق وتُنسب إلى الغرب والحركة النسوية للتنفير منها، ورفضها وعدم إقرارها".

ورأت أن "أكثر ما أثر على وضع المرأة هو اعتبارها قاصرة وضعيفة العقل، وعاطفتها تغلب عليها، وتحتاج إلى وصاية دائمة وكأنها طفل صغير، ولا بد من وضع قيم عليها بشكل مستمر، ولو بلغت ورشدت، حتى ولو كانت معيلة للعائلة".

وأوضحت أن العامل البيئي أثر في عقلية الفقهاء وطريقة إنتاجهم للأحكام الفقهية المتعلقة بالنساء، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، مشيرة إلى أن "تشبيههم للمرأة بالدار المستأجرة، والنظر إليها بوصفها "فتنة" و"عاطفية" ساهم في حرمان المرأة من أمور كثيرة حللها الله لها، حيث جعلوا قيودا على كل شيء يخصها، بل جعلوا الأنوثة علة لمنعها من القضاء وغيره". 

وتساءلت المؤيد: "لماذا إذا دعوت بالحرية للمرأة يقف المسلمون ضدي، فهل يحق لهم كلهم الحرية إلا المرأة؟". وأضافت: "فهل مفهوم حرية المرأة يختلف في عقولهم، لأنهم يعتبرونها على الفور دعوة للتفلت؟ فهذا من ضمن ما تُظلم به المرأة ويلحقها بسببه الغبن، فالحرية حق شرعي لها، لكنه للأسف يسحب منها بتهم باطلة، ومرفوضة شرعا". 

وشددت على أن الكثيرات من "النساء المسلمات عاقلات حافظات لأنفسهن، حريصات على دينهن، متمسكات به أكثر من أزواجهن أحيانا"، داعية إلى التفريق "بين الحركة النسوية الغربية، وبين المطالبة بحقوق المرأة ضمن ضوابط الشريعة" مؤكدة أنها "مع حقوق المرأة الشرعية". 


وفي ما يأتي نص الحوار مع الداعية عابدة المؤيد:

س ـ من خلال تخصصك في الفقه الإسلامي كيف وجدت تأثير العامل البيئي (العادات والتقاليد) على طبيعة التدين وسلوكيات المتدينين، خاصة في ما يتعلق منها في التعامل مع النساء؟


 ـ لا شك أن العادات والتقاليد لها تأثير كبير جداً علينا، والمشكلة أن هناك من يشرعنها، ويبحث عن أدلة هنا وهناك لتترسخ أكثر وتتجذر، ويصعب بالتالي القضاء عليها أو تغييرها، مثل قضايا الشرف التي تقضي على حياة البنات وأكثرهن بريئات.

والمثير للحفيظة أننا فوقها نقتبس ـ من دون أن نشعر ـ عادات الشعوب الأخرى، ونضيفها إلى سجلنا، ليصبح أشد قساوة وتقييداً للمرأة، لدرجة أن المحرم ـ مثلاً ـ أصبح للحظر وليس فقط للسفر؟! فلا يكاد يسمح للفتاة بالخروج للأماكن الآمنة إلا بصحبة طفل أحياناً؛ وكأنه يستطيع حمايتها أو الذب عنها.
 
وإذا نادت المرأة بأمر عام لصالحها كأن تطالب بالحرية باختيار وقت زواجها أو دراستها، تُلحق مطالبتها تلك، وتُنسب إلى الغرب والنسوية للتنفير منها وعدم إقرارها.

س ـ ما هي أبرز الممارسات والسلوكيات المجتمعية التي انتقصت من شأن المرأة المسلمة، وألحقت بها صورا عديدة من الظلم والتعدي عليها وهضم حقوقها التي شرعها لها الإسلام؟


 ـ أكثر ما أثر على وضع المرأة هو اعتبارها ضعيفة العقل وقاصرة، وعاطفتها تغلب عليها، وتحتاج لوصاية دائمة وكأنها طفل صغير، وأنه لا بد من وضع قيم عليها بشكل مستمر، ولو بلغت ورشدت، حتى لو كانت معيلة للعائلة. ومنه حبسها بالبيت وتضييع طاقاتها وقدراتها ونبوغها بالكنس والمسح والطبخ. 

س ـ من جهة أخرى كيف تقيميين تأثير العامل البيئي على إنتاج الأحكام الفقهية الاجتهادية المتعلقة بفقه النساء وقضاياهن الخاصة من قبل المؤسسات الدينية وعموم الفقهاء الرجال؟

 ـ الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولأن الرجال غالبا ما يكونون بعيدين عن عالم النساء، مغيبين عن قصصهن وهمومهن، ويصرحون في كل وقت عن صعوبة فهم النساء، ولا يطلعون إلا على أمهاتهم وزوجاتهم... وكون المرأة مختصة بأحكام لا يعرفها الرجال ولم يجربوها... فلا بد أن تؤثر هذه البيئة عليهم، ولا شك أن تشبيههم للمرأة بالدار المستأجرة، والنظر إليها بوصفها "فتنة" و"عاطفية" ساهم في حرمان المرأة من أمور حللها الله لها، حيث جعلوا قيوداً لكل شيء يخصها، بل جعلوا الأنوثة علة لمنعها عن القضاء وغيره. 

س ـ ثمة من يرى أنه من الأحسن والأفضل أن تتولى فقيهات تبيان الأحكام الشرعية الخاصة بالنساء لمعرفتهن الوثيقة بتفاصيل ذلك كأحكام الطهارة والحيض والنفاس.. ما رأيك بمثل تلك الآراء والمطالبات.. وما المانع برأيك من تحقيقها؟


 ـ هذا المفروض، وهو الأصوب، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، وكم كنت أعجب وما زلت، حين يخرج لنا شيخ ليشرح للمرأة ما هو الحيض! وما هي الاستحاضة؟! ولون الدم وكيف تميز بينهما، في حين تحتار في ذلك المرأة الناضجة والطبيبة.

والمانع من تحقيقها هو هؤلاء الذين رأوا أن المرأة لا تصلح للفتوى، ثم نرى أحياناً تناقضات في إفتائهم لها، حين يقولون: "يحرم إسقاط الحمل بعد الأربعين إلا لسبب قاهر، لأنه قتل وهذا طفل، ومشروع إنسان". ثم وحين تسقط المرأة جنينها بعد الأربعين، وتسأل عن حكم الدم وهي تشعر أنه دم نفاس، يقال لها هذا دم فساد، لأنه لم يتحقق خلق إنسان!

وبرأيي أنه يجب أن تترك شؤون المرأة لها وحدها، وفوقها لا يجوز احتكار الفتوى العامة أيضاً؛ فالمرأة قد تكون فقيهة بأمور متعددة، ومن الأخطاء التي ترتكب إشعار المرأة بأنها غير مؤهله للفتوى وإقناعها بأنها عاطفية وقاصرة عن ذلك، وتخويفها بأن الاجتهاد مسؤولية... وبذلك تختار السلامة فتبتعد عن هذا وتتركه للرجل. 

س ـ بعد اطلاعك على كثير مما كُتب وقيل في قضية المساواة بين الرجل والمرأة.. ما هي المقاربة الشرعية التي تقدمينها لهذه القضية الشائكة؟


 ـ لقد ساوى الله سبحانه وتعالى بالإنسانية: بين الفقير والغني والعبد والسيد والأسود والأبيض... ولم يفرق بينهم، وبالتالي فإن المساواة بين المرأة والرجل مثبتة بالشرع، وهي أمر أصيل في الدين. 

ثم جاء من يتحدث عن "العدالة"، ويفرق بينها وبين المساواة، وكأنه يريد أن يسحب من المرأة إنسانيتها، وإن الاختلاف القليل بين المرأة والرجل ببعض الوظائف، لا يبيح ولا يسوغ ما نراه من اختلاف المعاملة والحكم بينهما.

س ـ هل تخصيص يوم عالمي للمرأة كما هو معمول به حاليا يدخل في دائرة العادات أم العبادات.. وهل ثمة محظورات شرعية في ذلك؟


 ـ تخصيص يوم للمرأة عادة جديدة دخلت علينا، ولست أنا إجمالاً مع هذه الأعياد، ولكنها إذا كانت تحقق هدفاً شرعياً وتفتح نظر الرجال المسلمين على واقع المرأة البئيس... فلا ضير، ولا أرى محظوراً شرعياً بذلك لأنه مجرد تذكرة. وهو أمر أصبح عالمياً وغير مرتبط بهوية معينة.

س ـ ما موقفك من الحركة النسوية المطالبة بتحرير المرأة من كل القيود سواء كانت اجتماعية أم دينية.. وهل من الممكن التنظير لنسوية إسلامية منضبطة بضوابط الشريعة ومتقيدة بقيودها؟


 ـ الحرية من أهم حقوق الإنسان الدينية، والعالمية، وهي أمر مشروع للمرأة أيضاً بصفتها الإنسانية، خاصة وأنها تتعرض لتقييد أكبر بكثير من زميلها الرجل، بل يحصل الطفل في مجتمعاتنا على حرية أكبر مما تحصل عليه المرأة! وإني لو ناديت الآن بالحرية للأسير الفلاني لـ"صفق الناس وآزورني"، ولو دعوت للحرية للصحفي الفلاني لشاركوا معي..

ولكني لو دعوت بالحرية للمرأة لوقف المسلمون ضدي؛ فكلهم يحق لهم الحرية إلا المرأة؛ ولماذا؟ لأن مفهوم حرية المرأة يختلف في عقولهم، فهم يعتبرونها فوراً دعوة للتفلت! ولا أدري لماذا مفهوم الحرية يختلف بين البشر!! لماذا؟! وهذا من ضمن ما تظلم وتغبن به المرأة؛ فالحرية حق شرعي لها ويسحب منها بتهم باطلة، ومرفوضة شرعاً فنساؤنا عاقلات حافظات لأنفسهن حريصات على دينهن، متمسكات به أكثر من أزواجهن أحياناً. 

وإن الحركة النسوية شيء، والموافقة على المطالبة بحقوق المرأة ضمن ضوابط الشريعة شيء آخر، وأنا مع حقوق المرأة الشرعية.


النقاش (0)