كتب

كيف يتجاوز العنف الدفاعي المشروعية إلى الضرورة الحيوية؟

كتاب يبحث في جذور العنف وسبل مواجهته (عربي21)
كتاب يبحث في جذور العنف وسبل مواجهته (عربي21)

الكتاب: فلسفة العنف
المؤلف: إلزا دورلين
ترجمة: جلال بدلة
الناشر: دار الساقي2021

قد "تعمل تقنية سلطوية معينة على تحويل المقدرة إلى عجز عبر استهداف مقدرة الجسد على الفعل، فكلما صارعت أكثر من أجل الهرب من المعاناة، بت أكثر عرضة للموت"، وقد يتجاوز الأمر ذلك إلى عدم الاعتراف أصلا بحق "الذات" في الدفاع عن نفسها، بسبب النظر إليها مسبقا بوصفها فاعلة للعنف؛ لأن " الدفاع عن النفس ذاته ميزة حصرية تخص أقلية مهيمنة". 

هكذا مثلا، لم تنظر الدولة في حالة الضرب التعسفي والوحشي في عام 1991 التي تعرض لها رودني كينغ، الأمريكي من أصل أفريقي، من قبل الأذرع المسلحة لممثليها ( الشرطة) بسبب مخالفته السرعة، على أنها عنيفة. واعتبرت عناصر الشرطة في حالة رد فعل على العنف! "بالنسبة إلى كينغ وجميع الأجساد التي تقع ضحية خطاب الدفاع المشروع عن النفس، فإنه كلما دافع عن نفسه أكثر، تضاءلت إمكانية الدفاع عنه وصار غير حصين". 

تحاول إلزا دورلين، أستاذة الفلسفة السياسية والاجتماعية في جامعة "باريس8"، في كتابها "فلسفة العنف"، الإحاطة بمنطقي الإخضاع هذين، وتركز على "اللحظات التي وسمت بالمرور إلى العنف الدفاعي"، والتي تظهر معقوليتها بربطها ليس بالمشروعية فحسب، وإنما بما هو ضرورة حيوية وممارسة مقاومة، الحياة هي الرهان الوحيد فيها" أي ألا يُصرع المرء في المقام الأول". 

وفي سبيل ذلك، تقدم مسحا تاريخيا لمجموعة من صنوف الدفاع الذاتي، لم يرتكز على الأمثلة الأكثر توضيحا، كما تقول، وإنما "على البحث عن ذاكرة الصراعات التي شكلت فيها أجساد المهيمن عليهم الأرشيف الرئيسي: المعارف، والثقافات التوفيقية للدفاع الذاتي العبودي، وممارسات الدفاع الذاتي النسوية".

الأيدي العارية

من الذي لديه الحق في الدفاع عن نفسه لكونه يتوافر على سلاح؟ ومن الذي يجد نفسه مستبعدا من هذا الامتياز؟

 

تقول دورلين؛ إننا نجد في الحالة الاستعمارية مصادرة احتكارية للعنف من طرف الدول التي تدعي الاستخدام المشروع للقوة البدنية، بل إن المسألة تتجاوز الميل للاحتكار إلى كونها "قتصادا إمبرياليا للعنف" يدافع عن أفراد، لطالما اعترف لهم بالحق في الدفاع المشروع عن النفس. 

ويحافظ هذا الاقتصاد على شرعية استخدام ذوات معينة للقوة البدنية، ويمنحها سلطة للبقاء والقضاء أي الاقتصاص الذاتي، ويوفر لها تصاريح للقتل. حظر "القانون الأسود" الفرنسي عام 1685 على العبيد حمل أي سلاح هجومي أو أي عصى غليظة. كما منع "القانون الأسود الإسباني" عام 1768 السود من استخدام أي صنف من الأسلحة تحت طائلة عقوبة خمسين جلدة.  

لقد "اقترن تجريد العبيد من السلاح طوال الحقبة العبودية بفرض انضباط حقيقي على الأجساد بغية الإبقاء عليها مكشوفة، الأمر الذي يسمح بتقويم وتطويع أقل بادرة قتالية".

وفي الدولة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر، حظر بيع الأسلحة للأهالي بمرسوم صدر في عام 1851، وفي المقابل أعطى مرسوم صادر عام 1872 حقا دائما للمستوطنين الفرنسيين من أصل أوروبي بشراء وحيازة وحمل واستخدام الأسلحة، في حال إقامتهم في مناطق معزولة أو لا تحميها الثكنات. "إن الدولة الاستعمارية لا تستطيع في واقع الحال أن تعمل من دون نظام مليشياتي، من شأنه أن يؤدي المهمات الأساسية للاحتلال". تتحدث دورلين هنا عن الإعاقة الكاملة التي يفرضها المستعمر على جسد المستعمَر، إلى الحد الذي يفقده معها أي إمكانية للدفاع عن نفسه بدنيا ونفسيا ضد العنف

وتستشهد بما قاله فرانز فانون، المناضل والمفكر المارتينيكي، في كتابه "معذبو الأرض"، عن كيف يواجه المستعمَر حالة الجمود التي يفرضها عليه المستعمِر في الواقع النهاري بـ(فعل) تعويضي ليلي، عندما "يرى جسده في المنام في حركة مستمرة، فيركض ويثب ويسبح ويضرب. وتنشأ لديه ذات توهمية تحرِف تجربته المعيشة وعلاقته بالزمان والمكان... في محاولة منه للنجاة من المنظومة الاستعمارية. لكن حالة الجمود هذه هي أيضا حالة من التوتر العضلي المكبوحة الجماح بصورة مستمرة، وهي كذلك توعد بالانتقام لا هوادة فيه".

الاقتصاص غير القانوني

في تقييد حق الدفاع عن النفس، تشير دورلين إلى أن نهاية القرن السابع عشر وبداية الثامن عشر شهدت انحلالا تدريجيا لحق الأفراد في الدفاع العادل داخل حق الدولة في الدفاع المشروع، والهدف من ذلك كان تقييد الاستخدام الخصوصي للعنف، ومن ثَمّ تقييد حق الأفراد في اللجوء المشروع إلى القوة وحمل السلاح، الذي قد يحدث أيضا في إطار حركات العصيان والتمرد والثورة التي تستهدف السلطة القائمة. وجرى التعريف النظري والقانوني للحق في التسلح بالرجوع إلى التزام المواطنين بالدفاع عن الأمة، بل واقتصر إلى حد بعيد على هذا الالتزام. 

تقول: "تاريخيا ارتبطت مسألة تسليح الشعب بتراثين كبيرين. رأى النموذج الأنغلوسكسوني الدفاع عن الأمة بمنزلة امتداد للحق الطبيعي في دفاع المرء عن شخصه، في حين حاول النموذج الثاني الفرنسي أن يجد تبريرا لتوزيع تمايزي للموارد الدفاعية للمواطنين، حيث ما عاد ينظر إلى هذا الحق كامتياز أرستقراطي، فلا يمكن في سياق الثورة الفرنسية عزل الحق الممنوح للذكور من الشعب بحمل السلاح عن مشروع بناء كيان مسلح جمهموري، إنه حق للمواطنين وواجب عليهم. ولئن تسلح المواطنون، فليس في سبيل الدفاع عن النفس، بل الدفاع عن الوطن في المقام الأول".

 

مع نهاية القرن التاسع عشر، ارتبطت ممارسات القتل التعسفي في الولايات المتحدة بجماعات الاقتصاص غير القانوني، لكن حدث فصل بين الانتهاكات "العفوية" التي ترتكبها الجماهير التي تحركها رغبة في الانتقام غير عقلانية، وأفعال القتل التي ترتكبها المجموعات المنظمة مثل جماعة "كوكلوكس كلان".

 



تضيف دورلين، أنه بسبب ذلك نفهم لماذا أفضى تاريخيا واجب الدفاع الوطني إلى بلورة عدد من المطالب السياسية لدى بعض الحركات أو الذوات التي همشت وصارت أقلية، خاصة من المنادين بإلغاء العبودية أو النسويات. فقد تبنت هذه الحركات استراتيجية تمثلت في أحد أمرين: إما رفض التجنيد، أي رفض الموت في سبيل وطن يدوس على الحقوق والحريات، وإما المطالبة بالالتحاق بالقوات المسلحة، ما يمنحهم موقعا أفضل لإدانة الإبقاء على امتيازات معينة لفئة صغيرة، والتوصل إلى مواطنة حقيقية.

تبيّن دورلين أن أولى تشكلات مفهوم الدفاع الذاتي بهيئته الحديثة، ظهرت في فلسفات العقد الاجتماعي التي أحالت دفاع المرء عن نفسه بنفسه على مفاهيم مثل الحرية والحق الطبيعي في الحفاظ على النفس. وتجسد هذا الحق "كما عرفه التقليد المتحدر من فلسفة جون لوك في ترسانة قانونية تناولت الحق في الدفاع الذاتي المسلح.. وهو مكون أساسي للثقافة القانونية الأنغلوسكسونية". تلفت دورلين إلى كيف عمل هذا "الحق" على تأطير الحراكات الجماعية المتعلقة بالدفاع الوطني في الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها تنبه إلى أن تاريخ المليشيات، بوصفها حركات قضائية تعتمد في مكافحة الجريمة على الجهد الذاتي، يجب ألا تفهم كمواقع أصلية لممارسة مبدأ الدفاع الذاتي، وإنما كامتداد له؛ فقد دعت جميع هذه الحركات تقريبا التي جمعت تحت مسمى "الاقتصاص غير القانوني" إلى تبني الدفاع الذاتي المسلح، وإلى عدالة تؤخذ خارج إطار القانون، وتستمد شرعيتها من الخطابات المحافظة والعنصرية.

القوة السوداء

مع نهاية القرن التاسع عشر، ارتبطت ممارسات القتل التعسفي في الولايات المتحدة بجماعات الاقتصاص غير القانوني، لكن حدث فصل بين الانتهاكات "العفوية" التي ترتكبها الجماهير التي تحركها رغبة في الانتقام غير عقلانية، وأفعال القتل التي ترتكبها المجموعات المنظمة مثل جماعة "كوكلوكس كلان". إن عمليات القتل التعسفي هذه هي الموضع؛ حيث يجري العبور من الدفاع الذاتي بوصفه حقا فرديا لا يمكن انتزاعه إلى الدفاع عن العرق. 

لقد استهدف هذا القتل "جميع السود" بصورة دائمة أينما كانوا. في العام 1892 ستكتب الصحفية الأمريكية من أصل أفريقي إيدا ويلز: "منذ اليوم، بات من الضروري أن تحتل بندقية وينشيستر صدر منزل كل أسرة سوداء". تقول دورلين؛ إن هذه الدعوة ستشكل نواة تاريخ القومية السوداء وكفاحها ضد منظومة الفصل العنصري. 

ورغم المنعطف الكبير الذي أحدثته الحرب العالمية الثانية في الولايات المتحدة في الحراك ضد القتل التعسفي وفي سبيل الحقوق المدنية، بعد أن قدمت نفسها في المشهد العالمي كنموذج للديمقراطية وفي الصراع ضد الفاشية، بينما كان مواطنوها السود يعيشون في الداخل تحت وطأة عنصرية قاتلة، لم تضعف منظومة الفصل العنصري كثيرا خصوصا في السياق الجنوبي، واستمرت أيديولوجيا التفوق العرقي قائمة، وشهدت البلاد انبثاق عدد لا يحصى من المليشيات المنتمية إلى "كوكلوكس كلان". في هذه الأجواء سيظهر قيادي في" الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين" وسيدخل تغييرا جذريا في فلسفة الجمعية وسياستها.

 

تقول دورلين؛ إننا نجد في الحالة الاستعمارية مصادرة احتكارية للعنف من طرف الدول التي تدعي الاستخدام المشروع للقوة البدنية، بل إن المسألة تتجاوز الميل للاحتكار إلى كونها "اقتصادا إمبرياليا للعنف" يدافع عن أفراد، لطالما اعترف لهم بالحق في الدفاع المشروع عن النفس.

 



سيحوّل روبير ف. ويليامز الشعبة المحلية للجمعية في مونرو بكارولينا الشمالية إلى "وحدة قتالية" مؤلفة من محاربين قدامى عازمين على وضع حد للظلم العرقي. وسيصبح ويليامز شخصية فكرية وسياسية رئيسية في حراك السود والمبادرة في الدعوة إلى فلسفة سياسية للدفاع الذاتي، ستتجسد في الدعوة إلى "القوة السوداء" بعد سنوات لاحقة، بحسب ما تقول دورلين.

يرى ويليامز أن إخفاق الدولة في تحقيق المساواة وإنهاء الفصل العنصري هو إخفاق مقصود، وأن محاكمها منحازة لا تمتلك شرعية تطبيق العدالة. ويوصي باللجوء إلى الدفاع الذاتي بسبب غياب عدالة تنصف السود في أمريكا، فالعدالة بيضاء وهي تجعل من السود عرضة لموت محقق. ويدافع ويليامز عن نفسه أمام من يتهمونه بتبجيل العنف، بالقول؛ إن الدفاع الذاتي ليس "حبا للعنف"، بل "عشق للعدالة"، لذلك لا تعارض عنده بين استراتيجية الدفاع الذاتي و"التكتيك اللاعنفي"؛ فالدفاع الذاتي تشرع أبوابه عندما يصل اللاعنف إلى نقطة حرجة، حيث ينقلب الإصرار على هذا التكتيك إلى انتحار. 

أما بخصوص رفض استخدام العنف بذريعة أنه فعل محاكاة من شأنه أن يحول المهيمَن عليهم إلى مهيمنين، أو أنه يقود إلى زيادة عنف المهيمنين لا إيقافه، فإن ويليامز لا يرى في ذلك سوى نقاش أيديولوجي، ليس له من هدف سوى تجريد المهيمن عليهم من السلاح. 


النقاش (0)