سياسة دولية

كيف سلبت بريطانيا الهند طوال قرنين من الاستعمار؟

 كان يسمح للناس في الهند البريطانية بأن يجوعوا حتى الموت من منطلق أيديولوجي وكل ذلك باسم السوق الحرة- جيتي
كان يسمح للناس في الهند البريطانية بأن يجوعوا حتى الموت من منطلق أيديولوجي وكل ذلك باسم السوق الحرة- جيتي

التقرير التالي مترجم من فيديو وثائقي بريطاني من إعداد وتعليق ارون باستاني:

 

في مطلع القرن العشرين، كانت خارطة العالم تزدحم بالقوى الاستعمارية في أوروبا. كان لفرنسا ممتلكات في أنحاء أفريقيا وفي الهند الصينية، وكانت إيطاليا في شرق أفريقيا وفي ليبيا، وكان الهولنديون فيما هو اليوم إندونيسيا، إلا أن أكبر امبراطورية على الإطلاق كانت بريطانيا، وكانت جوهرة التاج بالنسبة لها شبه القارة الهندية.
 
يتحدث الناس كثيراً عن إرث بريطانيا الاستعماري، وعما إذا كان فعلاً سيئاً، أخذاً بالاعتبار أهمية الهند البريطانية بالنسبة للإمبراطورية، فلعلها أفضل مكان تبدأ منه إن كنت تريد جواباً عن ذلك السؤال.
 
إن من المهم القول إن شبه القارة الهندية، التي كانت حينذاك امبراطورية مغولية، لم تغز من قبل بريطانيا، وإنما من قبل شركة بريطانية، اسمها شركة الهند الشرقية.
 
كانت الإمبراطورية المغولية في القرن الثامن عشر مضطربة سياسياً، لكنها كانت غاية في الثراء. وكما يقول المؤرخ الاقتصادي أنغاس ماديسون، كان نصيبها من الاقتصاد العالمي في عام 1700 ثلاثة وعشرين بالمئة، ما يعادل أوروبا مجتمعة أو الولايات المتحدة كما هما في يومنا هذا.
 
على الرغم من أن شركة الهند الشرقية بدأت نشاطها في مطلع القرن السادس عشر، انهارت الإمبراطورية المغولية فعلياً بعد قرن من اجتياح الملك الفارسي نادر شاه لدلهي، الأمر الذي أفضى إلى خلق فراغ في مناخ غدت فيه الأقاليم والفصائل المتناحرة يرتاب بعضها ببعض بشكل متزايد، وهو ما شكل فرصة سانحة أمام شركة الهند الشرقية، إلى أن تمكن روبرت كلايف، الشهير باسم "كلايف الهند"، في 1757 من الانتصار في معركة بلاسي بعد ثمانية أعوام.
 
وفي عام 1765، أصدر شاه علم مرسوماً يستبدل بمسؤولي الإيرادات رجالا من الشركة، وباتت شركة خاصة بما تملكه من جيش خاص بها تسيطر الآن على واحدة من أكبر وأغنى الدول في الأرض. على مدى القرن التالي، توسعت كثيراً المساحة التي كانت تحت سيطرتهم، وذلك إلى أن نشب التمرد الهندي في 1857، وهي النقطة التي بادرت عندها الحكومة البريطانية بإدارة البلد بدلاً من الشركة.

 

وظلت الأمور على ذلك إلى أن حصلت الهند على استقلالها في عام 1947. إذن، بالمجمل، هل ساهمت بريطانيا خلال هذين القرنين بأي شيء إيجابي للهند من خلال جعلها جزءاً من الإمبراطورية البريطانية؟

 



عندما نعود الآن بالنظر إلى تلك الحقبة، فإننا نعتبرها مريعة، أليس كذلك؟ ولكن هناك من يدعي من المعلقين البريطانيين بأن بعض الأمور الحسنة كانت موجودة، وبعض الأشياء الأقل من حسنة. هناك من يقول: "خذ بالاعتبار أننا قدمنا الديمقراطية البرلمانية لكثير من البلدان، ذلك النوع من نظام الحكم المدني، والذي ما زالت جميع تلك البلدان، أو الكثير منها، يستخدمونه حتى اليوم".
 
وآخر يدعي: "لقد أدخل البريطانيون نظاماً جلب في الواقع التعليم، وحقق في الواقع تحريراً جزئياً للنساء، وجلب في الواقع الديمقراطية التي جعلت من الهند ما هي عليه اليوم. آن الأوان للتوقف عن اعتبار الإمبراطورية شيئاً قذراً."
 
ولكن هل هذه الادعاءات صحيحة؟ دعونا في البداية نتحدث عن الاقتصاد.. عندما انتصر كلايف في معركة بلاسي. كانت الإمبراطورية المغولية تشكل ما يقرب من 23 بالمئة من اقتصاد العالم، وعندما انسحب البريطانيون في عام 1947 كان ذلك الرقم قد تراجع إلى 4 بالمئة، والسبب في حصول ذلك خلال فترة مئتي عام تلك هو أن تحول بريطانيا إلى بلد صناعي اعتمد على تراجع التصنيع في جنوب آسيا. خذ على سبيل المثال صناعة النسيج في مطلع القرن الثامن عشر، عندما كانت الهند تتمتع بنصيب قدرة 25 بالمئة من تجارة الأنسجة العالمية، ولكن بحلول عام 1834، أعلن اللورد بنتنيك أن "عظام نساجي القطن كانت تبيض سهول الهند".
 
في تلك الأثناء، ارتفعت كثيراً صادرات النسيج البريطانية إلى الهند، حتى صار يدخلها بعد عام 1870 ما يقرب من مليار ياردة في كل سنة. ساءت الأمور كثيراً جداً، لدرجة أن الهند باتت بحلول عام 1896 تنتج فقط 8 بالمئة من القماش المستهلك محلياً، بما يعني أنها تحولت من بلد مصدر بغزارة إلى تقديم جزء ضئيل جداً من نسبة المطلوب للسوق المحلية. لم يكن من باب المصادفة أن تصبح بريطانيا ورشة العالم بدءاً بصانعي القطن، الأمر الذي كان مستحيلاً تحقيقه دون قوة.
 
بالفعل، حسب ما يقوله أحد الاقتصاديين، أخذت بريطانيا من الهند 45 تريليون ما بين 1765 و1938. وهذا 14.5 ضعفاً لما عليه الاقتصاد البريطاني اليوم، وقد حدث ذلك بالدرجة الأولى من خلال التجارة.
 
ما قبل القرن الثامن عشر، كانت بريطانيا تجلب الأشياء من منتجي الهند، وكانت تدفع ثمنها بالمعادن الثمينة، على الأغلب بالفضة، إلا أن ذلك تغير بعد عام 1765، عندما قامت شركة الهند الشرقية باحتكار التجارة مع الهند، ثم بدأوا بجمع الضرائب في الهند، مستخدمين جزءاً من تلك الإيرادات -الثلث في العادة- لتمويل شراء البضائع الهندية لاستخدامها في بريطانيا.
 
بمعنى آخر، بدلاً من دفع ثمن البضائع الهندية حصل عليها التجار البريطانيون مجاناً. بعض هذه البضائع المنهوبة كانت تستهلك في بريطانيا، بينما كان يصدر الباقي إلى أماكن أخرى، وهذا أتاح لبريطانيا تمويل تدفق الواردات من أوروبا، بما في ذلك القطران والحديد والخشب التي كانت أساسية للثورة الصناعية في بريطانيا.

 



إلا أن استغلال الهند لم يقتصر فقط على الاقتصاد والموارد، إذ بنهاية القرن التاسع عشر، كان ثلثا جيش الإمبراطورية البريطانية تدفع نفقاته من ضرائب الهنود، وبحلول عام 1922، ما يقرب من ثلثي إيرادات الحكومة الهندية كان يدفع لبريطانيا لتمويل القوات الهندية البريطانية العاملة في الخارج. إذ لم يكن الهنود يدفعون فقط تكاليف إخضاعهم هم، وإنما تكاليف إخضاع غيرهم أيضاً.
 
ولكن الهند دفعت أيضاً بالدم، حيث كان أكثر من مليون جندي هندي يخدمون في الحرب العالمية الأولى، وتكبدوا فيها ما يقدر بحوالي 74 ألف إصابة، وهي إحصائية جرت العادة على تجاهلها. ثم جادت الحرب العالمية الثانية التي انضمت إليها بريطانيا للدفاع عن سيادة بولندا. وفعلت ذلك بينما حافظت على الإمبراطورية. والأكثر من ذلك، ساهمت الهند بعدد ضخم من الجنود الذين انضموا إلى قوات الإمبراطورية البريطانية، فكانوا أضخم قوة تطوعية في التاريخ، بلغ عدد أفرادها ما يقرب من 2.5 مليون رجل بحلول عام 1945.

 

في تلك الأثناء، كانت قيادة البلاد السياسية المنتخبة، المتمثلة بحزب المؤتمر، تقبع في السجن. فقد ما يقرب من 87 ألف جندي من الإمبراطورية الهندية حياتهم وهم يقاتلون من أجل الديمقراطية، ومع ذلك كان السياسيون الذين انتخبوهم بأنفسهم يقبعون في السجن. كان بعض الضباط البريطانيين صادقين في توصيف حجم مساهمة الهند البريطانية مع الأدميرال السير كلود أوتشينليك، القائد العام للجيش الهندي، معترفين بأن البريطانيين ما كان بإمكانهم خوض الحربين العالميتين الأولى والثانية لو لم يكن لديهم الجيش الهندي. وبالفعل، في أحلك ساعاتها اعتمدت بريطانيا على الهند حتى تتمكن من العبور، وهو أمر ينساه الناس حينما يقولون إن بريطانيا وقفت وحيدة.
 
وأخيراً كانت المجاعة التي راح ضحيتها 30 مليون نسمة قضوا نحبهم جوعاً تحت الحكم البريطاني. قد يقول قائل إن ذلك كان نتيجة كارثة طبيعية، ولكن الحقيقة المؤلمة هي أن الغالبية العظمى من تلك الوفيات كانت ناجمة عن خيارات سياسية لجأ إليها البريطانيون. وبالفعل، حينما يتعلق الأمر بالمجاعة، وكما حصل في إيرلندا في سنوات العقد الرابع من القرن التاسع عشر وفي الخمسينات من القرن العشرين، كانت السياسة البريطانية هي السبب، أولاً لأن التدخل كان يقوض التجارة الحرة، وثانياً بسبب الخوف من النمو السكاني، وأخيراً لم يكونوا يرغبون بإنفاق المال، فمن وجهة نظر الإمبراطورية كانت الهند بقرة حلوبا، وهذا لم يكن سراً.
 
وبالفعل، عندما استورد السير ريتشارد تيمبل الأرز أثناء مجاعة أوريسا في عام 1866، قامت مجلة الإيكونوميست -نعم تلك المجلة- بمهاجمته لسماحه للهنود بالظن أنه كان من واجب الحكومة أن تبقيهم على قيد الحياة. كان ذلك هو موقف الحكومة البريطانية أيضاً. كان يسمح للناس في الهند البريطانية بأن يجوعوا حتى الموت من منطلق أيديولوجي، وكل ذلك باسم السوق الحرة. ولا يختلف ذلك في شيء عن إجراءات التجميع التي قتلت ملايين الناس في القرن العشرين.

 


 

 

ليس مستغرباً إذن أن آخر مجاعة ضربت شبه القارة الهندية كانت في عام 1943، قبل سنوات قليلة من مغادرة البريطانيين. كانت تلك هي مجاعة البنغال عندما أمر وينستون تشيرشيل متعمداً بتحويل الطعام من الهنود الجائعين إلى الجنود البريطانيين، ومراكمة المخزون الأوروبي من الأطعمة. حينها قال تشيرشيل إن "جوع البنغاليين الذين يعانون من سوء التغذية أياً كان الحال أقل خطورة". وعندما بدأت جثث الموتى تتراكم لام الهنود أنفسهم لأنهم "يتكاثرون كالأرانب".
 
عندما تأسست شركة الهند الشرقية، كانت الإمبراطورية المغولية تهيمن على أكبر اقتصاد في العالم في واحدة من أكثر الثقافات تعقيداً في العالم، عندها كانت معدلات محو الأمية ومستوى الأعمار المتوقعة يضاهي ما كانت عليه الأحوال في أوروبا. وعندما غادرت بريطانيا الهند في عام 1947، تركت مجتمعاً نسبة محو الأمية فيه 16 بالمئة، ومستوى الأعمار المتوقعة 31 عاما، وتركت 90 بالمئة من الناس تحت خط الفقر.
 
قارن ذلك باليابان، التي حققت 90 بالمئة من محو الأمية بعد عودة عهد ميجي وتنمية سريعة في نهايات القرن التاسع عشر. الاختلاف الأساسي بالطبع هو أن اليابان لم تستعمر بتاتاً.
 
على الرغم من كل ذلك، وجد استطلاع للرأي أجراه يوغوف في عام 2020 أن 17 بالمئة من البريطانيين يعتقدون بأن البلدان التي استعمرتها بريطانيا أصبحت أوضاعها أسوأ بسبب ذلك، بينما يعتقد ضعف ذلك العدد بأنها استفادت.
 
أن يقول المرء إن بريطانيا كانت امبراطورية في الماضي شيء، وأن يصر على أن فرض الفقر والجوع على ملايين البشر كان في الواقع شيئاً جيداً بالنسبة لهم شيء آخر.

 


 

عندما سئل المستطلعة آراؤهم عما إذا كانت الإمبراطورية شيئاً يدعو إلى الفخر أم إلى الخجل، ادعى 32 بالمئة أنهم يشعرون بالفخر بالامبراطورية، بينما قال 19 بالمئة إنهم يشعرون بالعار.
 
من المنطقي ألا يشعر بريطاني يعيش في القرن الواحد والعشرين بالعار بسبب أشياء من الماضي لم يرتكبها، ولكن أن يشعر بالفخر.. بماذا بالضبط؟ النهب، المجاعة، القتل الجماعي؟ السبيل الوحيد لفهم مثل هذه البيانات هو القبول بأن الناس، حتى في يومنا هذا، لا يعرفون الحقيقة بشأن الإمبراطورية البريطانية وكم كانت مريعة في الواقع.
 
أخذاً بالاعتبار مطالبات السياسيين البريطانيين مؤخراً بأن على البريطانيين أن يتعلموا تاريخهم بدلاً من السعي لمحوه، كل ما يمكن قوله هو أنه يمكن الاتفاق تماماً معهم. ولكن يتم ذلك بالبدء بتعليم الحقيقة حول الإمبراطورية البريطانية، وكيف أنها حولت واحدة من أغنى بلدان العالم إلى واحدة من أفقرها.

وتاليا الفيديو:

 

النقاش (0)