مقالات مختارة

"طالبان" في مواجهة التنوع الأفغاني

حسن أبو طالب
عربي21

في بلاد متعددة الأعراق والهويات الدينية والأصول الإثنية واللغات، تتحول النظم الشمولية التي تقودها عرقية محددة إلى قمع منظم لا يطول أمده مهما كانت أساليب الإقصاء والقهر تجاه العرقيات الأخرى.

أفغانستان التي تستقطب اهتمام العالم بأسره الآن، تبدو مقبلة، حسب تصريحات المتحدث باسم حركة طالبان، على نظام مركزي صارم تسيطر عليه الحركة، مع وجود رمزي لشخصيات تمثل عرقيات وإثنيات أخرى.

مثل هذا النظام لن يعمر طويلاً، لأسباب شتى؛ منها اعتياد الولايات الأفغانية على قدر من اللامركزية حتى قبل الوجود العسكري الأمريكي والدولي الذي استمر عقدين كاملين من الزمن، ومنها طبيعة أفغانستان الجغرافية التي تسودها المرتفعات الجبلية، والتي تمثل حدوداً طبيعية بين الولايات من جانب وبين توزع العرقيات المختلفة من جانب آخر.

فضلاً عن أن فترة العقدين الماضيين نشأ فيهما جيل لم يعرف «طالبان» من قبل، واعتاد قدراً من الحرية والتنوع وبعض مظاهر الحياة المدنية التي تتصادم مفرداتها مع مفردات الحياة البدائية التي تبشر بها «طالبان» واقع الأفغان ومستقبلهم.

الصراع بين المركزية «البشتونية» كعنوان لسيطرة «طالبان»، رغم كونها لا تمثل كل البشتون، وبين قدر من التنوع بمستوياته المختلفة، سيمثل بشكل أو بآخر جوهر الصراع السياسي وربما العسكري في المدى المنظور.

صحيح أن تصريحات ممثلي «طالبان» تبشر بالعفو والتسامح وعدم الانتقام من رموز النظام السابق والسماح بعمل المرأة وتعليمها، وتدعو الجميع إلى العمل معاً، لكنها في الآن نفسه تضع أطراً فكرية وقيوداً أيديولوجية تعكس كل ما تؤمن به في طريقة الحكم تحت عنوان الشريعة وفقاً لفهمها الخاص، والذي يتعارض في كثير من مضامينه وتطبيقاته مع قناعات نسبة معتبرة من الأفغان أنفسهم، ومن كل الإثنيات التي تؤمن بالإسلام وبالشريعة بطريقة تخالف ما تروج له «طالبان».

في الأيام القليلة الماضية نشأت بوادر حركة مقاومة مسلحة في «وادي بنشير»، المشهور باستقلاليته وقدرته على صد هجوم قوات عسكرية عالية التدريب، ومجهزة بمعدات وطائرات حديثة، كما كان الحال إبان الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، وأيضاً الحفاظ على الاستقلالية ذاتها في فترة حكم «طالبان» الأولى من 1996 إلى 2001. حركة المقاومة المسلحة الناشئة هي خليط، كما أكد ذلك أحمد مسعود، ابن القائد التاريخي والرمز الأفغاني أحمد شاه مسعود، الذي اغتيل على أيدي تنظيم القاعدة قبل يومين من هجمات 11 سبتمبر الشهيرة في الولايات المتحدة.

وكما يقال إن الابن هو إرث أبيه، فأحمد المتعلم في ساند هيرسيت البريطانية والحاصل على شهادة عليا في العلوم السياسية من إحدى كليات لندن، والذي عاد إلى بلده قبل عدة سنوات ليشارك في بنائها تحت شعار أفغانستان لكل أبنائها، يمثل قيادة كاريزمية ناشئة، التف حوله جنود وضباط وقيادات من الجيش الأفغاني، أبرزهم وزير الدفاع باسم محمد، ورموز من حكومة أشرف غنى، أبرزهم نائبه أمري صالح، انطلاقاً من بعدين مهمين؛ أولهما أن استيلاء «طالبان» على الحكم ليس شرعياً، وثانياً أنه لم تحدث مقاومة من الجيش نتيجة قرارات اتخذها الرئيس الهارب أشرف غنى، وأنه حان الوقت للمقاومة العسكرية وإثبات عدم شرعية حكم «طالبان».

المقاومة الناشئة على النحو السابق تختلط فيها إرادة العمل العسكري إن لم يكن هناك مفر لمواجهة سطوة «طالبان» إن حاولت غزو الإقليم، حسب تعبير أحمد مسعود، وإرادة التفاوض، ولكن وفق مبادئ يتوجب أن تقبل بها «طالبان» وتجسدها في سلوكها السياسي المرتقب، وأبرزها؛ لا للمركزية الطالباني الصارمة، وعدم إقصاء أي عرقية أو إثنية أو هوية دينية من الحكم، واستبعاد الوسائل القهرية التي اعتادت عليها «طالبان» سنوات حكمها الأولى والغابرة إلى غير رجعة، وألا تكون أفغانستان مأوى لأى جماعة إرهابية.

«طالبان» من جانبها تطرح الأمر من زاوية الاستسلام الكامل للإقليم باعتبارها القوة المنتصرة، وإلا سيكون هناك عمل عسكري، ولكنها تدرك أن أي اقتحام عسكري لن يكون مضموناً لتحقيق هدفه الرئيسي باستسلام الإقليم، وفى حال فشله قد تتمدد جذوة المقاومة المسلحة إلى ولايات أخرى، وهو ما تخشاه «طالبان».

وهو ما يفسر قرارها بمحاصرة الإقليم من قبَل عدد كبير من مسلحيها، والاستمرار في التفاوض، مع استعداد نسبى لتقديم تنازلات ليست محددة. وبالتالي فإن حالة «وادى بنشير» تمثل معضلة سياسية لـ«طالبان»، ومؤشراً مهماً لمعرفة قدر التغير في أفكار وقناعات قيادة الحركة.

وإذا ما تمت تسوية ما تُلحق الإقليم بسيطرة «طالبان» سلمياً، ستظل هناك مشكلة العفو الفعلي عن رموز النظام السابق، وكيفية مشاركة الكوادر الفنية في الإدارة المقبلة، والأهم التخلي التام عن نزعة الانتقام. وكلها أمور ستظل معلقة إلى أن تشكل «طالبان»، بعد حوارات غير معلن عنها أي شيء، نظامها السياسي الجديد.

عملياً تواجه حكومة «طالبان» المقبلة إشكالية الوجود العسكري الأمريكي والغربي عموماً، الذي تحددت مهمته في إجلاء الدبلوماسيين الغربيين وكل الأفغان الراغبين في الهروب من البلاد بسبب خوفهم على حياتهم من الحكم الجديد، والمقدر عددهم بنحو 50 ألفاً وربما أكثر قليلاً، وهي مهمة تبدو المؤشرات الراهنة أنها تتطلب مزيداً من الوقت أبعد من نهاية أغسطس الجاري، الموعد الذي حدده الرئيس بايدن لإنهاء انسحاب آخر الجنود الأمريكيين من أفغانستان. بينما تُصر «طالبان» على أن لا تمديد محتملاً لهذا الانسحاب المرتقب، أياً كان وضع من يريد الرحيل ولم يتسنَّ له الرحيل.

بالقطع هناك اتصالات بين الجانبين، والمرجح أن تتشدد «طالبان» في رفض أي تمديد قد تطالب به واشنطن، وهو جزء من عملية التفاوض نفسها. وقد ينتهى الأمر بقبول تمديد عملية الإجلاء لأسبوعين أو ربما شهر آخر.

تأخر الانسحاب الأمريكي والغربي سيوفر مزيداً من الوقت للمفاوضات والاتصالات التي تجري بين الحركة وبين شخصيات سياسية وعسكرية في الحكومة السابقة، وهذا هو الجانب الإيجابي، لكنه سيؤدي إلى تأخر تشكيل حكومة تمثل التنوع الأفغاني أو الجزء الأكبر منه، وفقاً لوعود «طالبان»، وهذا هو الجانب السلبى، فاستمرار البلاد دون إدارة تنفيذية ذات معايير محددة سيشكل بدوره مأزقاً سياسياً واقتصادياً وأمنياً وفراغاً كبيراً، قد يغري جماعات مسلحة ذات مرجعيات أيديولوجية مختلفة وعنيفة للقيام بعمليات تهز الاستقرار النسبي السائد في العديد من الولايات الأفغانية.

وربما تنطلق إلى خارج الحدود، ما سيدفع دولاً عديدة إلى اعتبار «طالبان» مصدر تهديد يجب مجابهته بكل السبل. وهكذا فانتصار «طالبان» السهل ليس سوى مأزق كبير.

 

 

نقلا عن "الوطن" المصرية

0
النقاش (0)