قضايا وآراء

قراءة استراتيجية في التصريحات المفاجئة للسيسي

إبراهيم الديب
1300x600
1300x600
فجأة وبدون مقدمات يفاجئ السيسي الشعب المصري والعالم مخالفا ما درج عليه منذ ظهوره ووصوله للسلطة في مصر منذ ثماني سنوات، حيث أطلق تصريحا جديدا يوحى بإمكانية المصالحة مع خصومه الرئيسين؛ الإخوان المسلمين، ضمن كلمته على هامش الجلسة النقاشية "حقوق الإنسان.. الحاضر والمستقبل"، خلال ما يعرف بفعاليات إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، في 11 أيلول/ سبتمبر، حيث ذكر:

"إن الجماعات التي تنخر في الدولة موجودة ولا تتوقف وشكلت ثقافة التشكيك وعدم الثقة"، متسائلا: هل الدولة في الفترة من العام 1952 إلى العام 2011 استطاعت أن تقوم بعمل استقرار في مفهوم المسار السياسي؟

وأضاف أن المسار تغير ثلاث مرات، ففي عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كان المسار اشتراكيا، متسائلا: هل المجتمع المصري كان مستعدا لتقبل ذلك بسهولة؟ وهل القدرة الاقتصادية كانت قادرة على تعزيز هذا المسار؟ وهل حجم التحديات كانت تستطيع أن تنجحه؟ مردفا بالقول "إن هذا لم يحدث".

وذكر السيسي أنه وبعد وفاة الرئيس عبد الناصر شهدت مصر مسارا آخر في عهد الرئيس السادات، وحدث ما حدث خلال عشر سنوات.

وحذر من تدمير الدول، الأمر الذي يحول الشعوب إلى لاجئين، قائلا إن هناك دولة أصبح فيها 16 مليون لاجئ بينهم مليونان في الأردن، ومليونان في لبنان، ومليونان في تركيا وفي داخلها معسكرات لاجئين، وبالتالي كيف ستكون هوية أطفال هذه الدولة؟ وتابع بالقول: من كانوا ينظّرون للدولة في العام 2010 كان هدفهم تشكيل أجيال من الإرهابيين والمتطرفين يتولون تخريب المنطقة لمدة 50 أو 60 عاما قادمة.

وأضاف أن عام 2011 كان إعلان شهادة وفاة للدولة المصرية، مشيراً إلى أن كثيراً من العناصر تجمعت في هذه الفترة، لإسقاط الدولة.

التصريح الجديد المهم للسيسي

وفي فقرة هامة هي محور إلقاء ضوئنا الآن، لما تشكله من رسالة إلى الإخوان المسلمين؛ التيار المعارض الأقوى في مصر، والذي يتعرض للسحق من نظام السيسي منذ ثماني سنوات متتالية حتى الآن.. قال بارتجاليته المعهودة من دون القراءة من خطاب مكتوب ومعد مسبقا:

"لكن يا ترى المجتمع، وزي ما قلت قبل كده، على مدار تسعين أو مئة سنة يتم صبغه بطريقة محددة (مشيرا بإصبعه الكبير بالبصم، والتي تشير في الثقافة المصرية إلى البصمة التي يستخدمها المصريون الأميون الذين لا يجيدون القراءة والكتابة بدلا من التوقيع).. بالمناسبة أنا مش مختلف مع دُول (مشيرا إلى الإخوان المسلمين) لكن بشرط أن يحترم مساري ولا يتقاطع معي ولا يستهدفني، هو فكره كده، مش بقولك هحترمه.. لكن هقبل فكره ده.. ميفرضوش علي.. ما يضغطش على بيه".

الكثير من المتابعين للمشهد المصري وخاصة المعارضين والمشردين في الخارج والمتطلعين لأي فرصة للعودة لوطنهم مصر، اعتبروا ذلك تحولا استراتجيا في موقف السيسي، وبنوا عليه تطلعات وأحلاما كبيرة للفترة القادمة.

حتى نتمكن من فهم تصريح السيسي ووضعه في إطاره الصحيح لا بد أولا من تحديد عدد من المعطيات الخارجية والداخلية؛ لبناء سياق عام لفهم وتحليل ما يجري:

أولا: المعطيات الخارجية

1- احتدام التنافس الأمريكي الصيني واقترابه من الصدام العسكري، وما يتطلبه من خروج أمريكا من المنطقة ورفع غطاء حمايتها عنها، خاصة العربية السعودية.

2- التوجهات الأمريكية نحو الخروج من منطقة الشرق الأوسط، والانتقال بقاعدة محدودة إلى الأردن بالقرب من الكيان لحمايته عند الحاجة، خاصة في ظل حرب قادمة يتوقعها الجميع بقوة.

3- التوجهات الأمريكية إلى إشعال حرب دينية شيعية سنية لتجهيز المنطقة لإعادة التقسيم.

4- اختزال ومحدودية الدور المصري في أداء أدوار وظيفية لخدمة التوجهات الأمريكية مما يقلل من دور وأهمية السيسي.

5- ضغوط الإدارة الأمريكية على مصر عبر ملف حقوق الإنسان بضرورة تخفيف القمع، وإجراء تعديلات في وقف الإعدامات، وإطلاق المعتقلين ووقف الاختفاء القسري.

6- فشل السيسي في مهمة تحرير أسرى الكيان، وحصار وتحجيم نمو حماس والمقاومة في غزة، نظرا لضعف أوراقه وقدراته السياسية بشكل عام، ومع المقاومة بشكل خاص، حيث أنه رجل عسكري مجرد لا يمتلك مقومات الرجل السياسي القادر على إجادة اللعب على المتناقضات الجارية، وتحقيق أكبر قدر من الأهداف المطلوبة.

7- تفكك الحلف السعودي الإماراتي المصري بسبب محاولات السيطرة والهيمنة الإماراتية على حساب مصالح المملكة وابن سلمان نفسه، بالإضافة إلى نجاح الاختراق القطري في التعامل مع كل دولة على حدة.

8- التوتر الجاري بين العلاقات المصرية والإماراتية ووقف الدعم الإماراتي والبحث عن بديل آخر - ربما يكون قطر - لو نجح في إعادة رسم ملامح سياسة جديدة لمستقبل العلاقات المصرية القطرية، حتى وإن لم تنضم مصر فعليا إلى الحلف التركي القطري.

9- تهاوي الموقف الإماراتي وتعرضه للعزلة السياسية بعد إخفاقات الإمارات المتتالية في ليبيا واليمن وأفغانستان واضطرارها إلى العودة إلى تركيا، في نفس الوقت التقدم المستمر في مسار عودة العلاقات المصرية التركية تدريجيا، والتلويح المصري بإمكانية عقد مصالحة ما مع تيار الإسلام السياسي، بشروط تحفظ ماء وجهه على الأقل محليا؛ في هذا التحول التصحيحي في تصنيفه ورؤيته للإخوان، من العدو الأول لمصر والمجتمع الدولي والمجموعة الشمسية إلى مصالحة وتعايش معهم.

ثانيا: المعطيات الداخلية

1- محدودية الأدوار والمهام التي يكلَّف ويقوم بها السيسي، ما تسبب في قلق كبير على مستقبله واستمراره في الحكم، تحت هاجس انتهاء المهام الداخلية المكلف بها من قبل النظام الدولي، وخاصة الولايات المتحدة الحليف والراعي الرئيس للنظام المصري، والبحث عن بديل أفضل منه في المجمل العام وخال من الدماء.

2- حالة الاحتقان داخل الجيش المصري والتي تظهرها حملات اعتقال وتحويل إلى محاكمات عسكرية لقيادات من الصفوف الوسطى، بداية من عقيد ورائد ونقيب وضباط، بتهم محاولة انقلاب داخل الجيش.

3- الخطأ الجسيم الذي نرى أن السيسي وقع فيه هو بمحاولة القضاء نهائيا على الإخوان المسلمين ومن ثم فقد ورقة كبيرة ومهمة جدا؛ تحفظ له استمرار دوره في حصار وقمع الإخوان ومنعهم من التمدد والوصول إلى الحكم مرة ثانية وتهديد المصالح الغربية واستقرار المنطقة. فهناك فارق كبير جدا بين سياسة سلفه التي كانت تتسم بحصار واحتواء الإخوان ومنع تمددهم وسيطرتهم، مع المحافظة على وجودهم، بينما توجه السيسي إلى سياسة التشويه والتجريم المطلق وسحقهم ومحاولة اقتلاعهم من المجتمع.

4- الخطأ الجسيم الآخر الذي نرى وقوع السيسي فيه هو بانتهاج سياسة القضاء على الإخوان وكل المكونات والخصوم السياسيين، ومن ثم لم تعد له معارضة ولم يعد له عدو يحاربه ويقتات عليه سياسيا، ويبرر وجوده في السلطة.

5- الانخفاض والتآكل المستمر في شعبية بل ومصداقية السيسي نفسه لدى الشعب المصري نتيجة للإخفاق الكبير في حل المشاكل الأساسية للمجتمع، بل وتزايدها، وخاصة مشاكل الفقر والمرض وتخلف التعليم وضعف الإنتاج والسكن والمواصلات والنظافة، والكثير من احتياجات الحياة اليومية للمواطن المصري والتي تسببت في حالة من الضجر والغليان الصامت لدى قطاعات كبيرة من المجتمع المصري الذي لم يعد لديه شيء يخسره.

6- السمعة السيئة لمصر في ما يخص ملف حقوق الإنسان نتيجة لسياسات القمع والإعدامات بالجملة، والاعتقال التعسفي لعشرات الآلاف والإخفاء القسرى للآلاف من المعارضين، والمستمرة منذ ما يقارب العقد من الزمان، والحاجة إلى تخفيف وتحسين هذه الصورة لمصر لتخفيف الضغوط السياسية وحالة الحصار السياسي التي يمكن أن تسببها للنظام المصري.

7- توجه السيسي إلى بناء المزيد من السجون ضمن ما يعرف بمجمع السجون المكون من ثماني سجون يمكنها استيعاب أربعين ألف سجين إضافي، بما يؤشر إلى توجهاته وسياساته المستقبلية بمزيد من المواجهة والقمع مع الشعب المصري كله وليس الإسلاميين فقط؛ لما سيقوم به من أعمال ستخالف المزاج الشعبي العام.

في هذا السياق العام التمهيدي يمكننا تحديد ثلاثة تفسيرات لتصريح السيسي

التفسير الأول، وأعده الأقوى، أنه مجرد حديث ارتجالي جاء في سياق إطلاق ما يعرف بالاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، فلا مانع من إطلاق بعض الكلمات المتماشية مع سياق حقوق الإنسان، بحسب المناسبة. ولهذا جاءت كلماته بـ"أنا أقبل دُوُل" مشيرا إلى الإخوان المسلمين خاصة وأنه أكد على عبارة "مش بقولك إني هاحترمهم"، كما تعمد التصغير من شأن الإخوان بالدلالة عليهم بلفظ "دُوُل"، وكأنهم شيء هامشي لا قيمة له. كما أن جملته هذه جاءت بعد سيل من الاتهامات بمحاولة أدلجة وصبغ المجتمع المصري وفرض سطوتهم عليه، واتهامه للإخوان بشكل غير مباشر بالتقاطع معه ومحاولة فرض فكرهم وإرادتهم والضغط عليه.

التفسير الثاني، وأعده الأضعف، أنها رسالة على استحياء للإخوان بإمكانية قبول صيغة مصالحة ما لو تم تقديمها بشكل مناسب يرفع عنه الحرج ويبيض وجه أمام الشعب، وأن تكون بشروط مقبولة من النظام، وأنها تأتي في سياق حاجته للدور الوظيفيي التقليدى للإخوان في المجتمع المصري.

أ- كفزاعة للغرب وسبب لاستمراره في الحكم لقمعهم وحماية الغرب منهم.

ب- الحاجة إلى تعزيز الهوية السنية داخل المجتمع المصري في مواجهة التمدد الشيعي، وتهيئة الساحة للحرب المزمع إشعالها في المنطقة.

ج- تهدئة الاحتقان الداخلي وتمثيل دور القائد الذي يستوعب خصومة ويسامحهم، واستعادة جزء من شعبيته المفقودة.

د- استعادة الدور المدني الخدمي للإخوان، والمكمل لجهود الدولة في تخفيف العبء عن الطبقة الدنيا وسد جزء من ضعف وقصور الحكومة.

التفسير الثالث: بحكم طبيعة السيسي الفردية في التفكير والقرار، وإحساسه بالقدرات والأعمال الخارقة غير المسبوقة، وبالاستعلاء والفرعنة، إضافة إلى ما يمارس عليه من ضغوط أمريكية خاصة بملف حقوق الإنسان، وما قد تعرضه عليه أجهزته الأمنية من ضرورة تخفيف الاحتقان مع الإخوان، بالإضافة إلى ما هو مستقر في وجدانه من حتمية القضاء على الإخوان، وأوهام قدرته على ذلك، وأن التاريخ سيسجل له ما لم يتمكن منه سابقوه. فهو تقدم بطرف خفي وعلى استحياء بهذا التصريح الذي تعمد فيه التهوين من فكر وقيمة وأثر الإخوان في مصر والعالم، محاولا بذك ذر الرماد في العيون لا أكثر. ومؤكد عدم رغبته في أى مسار للتصالح مع خصومه السياسين، خصوصا الإسلاميين وخصوصا الإخوان المسلمين. التاريخ والواقع والعالم يؤكدون له ضرورة التوقف عن مسار محاولة سحق الإخوان، بينما للطغيان والفرعنة رأي آخر.

مشهد الإخوان المسلمين وجاهزيتهم واستعدادهم للتعاطي مع أي فرص محتملة:

كما أننا أيضا لا بد أن نتحدث عن الطرف الآخر، وهم الإخوان المسلمون، ومدى استعدادهم وقدرتهم على تقدير المرحلة وفهم تفاصيل ومكونات المشهد وصناعة الفرص، أو استثمار الفرص التي تنتجها تفاعلات وتداعيات الواقع الدولي والإقليمي والمحلي، والتقاط الخيط واستثماره في حلحلة المشهد، والمرور عبر الفراغات المتاحة. وكل ذلك مرهون بتوافر قيادات فكرية واستراتيجية من الوزن الثقيل لدى الإخوان المسلمين، والقادرة على صناعة التحولات، وهذا ما لم يتوفر للجماعة حتى الآن، وخاصة أن الفترة الماضية كانت بمثابة عملية طرد منظم وموجه للكفاءات الفكرية والاستراتيجية التي يمكن أن تصنع الفارق.
النقاش (0)