فلسطين الأرض والهوية

عمال سكك الحديد وقصة تأسيس أول نقابة فلسطينية

محطة قطارات القدس في العام 1900
محطة قطارات القدس في العام 1900

لم تعرف فلسطين، في عهد الدولة العثمانية، أي تجربة على صعيد التنظيم النقابي، إذ إن قانون الجمعيات العثماني لسنة 1909 لم يكن يسمح للحرفيين والعمال سوى بتشكيل جمعيات تعاونية ترعى مصالح أعضائها وتسعى إلى رفع مستوى وعيهم الثقافي.

وعلى الرغم من ذلك فقد ظهرت النقابات العمالية في فلسطين في فترة مبكرة ومتقدمة في الوطن العربي، وكانت مدينة حيفا هي المركز الذي انطلقت منه أولى هذه النقابات، لتنتشر فيما بعد في مختلف المناطق الفلسطينية

وقد شهد مطلع عشرينيات القرن الماضي توجه بعض العمال الفلسطينيين نحو التنظيم النقابي، وتحديدا قطاع سكك الحديد، الذي كان يخضع مباشرة لسلطات الاحتلال البريطاني ويعمل فيه مئات من العمال العرب، الذين احتكوا بالعمال المصريين وبالعمال اليهود الذين كانوا قد خبروا العمل النقابي في البلدان الأوروبية التي قدموا منها، والذين انتظموا، بعد وصولهم إلى فلسطين، في إطار الهستدروت (الاتحاد العام للعمال في أرض إسرائيل) الذي تأسس عام 1920.

كانت محطة سكك الحديد في حيفا مركزا للنشاط النقابي العربي في العشرينيات. وفي مطلع عام 1923، استطاع عدد من العمال بقيادة عبد الحميد حيمور، الانتظام في إطار "اللجنة الأخوية لعمال سكك حديد فلسطين"، وذلك بالاستقلال عن نقابة عمال سكك الحديد التابعة لـ"الهستدروت". وانحصر نشاط هذه اللجنة في تقديم العون إلى المرضى والمحتاجين من العمال وتقديم المساعدات المادية إلى عائلاتهم في حالات الوفاة.

وبعد أشهر قليلة تقدم مؤسسوها إلى السلطات البريطانية بطلب تأسيس جمعية عمالية عربية مستقلة يكون مقرها الرئيسي في مدينة حيفا. وبعد مماطلة أجازت السلطات البريطانية هذا الطلب، وأُعلن رسميا في 21 آذار/ مارس عام 1925 عن قيام "جمعية العمال العربية الفلسطينية". وتحولت هذه الجمعية إلى منظمة نقابية بعد انضمام العمال العرب، الذين انسحبوا من نقابة عمال سكك الحديد التابعة لـ"الهستدروت".

وفي عام 1942، تشكل اتحاد نقابات وجمعيات العمال العربية، كتنظيم نقابي مواز للجمعية. 

مع حلول عام 1947، صدر قانون نقابات العمال، بيد أن النكبة أدت إلى تقويض العمل النقابي وتراجعه، وتفويت فرصة الاستفادة من القانون الجديد.

وبعد النكبة عام 1948 وحتى نكسة حزيران/ يونيو عام 1967، حاول العمل النقابي الفلسطيني استرداد جزء من عافيته وإعادة ترتيب أوراقه، إلا أن ملاحقات قوات الاحتلال أضعفته حيث تم إغلاق العديد من المقرات النقابية وإبعاد عدد من النقابيين خارج فلسطين، ووضعهم في السجون والمعتقلات وفرض الإقامة الجبرية عليهم.

ونتيجة لممارسات الاحتلال فقد قامت منظمة التحرير الفلسطينية في حقبة الستينيات والسبعينيات بتأسيس الاتحادات العامة لغالبية الأطر النقابية، كان أهمها الاتحاد العام لعمال فلسطين عام 1963، والاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين عام 1966 والاتحاد العام للأطباء والصيادلة الفلسطينيين عام 1968، وشهدت فترة الثمانينيات الحضور الفاعل والأبرز لأنشطة تلك الاتحادات، خاصة في مخيمات الشتات والدول الأوروبية، حيث كان لها دور مهم في توعية الفلسطينيين بشؤون قضيتهم والتفافهم حولها فضلا عن رعايتها لمصالح منتسبيها. 

وفي أعقاب حرب 1948، قامت الحركة النقابية ممثلة بجمعية "العمال العربية الفلسطينية" بنقل مركزها من حيفا إلى نابلس شمال الضفة الغربية، فيما تشتت القادة النقابيون، واستقر معظمهم في العاصمة الأردنية عمان. وإثر صدور قرار من المجلس الأعلى للجمعية باستئناف العمل النقابي، فقد غيرت الجمعية اسمها في عام 1952 إلى "جمعية العمال الأردنيين".

وبحسب بعض المراجع التاريخية، فإنه بعد سن قانون نقابات العمال، دخل التنظيم النقابي مرحلة جديدة، وفتح المجال لتأسيس نقابات جديدة، وفي ضوء ذلك، تم تسجيل 21 نقابة، كمقدمة لتأسيس الاتحاد العام لنقابات العمال في الأردن عام 1955.

لقد أدى الارتباط بين الضفة والأردن إلى نشوء نقابات عدة، مثل "نقابة أطباء الأسنان" (1952)، و "نقابة الأطباء" (1954)، و"نقابة المهندسين" (1958)، وغيرها من النقابات التي تمارس عملها باستقلالية عن نظيرتها الأردنية، وإن بقيت جوانب تعاون وترابط مشتركين بينها.

ولتمييز النقابات الفلسطينية عن نظيرتها الأردنية، جرى إلحاق أسمائها بمدينة القدس. فمثلا، للإشارة إلى النقابتين الخاصتين بالأطباء والمهندسين الفلسطينيتين، كان يقال: نقابة الأطباء - مركز القدس، ونقابة المهندسين - مركز القدس.
 
واستمر الوضع على ما هو عليه حتى عام 1967، عندما احتلت الضفة وقطاع غزة، وأجزاء أخرى من الدول العربية المجاورة، حيث عمدت سلطات الاحتلال إلى إغلاق المقار النقابية في العديد من المناسبات.

 

             عمال فلسطينيون في أحد المصانع في عشرينيات القرن الماضي

وأدت إجراءات الاحتلال إلى إصرار الحركة العمالية على مواصلة بناء النقابات، وتنفيذ الأنشطة النقابية من قبل الكتل النقابية المختلفة التي تشكلت طيلة مدة الاحتلال، مثل "كتلة الشبيبة العمالية"، و "الكتلة التقدمية"، و "كتلة الوحدة العمالية"، و "كتلة النضال العمالي".

وأتت المنافسة بين هذه الكتل سياسية أكثر منها نقابية، ما أدى لاحقا إلى إطلاق الكثير من الحوارات من أجل تشكيل اتحاد عام، يضم هذه الكتل النقابية كافة. وتكلل هذا الجهد بالنجاح في عام 1992، مع إنشاء "الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين" داخل الوطن المحتل.

أما حقبة التسعينيات فتميزت بنشوء السلطة الوطنية الفلسطينية وما صاحبها من طفرة في بناء المؤسسات النقابية بكافة مسمياتها بعيدا عن ممارسات السلطة بحق العمل النقابي والتي كان طابعها سياسي وفصائلي بامتياز.

أما القرن الحالي فقد شهد تراجعا ملحوظا في الأداء النقابي الفلسطيني، وسبب ذلك استهداف الاحتلال المتكرر للنقابيين خاصة في الضفة الغربية وكذلك بسبب الانقسام السياسي الذي تشهده فلسطين المحتلة مما أدى إلى تعطل المسار الديمقراطي في غالبية النقابات المهنية بسبب تجميد إجراء الانتخابات وإغلاق بعض المؤسسات النقابية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ولم تبدأ أزمة العمل النقابي الفلسطيني بتوقيع اتفاق أوسلو عام 1993، ولكن هذا الاتفاق شكل محطة مفصلية في العمل النقابي الفلسطيني حيث إنه أحدث شرخا واضحا، وانقسم العمل إلى داخل وخارج، ومن ثم إلى ضفة وقطاع.

وباتت النقابات الفلسطينية منقسمة تماما انعكاسا لما هو عليه الوضع السياسي والفصائلي الفلسطيني خصوصا في ظل الانقسام الفلسطيني الحاصل حاليا، وأصبح بعضها جزءا من هذا الانقسام.

المراجع

ـ د منذر رجب، تاريخ العمل النقابي الفلسطيني، الجزيرة نت، 2/8/2017.
ـ موقع الرحلات الفلسطينية، الحركة العمالية النقابية الفلسطينية، 1920 ـ 1948 حركة مفعمة بالحيوية تشتتها النكبة.
ـ سائد أبو فرحة، قصة الحركة النقابية الفلسطينية (1 /2): النقابات: صمدت أمام كلّ الصعاب إلا السلطة، كانون الأول / ديسمبر 2015 .
ـ الخليج أونلاين، العمل النقابي الفلسطيني إلى أين؟ 6/1/2017.


النقاش (0)