كتب

هكذا تكلّم علي عزت بيغوفتش عن البوسنة والإسلام

قصة علي عزت بيغوفيتش من الإسلام والسياسة في كتاب- (عربي21)
قصة علي عزت بيغوفيتش من الإسلام والسياسة في كتاب- (عربي21)

الكتاب: "سيرة ذاتية وأسئلة لا مفرّ منها"
الكاتب: علي عزت بيغوفتش

الترجمة عن الإنجليزية: عبد الله الشناق ورامي جرادات
الناشر: ط1، دار الفكر دمشق سوريا
عدد الصفحات: 763 صفحة


يُفرّع هذا الكتاب الضخم إلى عديد الفصول والملاحق أهمها "جزء من حياتي" و"تاريخ البوسنة والهرسك" و"الفصل الأول مرحلة الشباب" و"فترة السجن الأولى" و"محاكمة سيراييفو" و"تأسيس الحزب ومحاولة لإعادة هيكلة يوغسلافيا" و"يوميات الحرب" و"سيربرينتسا" و"الحرب والكماشة" و"يوميات دايتون" و"بعد مؤتمر دايتون". 

ولطولها وكثرة تفاصيلها سنكتفي بقراءة شطرها الأول، فلعل القارئ لا يعرف كثيرا عن سيرة علي عزت بيفوفتش، قبل الوصول إلى السلطة. أما بعدها فقد أضحى معروفا للرأي العام الدولي تعرض وسائل الإعلام الدولية أخباره وسيرته باستمرار، حتى وفاته سنة 2003 إثر مرض القلب.

 

1ـ شيء من التاريخ.. البوسنة المستهدفة في هويتها الدينية

يستهل علي عزت بيغوفتش كتابه بملخص من كتاب المؤرخ البريطاني نويل مالكوم: "تاريخ البوسنة والهرسك الموجز" يمتدّ على اثنتي عشر صفحة ويسند له العنوان نفسه:  "من تاريخ البوسنة والهرسك الموجز". وأهم ما جاء فيه أن البوسنة مثّلت على امتداد قرون طويلة نقطة صدام بين المسلمين والمسيحيين، بما أنها تقع تحت سيطرة الدولة العثمانية فتمثّل حدود هذه الإمبراطورية المسلمة مع الإمبراطوريات الأوروبية المزاحمة. 

ولكن التّغيير الكبير حصل في نهاية القرن التاسع عشر. فـ"لقد قررت القوى العظمى في أوروبة حلال اجتماعها في مؤتمر برلين عام 1878 أن تصبح البوسنة تحت الاحتلال وإدارة النمسا وهنغاريا على الرّغم من أنها مازالت نظريا تحت سيادة وسلطان العثمانيين. ولقد تمت عملية الاحتلال النمساوي للبوسنة، وتمت خلال ثلاثة أشهر، ولقد كانت هناك مقاومة شرسة وهجمات ثوار متكررة، ولكن لم تزد خسائر النمساويين عن 946 قتيلا و3980 جريحا". ومدار هذا الملخّص على فكرة رئيسية هي تعرّض القومية البوسنية المسلمة باستمرار إلى محاولات تطهير عرقي  وتهجير سكاّنها الأصليين أو تزييف هويتهم، ولكنها حافظت على هويتها الدينية والقومية رغم خضوع بعض قليل أعلن انتماءه إلى الكروات أو الصرب بحثا عن السلامة. 

2ـ في البحث عن هوية دينية

يعرض حياته مطلع الشباب. فيذكر من الجانب الشخصي شيئا من طفولته وإصابة والده في الحرب العالمية الأولى وبقائه مقعدا لمدة طويلة. أما عن دراسته فيذكر أنه فكان طالبا عاديا، متوسط القدرات، يعاني من مشكلات في مادة التاريخ خاصة. ويحمل المسؤولية إلى معلمه الصربي. فهو يتكلّم لهجته الغريبة التي لا بفهمها ويجعل تلاميذه المسلمين موضوع تنمّر. وعلي بالذات كان ضحيته المفضلة. ويعاود الشكوى من المدرسين من الصرب في الثانوية أيضا. ولعل هدف النظام الملكي الذي يعمل على صَربنةِ البوسنيين، جعله يعزف عن المقررات الرسمية وينشدّ إلى المطالعات الفلسفية خاصة.

وينفتح على السياق التاريخي والحضاري لهذه المرحلة. أهمها  وصول الصرب إلى سدة الحكم وفراره من التجنيد. فقد دفعته عنصرية الصرب وفاشية الكروات  ورفضه للقتال تحت راية النازية أو الشيوعية إلى مغادرة منزله في سراييفو والاختباء عند أقاربه في مسقط رأسه. ولمّا وصل الشيوعيون إلى السلطة واصطدم معهم فسجن لثلاث سنوات مع الأشغال الشاقة. ورغم ذلك لم يفته أن يشير إلى أن طفولته  في سراييفو كانت هادئة. فقد كان الجيران  من خلفيات دينية متعددة يتعايشون في سلام. فيلمع إلى أنّ العداء الديني والصراع المذهبي لم يكن وليد جبلّة في الإنسان  وأنه كان يصطنع من أطراف خارجية لغايات سياسية أو اقتصادية محض.

يمكن اعتبار هذه الفترة مرحلة البحث عن هوية دينية فبعد تمزقه بين بوادر الإيمان والشك، أمكن له التعرف، على تصور مختلف عن الدين الإسلامي إثر اختلاطه بمجموعة من الشباب في جامعة زغرب وجامعة بلغراد. فقد بات على قناعة بأنّ الجانب المادي الظاهري لا ينفصل عن الجانب الروحاني على خلاف ما تفرضه المؤسسة الدينية الرسمية التي تكتفي بالجانب الظاهري وقتها.

3ـ طريق العمل الإسلامي الطويل 

مثل إنشاء حزب العمل الديمقراطي 1990 منعطفا في حياة علي عزت بيغوفتش النضالية والفكرية كما سنعرض لاحقا. ولكن هذه المرحلة كانت تتويجا لمسار كامل بدأه الرّجل منذ دراسته الجامعية. فلتفعيل قناعته الجديدة، اتفق مع أقرانه على على إنشاء جمعية "الشبان المسلمين" وفق قانون الجمعيات وقد قامت أرضيتها الفكرية على مبادئ الإسلام ومعارضة الفكر الشيوعي الزاحف وقتها ومعارضة الفكر الإلحادي عامّة. ونظموا إحدى التظاهرات في سارييفو، وألقيت خطابات نارية ضذ الشيوعيين. وفي المساء تم اعتقاله مع رفاقه ثم أطلق سراحهم في اليوم الموالي وإبقائهم تحت المراقبة، ليتم اعتقاله ثانية في مارس. وليحكم عليه بالسجن لثلاث سنوات. 

ثم ستتوسع الاعتقالات مع توسع نشاط الشبان المسلمين ومع ضغوط ستالين على الطبقة الحاكمة في يوغسلافيا واتهامه لها بالتراخي في مواجهة مناهضي الشيوعية وسيصل الأمر حدّ تنفيذ حكم الإعدام في بعض رفاقه. ومع ذلك فقد بدا كمن ينظر بامتنان لسجنه هذا لاحقا. فلو لم يسجن لحكم عليه بالإعدام رميا بالرصاص سنة 1949 وهو المصير الذي انتهى إليه خالد كايتاز الذي تولّى منصبه في المنظمة بعد اعتقاله هو.

وبعد خروجه من السجن عاود الانضمام إلى منظمة "الشبان المسلمين" رغم التضييقات والملاحقات والإعدامات بحق قادتها. فكان مصيرها الزوال سنة 1951ولم يبق منها سوى بعض الأفراد الذين باتوا يمثلون أنفسهم أكثر مما يمثلون المنظمة. فأعاده القمع والحصار إلى مدارج العلم من جديد،  بعد مدة من التهميش والعمل في قطاع البناء والتحق بكلية الحقوق ومنها تخرج محاميا سنة 1956.

4ـ السجن ثانية

كان من البديهي أن يؤول الطريق بعلي عزت بيغوفيتش إلى السجن مرة أخرى. فقد اعتقل في مارس 1983 وحُبس مطولا على ذمة التحقيق في ظروف احتجاز قاسية يستفيض في وصفها. ووجهت إليه تهمتان: التأمر على الدولة وارتكاب جنحة كلامية، ويقصد منها فعل الكتابة والنشر ضمن أفق إسلامي. ثم أسندت إليه وظيفة ملفقة وهي قيادة المجموعة، غير الموجودة أصلا، لتنفيذ هذه المؤامرة. 

ويذكر أنّ السلطات اعتمدت شهادات مزورة لإدانته. وفي شيء من الإطالة يعرض تفاصيل المحاكمة غير العادلة وإقرار أصحاب الشهادات بانتزاع الاعترافات منهم تحت ضغط المحققين عاملا على إبراز شجاعته أثناء المواجهة مع القضاة. فيدون ما قال في نهاية مرافعته: "وبناءً عليه فإني أقر بأني مسلم وسوف أبقى مسلما. وأعتبر نفسي منافحا عن قضايا الإسلام في العالم، وسأبقى أعتبر نفسي كذلك حتى مماتي، لأن الإسلام بالنسبة إليّ هو كلمة أخرى لمعاني كل ما هو خيير ونبيل، إنه اسم للوعد والأمل بمستقبل أفضل للشعوب المسلمة في العالم، وفي حقّهم بالعيش بحرية وكرامة، وفي كل ما هو جدير بأن يحيا المرء من أجله."

وحكم عليه بخمس عشرة سنة خُفضت في الاستئناف إلى اثنتي عشرة سنة. وزجّ به في السجن مع القتلة واللصوص. والطريف أنه جعل سلوكهم موضوع تحليل نفسي واجتماعي في سيرته هذه وكأنه من خلالهم يريد أن يفهم الإنسان أكثر. فذكر أنّ اللصوص مثلا لا تظهر عليهم بوادر ندم أو صحوة ضمير فيما يعيش القتلة تلك المشاعر بشدة.

وينتهي في الحديث عن هذه المرحلة إلى أنه واجه محنته واستطاع المقاومة بفضل الإيمان والتضامن الأسري. ولا ينكر أن صفة المحامي التي يحملها جعلت مختلف السجناء في حاجة إليه. وأثمرت هذه الفترة كتاب هروبي إلى الحرية الذي هُرِّب من السّجن ولكنه لم ينشر إلا سنة 1999. 

5ـ الطريق نحو السلطة

أفرج عن علي عزت بيغوفيتش سنة 1988، لما كان النظام الشيوعي يترنّح في عامة أوروبا الشرقية، ليستأنف نشاطه السياسي من جديد رغم المخلفات الصحية التي كان يعانيها. فأسس حزب العمل الديمقراطي في 27 آذار (مارس) 1990 رغم أن القانون اليوغسلافي يمنع ذلك وقتها. 

وكان الحزب مفتوحا لجميع الذين ينتمون للثقافة الإسلامية في يوغسلافيا. فقد جاء في الفصل الأول من برنامجه "أولا: إن حزب العمل الديمقراطي هو تحالف سياسي لمواطني يوغسلافيا الذين ينتمون للمجتمع المسلم ثقافيا وتاريخيا والمواطنين اليوغسلافيين الآخرين الذين يدعمون ويساندون برنامج وأهداف الحزب." وأكّد في بقية فصوله عمله على تطبيق برنامجه في إطار المناقشة الديمقراطية مطالبا بإلغاء احتكار الحزب الواحد للسلطة داعيا إلى الحفاظ على يوغسلافيا باعتبارها دولة اتحادية والحفاظ على البوسنة والهرسك دولة لمختلف القوميات والأديان .

 

 

إني أقر بأني مسلم وسوف أبقى مسلما. وأعتبر نفسي منافحا عن قضايا الإسلام في العالم، وسأبقى أعتبر نفسي كذلك حتى مماتي، لأن الإسلام بالنسبة إليّ هو كلمة أخرى لمعاني كل ما هو خيير ونبيل، إنه اسم للوعد والأمل بمستقبل أفضل للشعوب المسلمة في العالم، وفي حقّهم بالعيش بحرية وكرامة، وفي كل ما هو جدير بأن يحيا المرء من أجله."

 

 



يعرض خطابه في الجمعية التأسيسية فيذكر: "وتعقيبا على النظام الشيوعي الذي بات منهارا تماما خلصت إلى القول "إن المحاولة العملاقة لخلق فردوس على الأرض من دون تدخل الله، ومن ثم الإنسان، بل كانت ضد الله والإنسان، قد انتهت بالفشل الذريع".

وقاطعني الحضور بالتصفيق. لقد كان البعض يبكي. وبدا واضحا أنه بدأت صفحة جديدة من تاريخنا".
وأمكن له بعدئذ الانتصار على الشيوعيين في الانتخابات الرئاسية سنة 1990. ولكن الصرب المتربصين به وبالهوية الجديدة التي يريدها للبوسنة ألغوا دستور 1975 الذي يرفع من تمثيل كوسوفو ويجعله كيانا سياسيا معادلا لبقية جمهوريات يوغسلافيا.. فوجد نفسه قائدا للمعركة وجود غير متكافئة انتهت بالتوقيع على اتفاقية دايتون للسلام، التي تعلن انتهاء الصراع المسلح الذي دار في البوسنة والهرسك وتقسيم البوسنة والهرسك إلى كيانين هما جمهورية صرب البوسنة وفدرالية البوسنة والهرسك. 

سيرة مهمة لزمن عاصف

رغم اعتراف الكاتب بأنه لا يدري كيف تكتب السيرة الذاتية، وأنه اطّلع على سيرة تشرشل قبل بداية تحبير لـ"سيرة ذاتية وأسئلة لا مفرّ منها "، جاء أثره على قدر من الأهمية. فهو يروي وقائع مجهولة من حياة هذا المفكر الذي حكم في زمن عاصف. ويتضمن وثائق نادرة منها رسائله وأحاديثه ومحاضراته ولقاءاته الصحفية. 

ومما يزيد من قيمته عرضه لسياق بعض كتاباته وذكره لوقعها. ففي1969 أنهى تحرير كتاب "الإعلان الإسلامي" هذا الكتاب الذي لن يثير جدلا إلا بعد 1983، أي بعد محاكمته واعتباره حجة على "جنحته الكلامية". والكتاب وفق هذه السيرة لا يتحدث عن يوغسلافيا بالتحديد وإنما يدافع عن الفكرة القائلة بأن "الإسلام هو وحده الذي يستطيع أحياء القدرات الخلاقة للشعوب المسلمة بحيث يمكنهم مرّة أخرى أن يلعبوا دورا فعّالا وإيجابيا في صنع تاريخهم". فهوجمت هذه الرسالة واعتبرت أصولية. 

والطريف أنه هو نفسه يراها كذلك: يقول "إنها كانت كذلك فعلا، ولكن من وجهة النظر التالية: لقد دعت إلى العودة إلى الأصول والمنابع، ونددت بأنظمة الحكم القمعية، ودعت إلى مزيد من الإنفاق عل التعليم وشجعت على تحسين وضع المرأة... وتلقّى الغرب الكتيّب بشيء من التحفظ، وأعتقد بأنهم لم يقدروا أن يتحملوا وجود الإسلام في صميم الحلّ وصلب الموضوع". 

وفي 1984 نشر كتاب "الإسلام بين الشرق والغرب" وللكتاب قصة. فقد بدأ تحريره سنة 1946 ولكن أثناء ملاحقاته أخفته شقيقته ولم يعثر عليه إلا في نهاية الستينات فأعاد صياغته ثم أرسله إلى صديق في كندا. فنشر وهو يقضي فترة سجنه. وميزة هذا الكتاب من وجهة نظر كاتبه التركيز على القيم التي تشترك فيها الإنسانية جمعاء والعمل على إبراز التناقضات بين القيم اليهودية والقيم النصرانية فيقدّر أنّ "الإسلام هو تجميع ومقاربة، هو الطريق الثالث الذي يشق خط سيره بين هذين القطبين اللذين يشكلان كل ما هو مهمّ للبشرية".

ورغم إدراجه للكثير من المعطيات الخاصة كميله إلى الكتب الشيوعية أو الإلحادية في مرحلة مبكّرة من شبابه أو كقصة زواجه من خالدة "الفتاة الفاتنة" التي كان يعرفها منذ مراهقته ولم تنقطع علاقته بها بعد تجربة السجن، يظل الأثر بعيدا عن السيرة الذاتية التي تحكمها سنن في الكتابة فيقف فيها المرء معترفا بما لا يقال عادة على رؤوس الملإ ويتطلب شجاعة الاعتراف والمواجهة. لذلك تبدو أقرب إلى السيرة الفكرية التي تعرض تطور أفكار الكاتب وعلاقتها بالسياق الحضاري والسياسي والاجتماعي.


النقاش (0)