كتب

محكيات الأسر والاستعباد في المغرب كما دوّنها الأوروبيون

مشاهد وأحداث مثيرة تواطأت فيها الطبيعة والإنسان، عن ثمانية أشهر من الاستعباد جنوب المغرب
مشاهد وأحداث مثيرة تواطأت فيها الطبيعة والإنسان، عن ثمانية أشهر من الاستعباد جنوب المغرب
صدر عن القلم المغرب ــ الدار البيضاء، النسخة العربية من كتاب "كنت عبدًا في المغرب (1783- 1784: رحلة)" (ط1، 2017)، للفرنسي، أندريان جاك فولي، نقله إلى العربية المترجم بوشعيب الساوري. ويقع الكتاب في 89 صفحة من القطع المتوسط.

يُعد هذا الكتاب، "بحق من أبرز محكيات الأسْر والاستعباد في المغرب التي دوّنها الأوروبيون خلال القرن الثامن عشر، لما تشملُه من مشاهد وأحداث مثيرة تواطأت فيها الطبيعة والإنسان، رُويت بأسلوب مشوّق، عن ثمانية أشهر من الاستعباد جنوب المغرب، لا تخلو من مبالغة وانفعالات ذاتية، موجّهة بالمركزية الأوروبية التي كانت ترى في غيرها من الشعوب "متوحشة" وهو ما نلمسه في حدث جاك فولي عن المغاربة الذين استبعدوه، هو ورفاقه، فيما صدر عنه من عُنف لغوي فجّر فيه انتقامه منهم وصل حدّ نعتهم بالمتوحشين" (ص 3).

الانطلاق

يقول فولي أنه قضى "اثنتا عشر سنة في دواليب الإدارة البحرية، كما سبق لي أن شاركت في أربع حملات عسكرية في بلاد الهند الغربية (...) [وتم تكريمي] بشهادة ضابط في إدارة المُستعمرات، فوجَّهني لمباشرة مهامّي بالسنغال" (ص 7). ويحدثنا عن المصاعب التي واجهته في الإبحار إلى السنغال. 

الغرق
 
يروي فولي حادثة غرق السفينية بالقول: "انفلقت السفينة قليلاً من جرّاء اصطدامها بالصخور" (ص 12). و"كنا نبعُد عن الشاطئ برُبع فرسخ" (ص 13). و"فجأة رأينا البَرّ حافلاً بجمع غفير من المتوحشين [يقصد المغاربة] السّمر. كانوا عُراة ممسكين السيوف بأيديهم، كانوا يُسارعون إلى الساحل ويُطلقون صيحات مفزعة" (ص 14). ويحدثنا عن أسر أحد رفاقه بيد المغاربة بالقول: "فتخاطفُوه فيما بينهم، وجرّدوه من قميصه وجرّوه، بلا شفقة، إلى أعْلى الهضبة. هُناك بدا لنا مدْفوناً في الرمل. بعْد ذلك أشعل المتوحشون ناراً كبيرة ورقصوا حول رفيقنا، مطلقين العديد من صيحات الفرح، وأوثقوه من رجليه ولحظة بعْد ذلك حُجِب عن أنظارنا" (ص 15). وبحسب المؤلف، هذا المشهد أرعب من في حطام السفينة، و"انقسم المتوحشون، الذين أخذ عددُهم يزداد شيئاً فشيئاً، إلى جماعات، من مسافة إلى أخرى، وواصلوا إضرام النار على الساحل: فاللهب المدعوم بواسطة الحجر الذي أعلوه على شكل هرم، ورقصهم المتواصل، كل ذلك ساهم في جعْل ذلك الحفْل جدّ مثير للرعب في أنفسنا" (ص 18). 

الأسْر

يحكي فولي قصة وقوغه في الأسْر، "تحلقوا حولنا، كان بعضُهم مسلّحاً ببنادق والبعض الآخر بسيوف، أو ممسكين بخناجر، أمرونا بالوقوف، فقُمنا دون أدنى مقاومة، وسِرنا براً مسافة نصف فرسخ بعيداً عن البحر، كانوا يسوقوننا كما القطعان، وكانوا يضربون كل من تخلّف منّا إلى الوراء، وفي الأخير أوقفُونا من أجل اقتسامنا (...) اقتسمونا إلى نصفين، وقادونا أنا وثمانية من مواطني إلى الساحل" (ص 24).

ويصف فولي ما حدث له بالقول: "رآني بعض المُتوحشين، فطاردوني وأمْسكوني، وجرّوني بسُرعة إلى أعلى الجبل، وسارع آخرون وانتزعوني من بين أيديهم، وكانوا هائجين لأنّني لم أستطع مقاومة عُنف منافسيهم، جعلوني أتحمّل أسوأ المعاملات اللا إنسانية" (ص 25). "كان يرتسم ألم قاتم على كل وجوهنا، بكينا سوية على مصيرنا المحزن، لم يكن يقاطع حديثنا سوى تنهيداتنا الطويلة، لم نكن نجرؤ على التفكير في المستقبل: وما جعل وضعيتنا جدّ مخيفة، هو توقعّ مدّتها واستمراريتها. كان يبدو أن نهاية أسْرنا لا يمكن أن تكون إلا بموتنا"(ص 27).
 
بداية الاستعباد
 
"قادنا سادتُنا إلى العمل. بمُجرّد ما استطعتُ الوقوف (...) ضربني [سيدي] لإجهادي على تنفيذ أوامره (...) فتمكّنْتُ من دحْرجة العديد من البراميل (...) كلَّفني سيّدي بعمل جديد (...) بالذهاب لإحضار الحطب" (ص 29). و"وصلت إلى مكان إقامتنا، مُدرجاً بالدم وخائر القوى، وبمُجرد ما وضعت حزمتي، حتى بيّنت لي بعض النساء، ضاحكات، بأنني لم آت بالحطب الذي كنّ في حاجته إليه؛ فعرفنني على نوع الحطب لذي يشعلنه عادة، وأمرْنني بالذهاب لإحضاره" (ص 30). وفي يوم 22 [يناير 1784م] عند شروق الشمس، كان يتوجّب عليّ السّير خلفَ سيدي على شاطئ البحر، واشتغلت هناك، كما في اليوم السابق، في إفراغ حمولة السفينة" (ص 31). "في الوقت الذي ظللنا فيه على شاطئ البحر، كان المغاربة يقتسمون براميل القمح الصلب التي كنا نجرّها من السفينة" (ص 33).
 
الاختطاف

"في يوم 23 [يناير 1784م] (...) أُوقفت فجأة أو أُلقي عليّ القبض، لقد كان الفاعل مغربياً، أمسك بي، وكان يريد إجباري على الدخول إلى كوخه. ونظراً لمعرفتي بالمزاج المتوحش والقاسي لسيدي، قاومت، فسدّد ذلك المتوحش لكمتين إلى وجهي، وأسقطني، وجرّني إلى داخل كوخه، وهدّدني بالقتل إن أنا تجرأت على الخروج من هناك" (ص 35). ويحدثنا عن صراع قبيلتين بأكملهما للحصول عليه. و"في يوم 27 [يناير 1784م] اجتمعت هاتان القبيلتان اللتان أتعبهما البقاء مدة أطول على شاطئ البحر، (...) فضلوا نسف ما تبقي من السفينة (...) فقد كان انفجارها قوياً جداً، سبب في إصابة 50 مغربياً بجروح ووفاة ثمانية" (ص 37).
  
قتل القطبان

"في يوم 28 [يناير 1784] (...) كنت اعتقد أنني الفرنسي الوحيد الذي بقي على الساحل، قبل أن أرى القبطان قادماً نحوي. كان مشوّهاً بجُروحه، كان نظره شارداً، وكان وجهة مُدمى وشاحباً، وكان فمُه حينها قد تآكل. وصار موته وشيكاً" (ص 38). "في منتصف الليل، (...) كنت أستطيع رؤية ما يجرى داخل الكوخ الذي جعلته مأوى للقُبطان وقد كان جدّ قريب من كوخ سيدي. بُعيد ذلك رأيت المغاربة يجبرونه على أن يبتلع، بواسطة قرن ثور، مشروباً. رماه، في فتور متقطع، وبعد ذلك قتلوه بضربات مقابض بندقياتهم" (ص 40).
 
الرّعي
 
يحكي فولي عن وصوله لقرية صغيرة مع سيده المغربي، وفي اليوم الثالث، كلف بالعمل، فقد "كان يتوجب علي أن أسُوق قطيع ماعز إلى المرعى، رافقني طفل صغير ليريني المكان حيث أسوق الماعز. وقبل غروب الشمس أعدت القطيع إلى الكوخ" (ص 43). يستطرد فولى، "كانت حياتي مقيتة، كنت أرغب في أن أخصّصها للبهائم التي كنت أرعاها. ندمت على عدم الموت أنا الآخر رُفقة ذلك الضابط الشاب الذي رمت الأمواج بجثته على الشاطئ، كنت أتشوق لمصير القبطان المنكوب الذي رأيته يُقتل" (ص 45).
 
العمى

يحدثنا فولي عن نفاذ صبر مالكه بسبب تأخّره حيث قال: "تزوّد مالكي الغاضب بحبْل وضربَني مدة من الزمن، بقسوة شديدة عديمة الإنسانية، وكان دمي يسيل غدراناً من كل الجهات. وقعْتُ مغشياً عليّ. وأنا في حالتي التي يرثى لها، أوثق رجلي إلى عمود كان مغروزاً في مدخل الكوخ، وظللت هناك مرمياً ليلة بأكملها كانت شديدة البرودة والرطوبة. حينما طلع النهار جاءا ليفكّا قيدي. لكن وا أسفاه! لم أكن قادراً على رؤيتهما: لقد فقدتُ البصر" (ص 47).

مالك جديد

دام عمى فولي نحو 35 ساعة، وتم بيعه لمغربي "مقابل ثلاث عنزات" (ص 49). كان المالك الجديد "يوفر لي ـ حسب قول فولي ـ كل ما كان يعتقد أنه أنه قادر على التخفيف من آلامي. جعلتني طيبتُه ومعاملتُه الحسنة أنْسى وحشيته السابقة" (ص 53).

الافتداء

يحكى فولي أنه تمّ بيعه، وأصبح "عبداً لسيد ثالث، والذي عاد بي إلى كلميم يوم 15 مارس 1784. كان سيدي الجديد يُدْعى محمداً، باع نصف شخصي إلى يهودي يُدعى هارون" (ص 55).  "لم يذخر السيد مور، نائب قنصل فرنسا في الإمبراطورية المغربية أي جهد لتكسير أسْرنا" (ص 56). وفي يوم 7 أبريل 1784م توافق مع سيديّ على ثمن افتدائي (...) حيث انطلقنا يوم 11 من نفس الشهر متجهين إلى موكادور" (ص 58).

إلى موكادور

و"في يوم 21 أبريل 1784م، وبعد عشرة أيام من السير، وصلنا إلى موكادور" (ص 59). و"منذ تلك اللحظة صارت حرّيتنا كاملة" (ص 62).

إلى مراكش

وغادرنا موكادور يوم 15 يونيو 1784م إلى مراكش. و"في يوم 28 يونيو 1784م، عاد الإمبراطور من حمْلته، فاستدعانا (...) فوعدنا بإرسالنا في أقرب وقت إلى فرنسا" (ص 65).
 
إلى الرباط ومنها إلى طنجة

وفي الخامس من يوليو 1784م، "انطلقنا من مدينة مراكش، مخفورين بعشرة جنود وفارس. التحقْنا عند خروجنا من المدينة بجيْش صغير من المغاربة، كان يتوجّب عليه أن يجوب كل بلاد البربر" (ص 66). و"وصلنا إلى طنجة يوم 31 يوليو 1784" (ص 71).

الحجر الصحي

حجز لنا القنصل الاسباني قارباً كان متوجهاً نحو قادس، وهناك "جاءت اللجنة الطبية (...) ووضْعتنا في الحجر الصحي، وأرسلتنا إلى المحجر الصحي لازاريت، قرب جزيرة ليون" (ص 72). قضيت في قادس نحو 38 يوماً.
  
العودة إلى الوطن

وصلنا مارسيليا "يوم 5 تشرين الأول (أكتوبر) 1784م، فتم إخضاعنا لاثنتي عشر يوماً من الحجر الصحي" (ص 75). وصلت باريس "يوم 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 1784م، وكان ذلك اليوم هنيئاً لي!" (ص 75). و"في يوم 21 تشرين الثاني (نوفمبر) 1784م ذهبت إلى فرساي، وهناك على الفور، كان لي الشرف بالامتثال أمام السيد المارشال ديكاتري وزير الملاحة، لأقدّم له مذكراتي" (ص 76).  

*كاتِب وباحِث فلسطيني

النقاش (0)