كتب

الثورة السورية.. كيف تحول الأمل إلى ألم لا ينتهي

"الثورة السورية.. أمل وليد وألم لا ينتهي" كتاب جديد لـ رضوان زيادة
"الثورة السورية.. أمل وليد وألم لا ينتهي" كتاب جديد لـ رضوان زيادة

الكتاب: "الثورة السورية.. أمل وليد وألم لا ينتهي"

المؤلف: رضوان زيادة

الناشر: دار "موزاييك" للدراسات والنشر.

 
كان الأمل بنجاح الثورة السورية كبيرا جداً لدى السوريين، فالرهان على التخلص من نظام الإبادة (Genocidal regime) متمثلا بنظام الأسد كان حلما يراود السوريين، لقد كانوا يدركون أن التكلفة عالية لكن لم يكن لأحد أن يبلغ به الحلم أن الأسد سيدمر سوريا كما وعد شبيحته حقاً (الأسد أو نحرق البلد)..  فقد اعتقدوا أن ذلك ربما لا يعدو عن كونه تعبيراً مجازياً تحتاجه البلاغة العربية في شعاراتها خاصة الأيديولوجية منها، بيد أن الأسد نفذ استراتيجيته في تحويل سوريا إلى دولة فاشلة تماماً عبر تدمير بناها التحتية بشكل كامل وتحطيم نسيجها الاجتماعي على نحو كلي وذلك عبر استراتيجيته في تدمير كل مدينة أو بلدة أو قرية تمردت على شهوته المرضية في حكم سوريا بالعنف والقوة والإكراه مدى الحياة. واللعب على الوتر الطائفي الذي حول الثورة السورية إلى حرب أهلية ودوامة عنف لا تتوقف.

لكن مفاجأة السوريين كانت أكبر من تخاذل المجتمع الدولي الذي اعتقدوا مخطئين أنه سيتدخل لوقف مأساة القرن الواحد والعشرين كما أطلق عليها، لكنه تواطأ مع الأسد لترك سوريا تتحلل رويداً رويداً ويوما بعد يوم حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم. وهو ما شجع روسيا لتتدخل لصالح الأسد وتستخدم قوتها العسكرية بأكملها من أجل تدمير كل مدينة رفعت لواء الحرية ضد الأسد يوما ما.

يشير تقرير البنك الدولي إلى أن أكثر من 85 بالمائة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر وهم يعتمدون كلياً على المساعدات الإنسانية التي تقدمها الأمم المتحدة أو الهيئات الخيرية الدولية، كما تعيش المناطق داخل سوريا والتي ما زالت تحت سيطرة النظام السوري أزمات اقتصادية متلاحقة هذا فضلا عن السياسية والأمنية التي لا يبدو أن أحداً يكترث لها، أما الحاجات الأساسية كمياه الشرب والكهرباء والمدارس وغيرها فتبقى معدومة نهائيا داخل المدن التي اصطفت يوما ما مع المعارضة وتعرضت لدمار شبه كامل في كل أبنيتها ومبانيها وبناها التحتية كداريا والمعضمية ومدن الريف الدمشقي وأحياء كاملة في حمص وحلب، حيث لم يعد أياً من ساكنيها لغياب الأمان أولا وثانيا لانعدام الموارد كليا عن إعادة إعمار هذه المدن التي دمرها النظام السوري بمروحياته وطائراته وصواريخه وأكمل المهمة فيما بعد الطيران الروسي الذي حول مدنا كحلب ودوما وحرستا إلى مكب كبير للنفايات حيث الانعدام الكامل للقدرة على رفع الأنقاض بسبب كبر حجمها وانعدام الموارد الضرورية للقيام بذلك.

 

مفاجأة السوريين كانت أكبر من تخاذل المجتمع الدولي الذي اعتقدوا مخطئين أنه سيتدخل لوقف مأساة القرن الواحد والعشرين كما أطلق عليها، لكنه تواطأ مع الأسد لترك سوريا تتحلل رويداً رويداً ويوما بعد يوم حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم.

 



هذه سوريا اليوم، يبدو مستقبلها غامضاً جداً بعد أن كان الأمل أن تفتح لها الثورة تاريخا مختلفا ومستقبلا يعكس إرادة السوريين ورغباتهم وآمالهم، لكن قرار الأسد في رفض التغيير الذي أراده السوريون قاد سوريا إلى مؤخرة دول العالم في كل المؤشرات والتقارير الدولية خاصة تلك المتعلقة بها بالأمن أو الصحة العامة أو النمو الاقتصادي أو التعليم، ولا تتفوق إلا في كونها الدولة الأكبر بعدد اللاجئين حول العالم حيث فاق عدد لاجئيها عدد اللاجئين الفلسطينيين بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948.

من الضروري تحقيب الثورة السورية إلى خمس مراحل رئيسية وفقاً لطبيعة وتصنيف انتهاكات حقوق الإنسان ووفقاً للفاعلين ومرتكبي هذه الانتهاكات، فقد مرّت الثورة السياسية بخمس مراحل رئيسيّة. أوّلها مرحلة سلميّة شهدت خروج المظاهرات مطالبة برحيل الرئيس بشار الأسد وإدخال تغييرات جذرية على شكل النظام السياسي بما فيها انتخابات رئاسية وبرلمانية وتغيير الدستور الحالي لعام 2012 نحو دستور ديمقراطي يسمح بالتعددية السياسية والحزبية، إلّا أنّ هذه المظاهرات تمّ التعامل معها منذ الأسبوع الثاني من شهر نيسان (أبريل) 2011 من قبل النّظام وفقا لسياسة "Shoot to kill policy"، "إطلاق النار ليس بهدف تفريق المتظاهرين وإنما بهدف قتلهم" والذي سعى من خلال هذه السياسة إلى قتل أكبر عدد من المتظاهرين بغاية ترهيبهم. 

ولذلك كانت كل الإصابات في القلب والرأس حسب تقرير توثيقي قامت بها منظمة "هيومن رايتس واتش". كما تمّ تسجيل مقتل أكثر من 6300 ناشط سلمي خلال الفترة الممتدّة من آذار(مارس) 2011 إلى أيلول (سبتمبر) 2011 وذلك من أجل إخماد الثورة السّوريّة نهائيّا.

أدّى ذلك إلى تحرّك المنظمات الدولية وخاصّة جامعة الدّول العربية في محاولة لإيجاد حل سياسي عبر إرسال المراقبين لإقناع النّظام بالتخلّي عن قتل المتظاهرين بالرصاص الحيّ والسماح بالمظاهرات السلمية وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين.

المرحلة الثانية كانت مرحلة تحول الثورة السورية إلى العنف، وهو ما أصبح يطلق عليه البعض بالثورة المسلحة، حيث لعبت عوامل عدة في تحول الثورة السورية السلمية إلى ثورة مسلّحة. أوّلا، اندلاع الثورة الليبيّة وانتشار السلاح وتدخل "الناتو" الذي تفاءل به السوريون ليساعدهم على إطاحة نظام بشار الأسد. 

ثانياً، ارتفاع عدد القتلى من المتظاهرين السلميين وعدد المعتقلين وكل من لهم علاقة بالنشاط السلمي ومنع النظام الجرحى من العلاج وأبرز هذ الحالات كان قتل الناشط غياث مطر صاحب فكرة تقديم الورود خلال المظاهرات إلى الأجهزة الأمنيّة كرسالة سلام للنظام، وتعذيب الطفل حمزة الخطيب وتامر الشرعي وغيرهم. 

ثالثاً حجم التعذيب الممارس ضد الناشطين السلميين داخل السجون السورية والتي أدت إلى مقتل الكثير منهم تحت التعذيب. هذه العوامل دفعت السوريين إلى التسلّح في أواخر عام 2011.

المرحلة الثالثة وهي مرحلة العسكرة الكاملة للثورة السورية عبر تزايد الانشقاقات الفرديّة والأفقيّة عن الجيش السوري. كما أنها تميزت على المستوى الدّولي، عبر تدخل كل من روسيا والصين في كل المنابر الدولية بما فيها مجلس الأمن الدولي من أجل حماية نظام الأسد، حيث استخدمت روسيا الفيتو 13 مرة داخل مجلس الأمن لمنع أي إدانة للنظام السوري. وهو ما أعطى ضوءاً أخضر للنظام السوري أنه تحت شكل ما من أشكال الحماية الدولية شجعته على استخدام سلاح الجو. 

 

هذه سوريا اليوم، يبدو مستقبلها غامضاً جداً بعد أن كان الأمل أن تفتح لها الثورة تاريخا مختلفا ومستقبلا يعكس إرادة السوريين ورغباتهم وآمالهم، لكن قرار الأسد في رفض التغيير الذي أراده السوريون قاد سوريا إلى مؤخرة دول العالم في كل المؤشرات والتقارير الدولية

 



فمن تموز (يوليو) 2012 وحتى اليوم استخدم النظام السوري سلاح الجو وخاصة البراميل المتفجرة (عبارة عن صندوق حديدي توضع داخله قطع من الحديد وكمية كبيرة من مادة شديدة الانفجار وتبلغ تكلفته من 8 إلى 10 دولارات) عبر إلقائها في شكل عشوائي وهو ما يعتبر في القانون الدولي الإنساني الدولي جريمة حرب.

أمّا المرحلة الرابعة فهي مرحلة استخدام نظام بشار الأسد للأسلحة الكيماويّة. فمقابل صمود المعارضة وتمكّنها من تحرير بعض المناطق في الشمال السوري وريف دمشق. استخدم النظام السلاح الكيماوي 31 مرّة. فقد سقط في الغوطة الشرقية في آب (أغسطس) 2013 ما يفوق 1400 شخص بينهم 400 طفل في أوسع عملية لاستخدام السلاح الكيماوي. حيث أطلق النظام السوري 7 صواريخ محملة برؤوس كيماويّة على منطقة يقطنها مدنيون بالكامل في الغوطة الشرقية وبحدود الساعة الثانية صباحاً، ما ضاعف عدد القتلى نتيجة استخدام هذا السلاح الكيماوي.

أمّا المرحلة الخامسة والأخيرة من الثورة السورية فهي في أيلول (سبتمبر) 2015. مع بداية التدخل العسكري الروسي لمصلحة النظام بهدف سحق المعارضة المسلحة في شكل نهائي، مهما كانت تكلفة ذلك على المدنيين كما بدى ذلك واضحاً في العملية العسكرية التي قادتها روسيا في حلب في كانون الأول (ديسمبر) 2016 ثم في الغوطة الشرقية في عام 2017 وقد صرّح وزير الدفاع الروسي بوجود 63 ألف جندي روسي على الأراضي السوريّة.

كانت الحرب متوازنة تقريباً بين النظام والمعارضة، إلّا أنّ موازين القوى انقلبت عند التدخّل الروسي. فتمّت السيطرة على شرق حلب من قبل الميليشيات الإيرانيّة التي انتهجت سياسة لا فرق في القتل بين المدنيين والعسكريين مثلها مثل روسيا. فانسحب ما يقارب 35 ألف من المدنيين السوريون حفاظاً على أرواحهم. وقد لجأ معظمهم اليوم إلى تركيا التي يتواجد فيها ما يفوق عن 4 مليون لاجئ سوري. 

وتكرّر السيناريو ذاته في كثير من المناطق مثل حمص ودرعا وإدلب. ونتيجة هذه الفوضى، تكوّن "داعش" عام 2013 الذي كان يقاتل المعارضة السورية ويسيطر على المناطق التي كانت تحت سيطرة المعارضة من أجل الانتشار والسيطرة على أكبر مساحة من الأراضي في سوريا والعراق مع تطبيق نظام حكم قروسطي، في منتهى الانتهاك لحقوق المرأة والطفل في شكل خاص ومن دون أي احترام للحقوق الأساسية والسياسية منها في شكل خاص.

ومع بدء "داعش" إعدام عدد من الصحفيين الغربيين والسيطرة على الموصل في العراق تحرك التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركيّة للقضاء على التنظيم من دون اكتراث لما يحصل في الأرض السورية، حيث استمر نظام الأسد باستهداف المدنيين وقتلهم بكل أنواع الأسلحة التقليدية.

لقد انتهت سوريا التي نعرفها ونتيجة الحرب انخفض عدد السكان من 23 مليوناً عام 2011 إلى 15 مليون ساكن فقط. والرؤية الوحيدة لما يسمى الحل السياسي في سوريا هو اتّفاق جنيف الذي توصّل إليه الأمين العامّ السابق للأمم المتحدة كوفي عنان في 2011، والذي يقوم على تشكيل حكومة انتقالية مشكّلة من قبل النظام والمعارضة ولهما حق الفيتو المتبادل وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين والسماح بالتظاهرات السلميّة والتخلي عن الأسلحة الثقيلة في المدن. 

 

كانت الحرب متوازنة تقريباً بين النظام والمعارضة، إلّا أنّ موازين القوى انقلبت عند التدخّل الروسي. فتمّت السيطرة على شرق حلب من قبل الميليشيات الإيرانيّة التي انتهجت سياسة لا فرق في القتل بين المدنيين والعسكريين مثلها مثل روسيا. فانسحب ما يقارب 35 ألف من المدنيين السوريون حفاظاً على أرواحهم. وقد لجأ معظمهم اليوم إلى تركيا التي يتواجد فيها ما يفوق عن 4 مليون لاجئ سوري.

 



غير أنّ ما حدث خلال السنوات السبع الأخيرة كان عكس ذلك تماماً، حيث أصبحت سوريا ساحة لارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية يومياً وفق تعبير لجنة التحقيق الدولية المستقلة المشكلة من قبل مجلس حقوق الإنسان في جنيف.

هذا الكتاب محاولة ليس فقط لجمع  البحوث والمقالات والمقابلات التي كتبتها خلال أيام الثورة السورية على مدى السنوات الثمانية الماضية وإنما تكشف بعمق كيف تطورت الأمور في سوريا وكيف تحولت الثورة السورية من أمل كبير يفخر به السوريين إلى ألم لا ينتهي يعيشه السوريون كل يوم في داخل سوريا، حيث فوضى الأمن وهاجس الخوف الذي استطاعت دولة المخابرات تعزيزه وحيث المعتقلون السوريين بالآلاف يموتون تحت التعذيب كل يوم دون أن يكون في قدرة أي شخص أو دولة أو منظمة على مساعدتهم، فنظام الإبادة حر في إبادة السوريين كما يشاء بالسلاح الكيماوي أو عبر القصف بالمدافع والرشاشات الثقيلة أو الصواريخ طويلة المدى أو البراميل المتفجرة أو بالموت من الجوع بسبب الحصار، كل ذلك وغيره من وسائل القتل التي سخرها الأسد اليوم لقتل السوريين وتصفيتهم، حيث لا رادع قانوني أو أخلاقي أو سياسي من أي نوع، يشعر بالطمأنينة كلما قتل أكثر وتخلص من معارضيه فرادى وجماعات، ولا يشعر أنه جزء من هذا العالم الذي تحكمه اليوم مفاهيم حقوق الإنسان العالمية ومعايير المحاسبة الدولية.

يجمع الكتاب المقالات والأخبار الخاصة بنشاطي السياسي والبحثي والأكاديمي خلال سنوات الثورة السورية وكيف تطور موقفي منها وكيف تطورت الأحداث في سوريا حتى نعيش الألم اليوم لحظة بلحظة.

هناك خيط يجمع كل هذه المقالات والحوارات هو كيف يمكن تأمين انتقال سياسي من نظام دكتاتوري كنظام الأسد إلى نظام ديمقراطي، وسيلاحظ القارئ كيف أن وجهة النظر هذه اختلفت وتطورت مع تطور الأحداث في سوريا، ومن المهم اليوم قراءة موقف المعارضة السياسية والأخطاء التي ارتكبتها خلال سنوات الثورة لكن لابد من أخذها ضمن سياقها الحدثي ولذلك وثقتها كما هي، إلى حين استقالتي من المجلس الوطني في عام 2012 وتفرغي للعمل ضمن المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية للإشراف على خطة انتقالية لسوريا قدمتها في خطة التحول الديمقراطي التي أصدرها المركز السوري عام 2014 ثم عدت للعمل السياسي كرئيس للهيئة السورية للعدالة الانتقالية التي شكلتها الحكومة السورية المؤقتة عام 2015 إلى أن استقلت منها وتفرغت للبحث والكتابة ضمن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في واشنطن والدوحة.

من المهم توثيق هذه الأفكار لأنها ستكون جزءا من تأريخ الثورة السورية وكيف يمكن الكتابة عنها في المستقبل، والأهم من ذلك أن مستقبل سوريا لما ينته بعد وأن جزءا من التفكير في أخطاء الماضي قد يساعدنا على بناء مستقبل أفضل للجيل الجديد من السوريين الذي يطمح إلى أن يعيش في سوريا بعيدة عن الدكتاتورية وحقه في الكرامة والتعبير مصان ومضمون وله دور في كتابة مستقبله، من أجل سوريا الديمقراطية أقدم هذا الكتاب ... 


النقاش (0)
الأكثر قراءة اليوم