أفكار

انتقال معارضين لحضن السلطة.. تداعياته على المعارضة وجماهيرها

التحولات السياسية في مصر منذ ثورة 25 يناير 2011 حبلى بدروس التغيير  (الأناضول)
التحولات السياسية في مصر منذ ثورة 25 يناير 2011 حبلى بدروس التغيير (الأناضول)

بين الفينة والأخرى تُفجع جماهير المعارضة العربية بأداء شخصيات ورموز معارضة، عُرفت بصلابة مواقفها المعارضة للسياسات الحكومية، وكانت دوما تقف مع المطالب الشعبية وتدافع عنها، لكنها في غمرة الممارسة السياسية بإكراهاتها وضغوطاتها المعهودة فارقت مقاعد المعارضة وخنادق الجماهير واصطفت مع الحكومات والأنظمة طمعا في مكاسب المناصب ومغانمها، وهو ما يؤثر سلبا على المعارضة وجماهيرها بعد أن خذلتها تلك النخب.

ثمة وقائع وحالات متكررة في كثير من الدول العربية والإسلامية، لرموز وشخصيات معارضة، أمضت عقودا وسنوات من مسيرتها السياسية في صفوف المعارضة، وكانت تعبر بصفة دائمة عن معارضتها للسياسات الحكومية، لكنها بعد تلك السنوات من النضال تحولت إلى الدفاع عن سياسات الأنظمة والحكومات، وهو ما عرضها لانتقادات شديدة من قوى المعارضة وجماهيرها.  

النائب الأردني، عمر العياصرة، إعلامي معروف، له مشاركات إعلامية على قنوات فضائية محلية كاليرموك، وعربية كالجزيرة وغير ذلك، وله حضوره في صفوف المعارضة وفعالياتها، لكنه بعد فوزه بعضوية مجلس النواب التاسع عشر (الحالي) بدت عليه تحولات في آرائه ومواقفه باتجاه الدفاع عن السياسات الحكومية، وفق منتقديه، والتي ظهرت بشكل واضح في موقفه من التعديلات الدستورية التي أقرها المجلس قبل أيام. 

 

                            عمر العياصرة.. برلماني أردني

موقف العياصرة المدافع عن التعديلات الدستورية عرضه لانتقادات قاسية من أبناء عشيرته وقواعده الانتخابية، رأت فيه أنه خذلها، وباع نفسه للحكومة، ما دفعه للدفاع عن نفسه عبر تصريحات صحفية بقوله "لم أتغير، لكن أنا أشخص الواقع، ونحن بحاجة إلى إصلاح، ولا أبيع نفسي للحكومة، أنا صوتت أن لا يصبح النائب وزيرا، ولم أتغير، لا تَجرمونا جَرم.. ما قلته ما زلت أؤمن به.. لا تطلب من الدولة التقليدية كل شيء، اقتسام السلطة أحسن من الوضع القائم". 

 



الكاتب والمحلل السياسي المصري، جمال سلطان قرأ حالات انتقال معارضين من صفوف المعارضة إلى أحضان السلطة باعتبارها "حالات قليلة، ونماذج محدودة في الدول العربية، لكنها ليست ظاهرة تشكل خطرا محدقا بالمعارضات السياسية في المنطقة". 

وأرجع حالة انتقال معارضين من صفوف المعارضة إلى الدفاع عن الأنظمة إلى سببين "أولهما: حالة الضعف التي تعتري النفس الإنسانية، وهذا أمر وارد بعد طول المعاناة، والصبر على مشاق طريق المعارضة وتبعاته، وربما شعر المعارض أن العمر يُسرق منه، وهو يسير في طريق مسدود، ولا يرى ضوءا في نهاية النفق، ما يسبب له ضعفا واستسلاما أمام جبروت السلطة وجزرتها أيضا". 

وأضاف سلطان في حديثه لـ"عربي21": "والسبب الثاني يتمثل في الانقسام الشديد في صفوف المعارضات العربية، وأحيانا نجد أن بعض المعارضين أشد على معارضين آخرين مختلفين معهم سياسيا أو أيديولوجيا من النظام نفسه، وهو ما لاحظته في الحالة المصرية، التي تصيب كثيرا من النخب في المعارضة بإحباط شديد جدا، بسبب التقريع بصفة مستمرة، والتهجم القاسي بشكل دائم، وعدم الإشادة بالإنجازات والإيجابيات، ما يدفع بعض المعارضين لاختيار الانحياز للسلطة، بوصفها أقل سوءا من هكذا معارضة".

 

                           جمال سلطان.. كاتب وباحث مصري
 
وعن تقليل الآثار السلبية الناتجة عن انتقال معارضين إلى الأنظمة السياسية في أوساط المعارضة وقواعدها الجماهيرية، رأى سلطان أن ذلك يكون بـ"فتح أبواب الأمل أمام كل الطاقات التي تعمل من أجل الإصلاح والتغيير، وضرورة تفهم المعارضة على اختلاف اتجاهاتها السياسية والأيديولوجية أن التطابق التام بين قوى المعارضة وأطيافها المختلفة لن يوجد، مع اختلافاتها الفكرية والسياسية، والمطلوب هو البحث عن القواسم المشتركة للعمل من خلالها، كترسيخ قيم العدالة والحرية والتعددية، وحقوق الإنسان، وتداول السلطة.. وما إلى ذلك". 

وتابع: "كذلك لا بد للمعارضات من وقف التلاوم فيما بينها، والكف عن التراشق بالاتهامات الجارحة، والابتعاد عن التحقير والتشهير، فكل المعارضات تعيش معاناة حقيقية، وهي تمر بمحنة قاسية، وتواجه سلطات متجبرة وطاغية، وتستقوي بمنظومة دولية تدعم هذه الديكتاتوريات وتغطي على جرائمها، فلا بد من البحث عن القواسم المشتركة، والبعد عن التلاوم والتجريح والتشهير". 

على صعيد متصل فإن انتقال رموز وشخصيات معارضة إلى أحضان السلطة، غالبا ما يشغل أذهان ووجدان المشتغلين بالعمل السياسي، وهي تشكل هاجسا مقلقا لهم في كل حين، في هذا الإطار كتب القيادي الإسلامي الأردني، وأمين عام حزب الشراكة والإنقاذ، سالم الفلاحات منشورا وجهه "إلى النفوس التي تملقها السلطان فما لانت، واشتد عليها البطش والتشوية فما وهنت وما ضعفت". 

 

 

                            سالم الفلاحات.. قيادي إسلامي أردني


وتابع في منشوره عبر صفحته على الفيسبوك: "ورضيت من حطام الدنيا الزائلة بالقليل الكافي، وعاشت كريمة رافعة الرأس لم تستطع الشهوات أن تحني هاماتها وستبقى وفية لوطنها وشعبها لا تشغلها الترهات، ولا تلهيها بنيات الطريق الفرعية التفصيلية.. أنتم بقية الوطنيين ما عنيت.. والله غالب على أمره".

بدوره رأى الباحث المغربي المتخصص في العلوم السياسية، الدكتور خالد العسري أنه "ليس هناك أقوى في دعم السلطويات أو الديكتاتوريات من تحول من كان في جبهة المعارضة إلى صف الدفاع عن سياسات النظام السياسي، ولا يمكن تفسير كل التحولات التي تقع في صف هؤلاء بتفسير واحد، يرتكز على الرغبة في ثروة السلطة، أو الرهبة من بطشها رغم حصول نفس المخرجات، مع أنه يظل أقوى الفرضيات وليست كلها". 

وأردف: "ومن الملاحظ أنه يغلب على خطاب المثقفين تسويقهم لأنفسهم باعتبارهم دعاة لكل ما هو جميل: فهم الأنصار للمظلومين، والداعمون للقيم، والمطالبون بالحرية.. لكن التحولات المجتمعية المفصلية تسقط الكثير من الأقنعة، وتبدو وجوه مثقفين عارية وهم يبررون دموية السلطة، أو تحالفات أحزابهم اللاأخلاقية، أو يسعون لكسب امتيازات أثناء الفوضى الانتقالية، أو يقتنعون بتواضع قدرهم فيركنون إلى هامش الفرجة، ليصبح المثقف تابعا مفعولا به، وقد كان يدعي غير ذلك". 

 

                                خالد العسري.. جامعي مغربي

وإجابة عن سؤال "عربي21" عن أسباب ذلك الانتقال والتحول، قال العسري: "يسقط كثير من المثقفين في امتحان المصداقية، وهم يشرئبون إلى مواقع السلطة، أو تعميهم الأيديولوجيا فيتحالفون حتى مع الشيطان ضد خصمهم السياسي، أو يقفون في المزاد، فيحولون البندقية من كتف إلى أخرى مع تحولات المانحين".
 
وأضاف: "كما أن الابتلاءات المجتمعية في مواجهة السلطة الغاشمة لا تنتظر من المثقف، ولا من النخبة حدة وعي فقط، بل الشرط الآخر الضروري هو أن يكون شجاعا، كما قال محمد عابد الجابري مبكرا، ومعنى ذلك أن الإرادة إذا كانت رخوة فإن الوعي يتحول إلى نقيض ما كان يدعو إليه". 

وعن مخاطر تحول معارضين إلى أحضان السلطة، لفت الباحث المغربي العسري إلى أن "تحول معارضين من موقع مقاومة الظلم إلى مسالمة الظالمين، والدعاية لهم، يشكل أفضل وسيلة إيضاح ودعاية في أيدي السلطوية أو الديكتاتورية، والتي تستغل نهاياتهم لتقنع الجميع بقولها "ها هي رموزكم النضالية قد سقطت تحت قدمي، فلا تغتروا بأقاويل خصومي لأنه عما قليل يصبحون تبعا لي وسوطا عليكم"". 

وعن كيفية التعامل مع تلك النماذج، لتقليل آثارها السلبية والمحبطة في أوساط المعارضة وجماهيرها، أشار إلى أن "الجماهير تستبطن في وعيها الجمعي معرفة الرجال بالحق لا العكس، لذلك ينتظر الجمهور في اللحظات المجتمعية الحرجة والحاسمة من رموز المعارضة الموقف الواضح غير القابل للتسويف، وفي تلك اللحظات المفصلية يقع ابتلاء مصداقية رموز المعارضة لتثبت صحة انتماءاتها لنبض الشعوب أو كونها متاجرة بمآسيهم".

ونبه في ختام حديثه على أهمية وضرورة مناقشة المعارضات العربية وبحثها للسؤال الجوهري في هذا السياق، ألا وهو كيف نحمي الجمهور من حربائية مثل هذه النماذج؟ بل، كيف تؤهل النخب نفسها لكي لا تسقط مثل هذا السقوط، ولكي تظل جسرا من جسور العبور من التحرر إلى الحرية في لحظات التاريخ المفصلية؟ وهو ما يتطلب إعداد نخب المعارضة إعدادا نفسيا وتربويا وفكريا وسياسيا بما يقيها من الانزلاق إلى إغراءات السلطة، والتعامل معها بروح المغانم.   


النقاش (0)