مدونات

الإيمان قبل القرآن

مصطفى محمد أبو السعود
مصطفى محمد أبو السعود
القرآنُ الكريم كتابٌ عظيمٌ وغنيٌ عن التعريف وفضائله لا يتسع لها مقام أو مقال، فهي كما قال رسولنا الكريم "لا تنقضي عجائبه".

تحت عنوان مقالي هذا، شاركت بورقة عمل في يوم دراسي بعنوان: "مراكز تحفيظ القرآن الكريم بين الواقع والمأمول"، نظمه الملتقي القرآني بالتعاون مع المنتدى التربوي برفح وجهات أُخرى، قُدمتَ فيه أوراق عمل منوعة في ذات السياق؛ ولأني كنت مريضاً قدمها عني صديقي الدكتور علي أبو غالي مشكوراً.

ولأن زكاة العلم نشره فيسعدني أن أخبركم بما أوردته في ورقتي، فمما تعودنا عليه أن الايمان هو أركان الإيمان المعروفة، والذي من مقتضياته الإيمان بالكتب المرسلة من الله عزوجل لرسله، وهذا شيء جميل، لكن للصحابة كان لهم رأي آخر كما جاء على لسان سيدنا عمر بن الخطاب: "كنا نحفظ العشر آيات فلا ننتقل إلى ما بعدها حتى نعمل بهن".

فالمقصود بالإيمان عند الصحابة وفق رؤية سيدنا عمر رضى الله عنه، هو تربية النفس بشكلٍ تدريجيٍ على الالتزام بما وصلها من أوامر ونواهٍ، والذي يأتي من خلال الآيات القرآنية، مع إتمام إتقان الفعل قبل الانتقال لمرحلة أخرى.

أما نظرتهم للقرآن فلم يكن غايتهم حفظه بقدر ما حرصوا على فهمه وتأمله وتطبيقه، ولم يتسابقوا على حفظه بل على تطبيقه.

ولقد كتبتُ ذات يوم مقالاً بعنوان "حفظ القرآن بين الغاية والوسيلة" تطرقتُ فيه إلى أن الله عز وجل لا يعاقب المسلم لأنه لم يحفظ القرآن؛ بقدر ما سيعاقبه إن لم يعمل بما حفظه من القرآن، باعتبار أن الحافظ أصبح أكثر علماً بأوامر ونواهي الله عز وجل، وحفظه مع عدم تنفيذه لا يعفيه من الحساب، وإلا ما فائدة أن يحفظ الإنسان الآيات التي تدعو للتعاون والجهاد والبر والولاء والبراء، ثم لا يطبقها عملياً؟

وإسقاطاً لفكرة "الإيمان قبل القرآن" على الواقع، فلو تجولنا في العالم العربي والإسلامي سنجد أن سبب التيه هو وجود فوارق كبيرة بين ما جاء في القرآن وبين ما ننفذه، وهذا يخلق حيرة عند الكافر الذي يرغب بدخول الإسلام.

وخلال اليوم الدراسي استمعت بعناية للأوراق المقدمة، ومما أعجبني ما تطرق له الدكتور نافذ الجعب في ورقته لتقييم مراكز تحفيظ القرآن، فذكر أن اقبال الطالبات أكثر من الطلاب، وأن أبرز مؤسسة تعمل في مجال تحفيظ القرآن هي دار القرآن الكريم والسنة، وأن العمل الأهلي أكثر من الحكومي حيث احتلت وزارة الأوقاف المرتبة قبل الأخيرة.

وعن العقبات ذكر كثرة الحلقات في المسجد الواحد، والفروق الفردية بين الطلبة في الحلقة الواحدة، وكثرة عدد الطلبة في الحلقة الواحدة، وضعف المحفظين، وعدم وجود برامج تأهيلية للمحفظين، وضعف التمويل والانفاق على مراكز التحفيظ والمحفظين وانشغال الطلبة بأمور أخرى، وطالب بتبني مشروع التربية القرآنية القائم على خمسة أركان: التربية الايمانية، والتلاوة الحقة، والتدبر والتأثر، والتطبيق العملي، والدعوة إلى القرآن.

يبقى القول واجباً بأن الإيمان أكبر من أن نؤمن بأركانه المعروفة، بل هو تطبيق عملي لما يحبه الله ورسوله، والابتعاد عما نهى عنه الله ورسوله.
النقاش (0)