فلسطين الأرض والهوية

سلمى الخضراء الجيوسي.. أطلقت الشعر الفلسطيني إلى العالمية

سلمى الخضراء تنوعت أعمالها بين الشعر والترجمة والأدب والأبحاث في رسم الهوية الفلسطينية
سلمى الخضراء تنوعت أعمالها بين الشعر والترجمة والأدب والأبحاث في رسم الهوية الفلسطينية

قليلة هي الأسماء النسائية في الأدب والشعر الفلسطيني، ولكن التميز بينهنّ ذات جودة ونوعية، وذلك للمصاعب التي يواجهنها لتظهر أسماؤهن للملأ، فلا يصعد منهن إلا ذوات الكفاح والنضال من أجل رسالتهن. وإذا كان الشعر الفلسطيني قد توّج فدوى طوقان، فإن الأدب والترجمة توَّجتا سلمى الخضراء الجيوسي.

صحيح أنها ابنة المدينة، وصحيح أنها متعددة اللغات، ومتخصصة بالموسوعات والترجمات، إلا أنها كانت سبّاقة لعصرها في الشعر الفلسطيني، أكاديمية ميدانية لا تتوانى عن السفر من أجل إنتاجها الإبداعي.


عندما كتبتُ عن الشاعر الراحل خالد أبو خالد، قرأت في بعض مقابلاته أنه لم يسبقه أحد في إدخال التراث الغنائي الفلسطيني من فولكلور القرية إلى الشعر الفصيح.. إلا سلمى الخضراء الجيوسي. وهي التي كانت من أوائل الذين كتبوا القصيدة النثرية، لكنها توقفت عن الشعر لمصلحة الأبحاث والتعليم والترجمة..

كتبت الشعر الحديث وكتبت عنه، وحاولت استخراج الشعر الفلسطيني الرومانسي العامودي (مع مطلق عبد الخالق) أو الشعر الرومانسي الحديث (مع فدوى طوقان) أو الفلسفي الحديث (مع توفيق صايغ) في ظل غلبة الشعر السياسي والوطني الفلسطيني، وكانت متسامحة مع القصيدة النثرية: "إصدار الأحكام المطلقة في الفنّ مسألة بالغة الخطورة، ولكننا نعرف أنّ أية ثورة كفيلة بدفع أبطالها إلى الحدود القصوى. أوزان الشعر ليست مسألة سهلة وفي متناول الجميع، والعديد من أصحاب الهوى الشعري لا يفلحون في امتلاكها والتمكن منها. ولكن، في المقابل، لا ينبغي لأيّ شيء أن يمنعهم من التعبير عن أنفسهم في الوسيط الوحيد المتبقي لديهم: النثر. ومن المُفقر لأيّ فنّ أن يحصر فضاء تعبيره".

 



بغضّ النظر عن رأيي المتشدد بخصوص قصيدة النثر (بأنها نَصّ وليس قصيدة)، إلا أن رأيها كان له وزن استشهد به عدد من الشعراء الذين تركوا الأوزان والقوافي.

أسَّستْ مشروع "بروتا" PROTA للقيام بترجمة أفضل الأعمال الأدبية العربية إلى اللغة الإنجليزية. واستطاعت إنجاز "موسوعة الأدب الفلسطيني المعاصر" باللغة الإنجليزية، التي قال عنها إدوارد سعيد "يعتبر هذا السِّفر الكبير الذي جرى تحريره وترجمته وإعداد أبحاثه بصورة جيدة تجسيداً حياً لثقافة أمة يجري تقديمها لأول مرة باللغة الإنجليزية، وذلك بفضل الجهود الحثيثة التي قامت بها سلمى الخضراء الجيوسي.. التي تعتبر واحدة من أفضل الباحثات العربيات الفلسطينيات إلى جانب كونها شاعرة، (قامت) بإعداد هذه الأنطولوجيا فجاءت شاملة ودقيقة.. وتضع المساهمة الفلسطينية في الحضارة العالمية في مركز الصدارة".

ويكفي أن نقرأ إهداءها في مطلع الكتاب، لندرك مدى استشعارها للانتماء والهوية، فقالت: "أهدي هذه الموسوعة إلى الأجيال الصاعدة من الفلسطينيين في كل مكان، فهم يمثلون روح شعبنا التي لا تموت، مع تنويه خاص بالشهيد الفتى ياسر أبو غوش (1972 ـ 1989) الذي عبّر بشجاعته عن الروح البطولية في الانتفاضة".

فمن هي سلمى الخضراء الجيوسي؟

أديبة وشاعرة وناقدة ومترجمة أكاديمية فلسطينية. ولدت عام 1928 من أب فلسطيني (صبحي الخضرا) وأم لبنانية في صفد الفلسطينية. ترعرعت في طفولتها وشبابها المبكر في مدينة عكا وفي القدس. نشأت في فلسطين، بعد نكبة 48 عاشت في الأردن. درست الثانوية في كلية شميت الألمانية بالقدس، ثم درست الأدبين العربي والإنجليزي في الجامعة الأمريكية في بيروت وحصلت على درجة الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة لندن.
 
بعد تخرجها من لندن عام 1970 متخصصة بالأدب العربي درّست في العديد من الجامعات العربية والأجنبية (مثل الخرطوم، الجزائر، قسنطينة، يوتا في الولايات المتحدة الأمريكية، ثم في جامعة مشيغان، واشنطن، تكساس). سافرت مع زوجها الدبلوماسي إلى عدد من البلدان العربية والأوروبية، وأسست مشروع "بروتا" عام 1980 لترجمة ونقل الثقافة العربية إلى العالم الأنجلوسكسوني.

أنتجت "بروتا" الموسوعات والكتب في الحضارة العربية الإسلامية، وروايات ومسرحيات وسيراً شعبية وغيرها. 

تنوعت أعمالها بين الشعر والترجمة والأدب والأبحاث، فأصدرت عام 1960 مجموعتها الشعرية الوحيدة "العودة من النبع الحالم".

ترجمت كتاب لويز دوغان "إنجازات الشعر الأمريكي في نصف قرن" عام 1960، وكتاب رالف بارتون باري "إنسانية الإنسان" عام 1961، وكتاب آرشيبالد ماكليس "الشعر والتجربة" عام 1962.

في التأليف، كتبت "الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث" جزأين عام 1977. و"أدب الجزيرة العربية" عام 1988. و"الأدب الفلسطيني المعاصر"عام 1992. و"المسرح العربي الحديث" (بالاشتراك مع روجر آلن)، 1995. "القصة العربية الحديثة"، عن 104 قاصاً.

إلى جانب الموسوعات الأدبية حررت سلمى كتاب "تراث إسبانيا المسلمة" وهو مجموعه من ثمان وأربعين دراسة متخصصة عن جميع مناحي الحضارة الإسلامية في الأندلس وصدر عام 1992.

 



حصلت الجيوسي على عدد من الزمالات من الجامعات الأمريكية، وعلى العديد من الجوائز، منها:
 
وسام القدس للإنجاز الأدبي 1990. وسام اتحاد المرأة الفلسطينية الأمريكية للخدمة الوطنية المتفوقة عام 1991. جائزه جمعيه الخريجين العرب الأمريكيين عام 1996. وسام القدس عام 1990. وسام المجلس الوطني للثقافة (الكويت) عام 2002. شخصية العام 2020 الثقافية "جائزة الشيخ زايد للكتاب". جائزة الإنجاز الثقافي والعلمي، لمؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية 2007.

ما زالت الأديبة سلمى الخضراء الجيوسي تتابع نشاطها بهدوء في عمرها الذي ناهز 95 سنة، وما زالت كتبها تُدرّس في الجامعات الغربية.


مقطع من قصيدة "ما وراء الحـدود؟":

أَعبرنا الحدود؟
قد عبرنا. أيعلم عشاقنا
كم صلاة تلونا؟ 
وكيف استطالت إلى الضوء أشواقُنا؟
كم هدمنا على دربنا من سدود؟
نحن جُزنا الحدودَ إلى عالمٍ
لا ينام به العاشقون
وعبرنا السياجات من نبعنا الحالم
حيث كان هوانا الرضا والسكون
ودخلنا إلى منبع النار.
ماتت براءة أحلامنا،
واستبدَّ بنا الساهرون.
يا اتقاد الهجير
نحن في رحلة الشوق جُزنا إليك المحالْ
عابرين على عالم غسقيٍّ غريرْ
فيه حتى الطحالب ترمي الظلال الطوالْ
آه ماذا وجدنا وراء الحدودْ؟
 
قصيدة "هــل جاءتك أخباري؟"

تغوص سفينتي في البحر، تغرقُ لا أنجّيها
صقيع الليل، ياويلي، يكدِّس ثلجه فيها
فلا تقرب
أنا الموت الذي يغشى
ذرى الأعماق، لا تقرب
أنا الموت الذي تخشى،
أنا الحزن القديم، أنا ارتعاش الخوف والعارِ،
أما جاءتك أخباري؟

صقيع الليل مدَّ جذوره عندي،
وعشّش في شِغاف القلب،
من ينجيك من بردي؟
أحبك؟ أمس أحببنا،
تقاسمنا جنون الدفء، غامرنا وأخصبنا،
ولما هاجت الأنواء، كنت أمامها وحدي.

*كاتب وشاعر فلسطيني


النقاش (0)
الأكثر قراءة اليوم