أفكار

كيف دافع صلاح الخالدي عن أفكار سيد قطب الإشكالية؟

آراء سيد قطب وصلاح الخالدي وأطروحاتهما الفكرية في الميزان..
آراء سيد قطب وصلاح الخالدي وأطروحاتهما الفكرية في الميزان..

هاجم بعض المحسوبين على تيارات سلفية معروفة الدكتور صلاح الخالدي، العالم الأردني المتخصص في تفسير القرآن وعلومه، وذلك بعد وفاته قبل أسابيع، ومن اللافت أنهم لم يجدوا ما يهاجموه به إلا دفاعه عن سيد قطب، ودعوته إلى توجيه كلامه الإشكالي، بحمله على محامل مقبولة. 

تخصص الخالدي في تراث سيد قطب منذ بواكير طلبه للعلم الشرعي، فكانت رسالته التي تقدم بها لنيل درجة الماجستير من جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض سنة 1980، بعنوان "سيد قطب والتصوير الفني في القرآن"، ثم حصل على درجة الدكتوراه من الجامعة نفسها سنة 1984، وكان عنوان رسالته "في ظلال القرآن.. دراسة وتقويم". 

ومن المعروف عن الخالدي محبته الشديدة لسيد قطب، وهو من الداعين إلى قراءة إنتاجه الفكري والديني بأناة وموضوعية وإنصاف، وهذا ما صبغ مجمل كتاباته وأبحاثه عن سيد قطب، مع تشديده على أن بعض كلامه حُمّل أكثر مما يحتمل، ووظفته تيارات واتجاهات دينية بصورة مجتزأة، أخرجته عن سياقاته التي ورد فيها، لنصرة آرائها المتشددة في التكفير والعنف. 

ناقش الخالدي في توجيهه لكلام سيد قطب الذي أطلق فيه أوصاف الجاهلية والتكفير بتوضيح وبيان مراد قطب من إطلاقه تلك الأوصاف، فيرى "الخالدي ـ رحمه الله ـ أن مجتمعات المسلمين اليوم في نظر سيد قطب ـ رحمه الله ـ مجتمعات جاهلية، باعتبار الأنظمة والمناهج والأخلاق والآداب والأعراف والتقاليد التي تسودها، وليس معنى ذلك أن أفرادها كُفاَّر، بل على العكس فغالبية هذه المجتمعات مسلمون" وفق ابنه الدكتور حذيفة صلاح الخالدي، المتخصص هو الآخر في التفسير وعلوم القرآن. 

وأضاف: "فسيد قطب أراد وصف الحالة العامة التي تعيشها هذه المجتمعات في ظل تعطيل الحكم بما أنزل الله، وعدم الالتزام الكامل بشرع الله.. وقد استعمل قطب مصطلح (الجاهلية) بكثرة في كتاباته، ولم يكن يريد به معنى الكفر والتكفير دائما، كما قال: "نحن نعيش في جاهلية مجتمع، وجاهلية تشريع، وجاهلية أخلاق، وجاهلية تقاليد، وجاهلية نُظم، وجاهلية آداب، وجاهلية ثقافة كذلك" (الظلال 6/3619). 

 

                      حذيفة الخالدي.. متخصص في علوم القرآن

ولفت حذيفة الخالدي إلى أن "استعمال وصف (الجاهلية) جاء في بعض النصوص من غير أن يحمل على معنى الكفر، كما في قول النبي صلى الله عليه لأبي ذر: "إنك امرؤً فيك جاهلية"، فلا إشكال إذن في إطلاق صفة (الجاهلية) على مجتمعات المسلمين الحالية"، منبها على أن "الذين اتهموا سيد قطب بتكفير عموم المسلمين نسبوا له معاني لم تصدر عنه، وتعسَّفوا في تحميل كلامه ما لا يحتمل". 

وردا على سؤال "عربي21" حول رأي والده مما قيل أن سيد قطب هو المؤسس للفكر العنفي، قال حذيفة الخالدي "يصف الدكتور الخالدي الأستاذ سيد قطب بأنه ثوري وهجومي وحاد، ويرى أن هذه صفات لا تعدو أسلوبه الكتابي، وليست صفات في تعامله الدعوي أو الميداني مع المخالفين، فقد كان يسير في دعوته على خطى الأستاذ حسن البنا، رحمه الله". 

ونقل حذيفه عن قطب ما قاله في حق البنا "قرأت جميع رسائل الإمام الشهيد، ووقفت على سيرته النقية وأهدافه الحقَّة، وعلمت لماذا يُحارب ولماذا قُتل، وعاهدت الله على أن أحمل الأمانة من بعده، وأواصل المسير على نفس الطريق الذي لقي الله عليه [مجلة المجتمع عدد 115، ص:11].

وأرجع حذيفة الخالدي "نسبة العنف لسيد قطب كما يراه والده، إلى ظهور ما يُعرف بجماعة (التكفير والهجرة) في مصر، حيث قرأوا كتابات سيد قطب عن الجاهلية والمجتمع المعاصر وغياب الحاكمية، وقطعوها عن سياقها، وحمَّلوها ما لاتحتمل، واتكأوا عليها في تكفير المسلمين والخروج عليهم، واستخلصوا منها فهما خاصا بهم، نسبوه لسيد قطب ظلما وزورا" مستشهدا بقول الشاعر: 

وكم من عائب قولا صحيحا     ***        وآفته من الفهم السقيم

وفي ذات الإطار قال القيادي بجماعة الإخوان المسلمين في الأردن، عبد الرحمن الدويري "مما لا شك فيه أن الدكتور صلاح الخالدي، ومنذ بواكير سعيه في التحصيل العلمي والمعرفي الشرعي، أولى الإنتاج الفكري لسيد قطب اهتماما كبيرا، فكان من أكثر المتحمسين له، والمدافعين عنه، فقد آمن به إيمانا شديدا، وأعلى من شأنه باعتباره مفكرا ومجددا في الفهم والفكر، فأقدم على تأليف قرابة سبعة كتب عن سيد، حياته ومنهجه الأدبي والفكري والقرآني". 

 

 

                            عبد الرحمن الدويري.. قيادي في إخوان الأردن


وتلك الكتب، حسب الدويري هي "سيد قطب الشهيد الحي/ سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد/ نظرية التصوير الفني في القرآن عند سيد قطب/ سيد قطب: الأديب الناقد والداعية المجاهد/ والمفكر المفسر الرائد/ المدخل إلى ظلال القرآن، في ظلال القرآن في الميزان، الحرب الأمريكية بمنظار سيد قطب وغيرها..".

ولفت إلى أن الخالدي "كان يعد سيدا أبعد مايكون عن التطرف والتشدد في فكره، وأنه بطبعه إنسان بالغ الرقة، شفيف الروح، يجد المدقق هذا في أكثر كتبه ومؤلفاته وخواطره، وهو يعيش في أقسى الظروف، تحت الأذى والتعذيب والظلم، كما تلمسه في مقدمته في تفسير الظلال، وفي آخر ما كتبه في رسالة أفراح الروح قبيل إعدامه". 

ووصف الدويري الخالدي بأنه "كان موضوعيا في كل ما تناوله في الخصومة حول سيد ومناوئيه ومزاعمهم، وأجمل أهم الأخطاء التي وقع بها المهاجمون لسيد، وجعلتهم يقعون في أخطاء فادحة في حكمهم عليه وعلى أفكاره، خاصة في ظلال القرآن في عدة نقاط، من أبرزها: النظر إلى الظلال بمنظار أسود لالتقاط الأخطاء، أو تسجيل العيوب والمآخذ، التي لا ننكر وجودها، لكننا ننكر أن يكون البحث عنها هدفا".

وتابع ذكره لتلك الأخطاء لـ"عربي21" بالقول "وثانيها: سوء تصنيفهم للأخطاء بجعلها كلها بدرجة واحدة، ولا يفرقون بين خطأ المنهج، وخطأ الجزئيات، وثالثها: محاكمة الظلال وصاحبه استنادا إلى صورة معينة في ذهن الباحث، أو مذهب فقهي أو كلامي معين، ورابعها: عدم جمع كلام سيد المتفرق في الظلال حول الموضوع الواحد..". 

من جهته أوضح الباحث في التفسير وعلوم القرآن، محمد السيلاوي أن "الدكتور صلاح الخالدي انطلق في قراءته لكلام سيد الذي أثيرت حوله إشكالات من فهم السياقات التي وردت فيها تلك العبارات التي أوقعت بعض الباحثين في استشكالها، وفهمها على غير مقصدها الذي أراده صاحبها".

 

                       محمد السيلاوي.. باحث في علوم القرآن

وأردف "ويتضح توجيه الدكتور الخالدي لكلام سيد من خلال النقاط التالية: جمع العبارات المتفرقة من كلام سيد.. وهو ما يؤكده الخالدي في كثير من كتبه ومقالاته وأحاديثه من أن مصطلح الجاهلية عند سيد قطب له معنى محدد عنده، وله دلالة واضحة، وهو وصف ينطبق على حالة قائمة، وقد كرره في كتابيه (الظلال) و(المعالم) وهو ما أوقع بعض الباحثين في استشكال عباراته، وسبب ذلك كما أشار إليه الدكتور الخالدي أنهم لم يجمعوا كلام سيد المتفرق في الظلال والمعالم حول الموضوع الواحد، مما جعلهم يفهمون كلامه خطأً، وينسبون إليه رأيا لم يرده، فأصدروا أحكامهم باتهامهم له بوصم المجتمع المسلم بالجاهلي، ومن ثم تكفير المسلمين..". 

وتابع السيلاوي في حواره مع "عربي21": "وللرد على هذه الشبهة التي أثيرت حول وصف سيد قطب للمجتمع المسلم بالجاهلي، أكدّ الدكتور الخالدي في كتاباته أن المقصود بالمجتمع الجاهلي في عبارات قطب ـ بعد التأمل والتعمق في أقواله ـ هو غير الإسلامي، وإذا كان المجتمع الإسلامي هو الملتزم بالإسلام التزاما كاملا في كل نواحي الحياة، فإن المجتمع الجاهلي هو ما لم يكن كذلك، وإنما يقوم على مناهج غير إسلامية، وتنتشر فيه المظاهر غير الإسلامية، وقد يكون المجتمع الجاهلي كافرا كالمجتمعات الغربية، وقد يكون غير كافر، وإنما تجاوزت فيه الطاعات المعاصي، مثل مجتمعاتنا في العالمين العربي والإسلامي".
 
ونبه إلى أن "الخالدي يرى أن قطب يعتقد أن التصورات والمناهج والقيم والموازين، والعادات والتقاليد.. إذا خضعت لغير سلطان الله استمداداً واعتقاداً وسلوكا .. فهذا الفعل يستوجب وصم الجاهلية، وهذا كلام سديد وسليم يتفق مع منهج القرآن وفهم العلماء الأثبات فالمجتمع المسلم إنما يستمد جميع تصوراته من منهج القرآن، قال تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون} [المائدة:50]، فالمجتمع المسلم هو الذي يُحكم في كل جوانبه الفردية والعامة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية بشريعة الله ومنهجه..". 

ولفت السيلاوي، أحد تلاميذ الدكتور الخالدي إلى أن "الشيخ بعد استعراضه لمعنى الجاهلية في اللغة والقرآن والحديث، خلص إلى القول بأن الجاهلية لا تستلزم الكفر، فقد تكون كفرا كجاهلية الكفار، وقد تكون جاهلية معصية ومخالفة، وجاهلية الخطأ الذي يحتاج إلى تصحيح وتصويب، وهي الجاهلية التي يقع فيها مسلمون عصاة أو مخطئون". 

وأشار في ختام حديثه إلى أن "الدكتور الخالدي يرى في حديث قطب عن الكفر والشرك، وفي سياق دفاعه عن التهم التي أثيرت حول قطب، كتهمة تكفير المسلمين، والدعوة إلى العنف ضد الأنظمة أنه لا يخرج عما قرره أهل السنة والجماعة، فهو يسير في ركابهم ويتفق مع أقوالهم، وكل ما قاله ينبغي أن يفهم في سياق ذلك.. ومن الظلم أن نحمله رأيا لم يقله، خاصة إذا كان يسيء إليه، كما أن قطب نفسه نفى هذا الرأي عن نفسه أثناء التحقيق معه". 


النقاش (0)