أفكار

صراعات السنة والشيعة وقود لحروب إقليمية وتستنزف قدرات الأمة

باحثون وعلماء يناقشون واقع وآفاق الخلاف السني-الشيعي في العالم العربي- (عربي21)
باحثون وعلماء يناقشون واقع وآفاق الخلاف السني-الشيعي في العالم العربي- (عربي21)

جرت خلال العقود السابقة لقاءات عديدة بين بعض علماء السنة والشيعة تحت عنوان "التقريب" لتجسير الهوة بين الطرفين، لكنه أضحى في السنوات الأخيرة شعارا فارغا من أي مضمون، ولا يمكن إنجاز أي أمر ذي بال بالعمل تحته يعود بالنفع والفائدة على الطرفين وفق باحثين.

ولعل تنامي تلك القناعة هو ما دفع الأكاديمي الموريتاني، الدكتور محمد المختار الشنقيطي إلى نشر تغريدة عبر صفحته على تويتر جاء فيها: "لسنا بحاجة إلى تقريب بين السنة والشيعة، فالتقريب في أمر العقائد صنعة خاسرة.. إنما نحتاج الإنصاف، والاعتراف بحق الاختلاف". 

لكن تلك الخلافات العقائدية والمذهبية بين السنة والشيعة انتقلت في العقدين الأخيرين من حيز الخلاف الديني الفكري إلى ميادين القتال والمواجهات المسلحة، حينما تم توظيف العقائدية الدينية لصالح أجندات سياسية، كما يجري في المناطق الساخنة كاليمن وسوريا والعراق، وما يصاحبها من أعمال تفجيرية هنا وهناك، كالتفجير الأخير الذي وقع الجمعة الماضي في مسجد للشيعة في مدينة بيشاور، خلف 56 قتيلا، وأوقع 194 جريحا. 

توالي تلك الصراعات والمواجهات الدامية بكل تداعياتها ونتائجها المأساوية يحفز العقلاء من الطرفين لإعادة النظر في طبيعة العلاقة بينهما، فإذا كان "التقريب" إطارا استعراضيا غير منتج، كما يراه كثيرون، فإن نشر ثقافة التعايش، التي تقتضي الاعتراف بحق الاختلاف، وإنصاف كل طرف للآخر بات أمرا واجبا، لوقف الصراع الذي يستنزف قدرات الأمة، ويُذهب قوتها في مواجهات داخلية مدمرة. 

ووفقا للباحث اليمني، عضو هيئة علماء اليمن، عبد الله النهيدي فإن "الجماعات الراديكالية ـ غالبا ـ ما تكون وقودا لحروب غيرها، وهذا ما يمكن ملاحظته بأدنى نظر في الواقع المعاش اليوم، وعليه فحرب السنة والشيعة وقود لحروب دول ومشاريع إقليمية وعالمية". 

 

                            عبد الله النهيدي.. عضو هيئة علماء اليمن  

وأضاف: "لعل هذه المقدمة توضح أن الموضوع أكبر من مسألة اجتماع رموز دينية تقرر ما إذا كانت ستتفق أو ستختلف، وكل الشعارات التي ترفع هي للاستهلاك لا غير، فالحرب اليوم بين السنة والشيعة هي صراع بين الأمة والطائفة.. الأمة بكل ثقلها ومرتكزاتها تصارع طائفة تخدم أجندات لمشاريع سياسية توسعية، الاقتصاد هو المحفز الرئيس لها".

وواصل النهيدي حديثه لـ"عربي21" بالقول: "ولو حصل أدنى اجتماع أو اتفاق أو ضعف لمشروع من هذه المشاريع حتما ستختفي هذه الصراعات، لكن هناك من يتماشى مع هذه المشاريع خدمة لأطماعه التوسعية، بمعنى أنه لا يعيش إلا على الصراع لأنه بحجمه الطبيعي لا يمكن أن يحكم أو يسيطر، وهم الطائفة، وهناك من فرض عليه هذا الصراع وهم الأمة" على حد قوله. 

وتعليقا على دعوات التقريب بين السنة والشيعة، رأى النهيدي أن تلك "الدعوات حينما تأتي من طرف لاستغلالها في التوسع لصالح (الطائفة)، ومن الطرف الآخر إخمادا لبعض الحرائق (الأمة)، ولهذا ما أن تستغني الطائفة عن دعوات التقريب إلا وتفشل، وزد على ذلك أن من يرفع دعوات التقريب لا يملكون من أمر الصراع شيئا، فهم إما مستخدم كرموز الطائفة، أو ضعيف كبعض رموز الأمة". 

ولفت الانتباه إلى أن "كل دعوات التقريب تُصدم بواقع تعنت القيادات التي أذكت الصراع، فيظهر دعاة التقريب إما أنهم لا يملكون من أمرهم شيئا وهو الواقع، أو يظهرون كمخادعين وانتهازيين لخدمة مشروع توسع الطائفة، أي يؤدون دور الماكر المحتال". 

وأردف: "ولهذا اقتنع كل من دخل في مسألة التقريب بأنها حالة استهلاك ومضيعة للوقت، وكان لهم في السنوات الأخيرة موقف أشد مما كانوا عليه، بدءا بالشيخ محب الدين الخطيب، وليس انتهاء بالشيخ يوسف القرضاوي.. أما بالنسبة للتعايش بين الطرفين فلا يمكن أن يحصل ما لم تكن درجة الوعي عالية عند جمهور الأمة بشقيها الطائفة والأمة بأنهم وقود لصراعات السياسيين". 

من جهته قال الباحث السياسي العراقي، مجاهد الطائي: "هناك اختلافات عقائدية معروفة بين السنة والشيعة بقيت طوال قرون محلا للحوار والجدل، كما القطيعة والخصام والصراع، لكن الخطورة تكمن في تحول ذلك لأيديولوجيا أي محاولة طرف ما فرضها على الآخر مع الإقصاء والتهميش والاستهداف". 

 

                      مجاهد الطائي.. كاتب وباحث سياسي عراقي

وتابع: "وهذا ما جرى بعد 2003 في العراق من قبل تنظيم القاعدة وأذرعها، وفصائل بعثية يمكن تصنيفها كجماعات قومية وسنية تكفيرية متطرفة مقابل معظم القوى السياسية الشيعية وميليشياتها، وكان ذلك انطلاقا من معطيات مغلوطة، وحقائق مزيفة، وبناء عقد اجتماعي جديد ومشوه قائم على فكرة تغلب الشيعة على السنة، وتحميله كمكون كل جرائم وإخفاقات وإرث نظام البعث وتفسيرها بسياق طائفي، وليس سلطوي".

وردا على سؤال "عربي21" حول نشر ثقافة تقبل الاختلافات والتعايش معها، رأى الطائي أن "تلك الثقافة يمكن أن تسود في ظل سيادة القانون، وقوة مؤسسات الدولة، وبناء المشروع الوطني الجامع لكل المكونات، لكن ما فعلته معظم القوى السياسية الشيعية المسيطرة وبدفع إيراني هو تأجيج الصراع الطائفي، وإضعاف الدولة والمؤسسات، واحتقار القانون، وخرق الدستور لتحقيق مصالح داخلية حزبية وطائفية وإقليمية إيرانية". 

وأردف: "نشر ثقافة الاختلاف والتعايش السلمي مهمة، ويجب أن تقوم بها الدولة كجزء من منطومة متكاملة يُروج لها في المؤسسات التعليمية، ودور العبادة مع توفير بيئة آمنة للمجتمع وعقوبات رادعة وصارمة لمثيري الفتن والنعرات الطائفية والمذهبية". 

وواصل: "وهذا لا يمكن أن يحدث في العراق في ظل ضعف الدولة، وتنفيذ القوانين على الضعفاء فقط مع سطوة لوبيات الفساد السياسي والإداري، واستمرار المشاريع الطائفية المحمية من قبل السلطة والأجهزة الأمنية، والزعامات السياسية التي أوجدت هذه الصراعات لتعتاش عليها، وترسخ من خلالها أمراضها وأحقادها المذهبية، وتنقلها للقاع الاجتماعي". 

بدوره وصف الأكاديمي الفلسطيني والباحث في الدراسات العربية والإسلامية، مالك عبد المجيد الجيلاني مشاريع التقريب بين السنة والشيعة بـ"الفاشلة، فهما بمثابة خطين مستقيمين متوازيين لا يلتقيان، والتعايش مع الاختلافات هو الذي ينبغي أن يكون ويسود".

 

                       مالك عبد المجيد الجيلاني.. أكاديمي فلسطيني

وأضاف: "فإذا كان يمكن التعايش مع النصراني والهندوسي والبوذي في بلاد العرب، وفي الخليج بل وحتى مع اليهودي.. فإذا كان التعايش مع جميع هؤلاء ممكنا، فهو مع المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله أمكن، مهما كان موقفهم العقدي والديني منهم، وإذا كان التعايش مع أصحاب الملل الأخرى (الكافر الأصلي) ممكنا، فليكن كذلك مع الكافر المرتد بنظرنا أو نظر بعضنا، والعكس صحيح" وفق تعبيره.  

وشدد الباحث الفلسطيني، الجيلاني في حواره مع "عربي21" على أهمية "التعايش السلمي، فهو مطلوب ومرغوب، بل هو حاجة العصر، لينعم الناس بالهدوء، وليحلوا مشاكلهم بالروية، وليعملوا على عمارة الأرض وعلى رفاهية الشعوب بكل أريحية، وليعبدوا رب البيت الذي خلقهم لعبادته، وبغير ذلك فلن نرى حلا في الوقت القريب ولا المتوسط ولا البعيد". 

ومن أجل تحقيق ذلك دعا الجيلاني إلى "تجديد الخطاب نحو المجتمع الإسلامي المتوحد والمتعايش بكافة مكوناته ومواطنيه بغض النظر عن مذاهبهم وأديانهم، مع أهمية تضافر جميع الجهود في هذا السبيل، لا أن يبني واحد ويهدم عشرون". 

وختم حديثه واصفا ما يجري اليوم "بأنه أقرب ما يكون إلى مفهوم الفتنة، بل هو الفتنة التي أشد من القتل، وهي ممهدة للقتل، فالقتل في هذا الموطن أدنى درجة من الفتنة التي تتغيّب عنها مفاهيم العقلانية والتعايش السلمي، والفتنة في أكثرها ممارسات سياسية أكثر منها طائفية ليسهل على الساسة قيادة القطيع وفق العقل الجمعي". 


النقاش (0)