اقتصاد دولي

فوضى وخسائر فادحة تعم العالم.. وروسيا تشهر سلاح التأميم

"بيمكو" قد تخسر 2.6 مليار دولار إذا فشلت روسيا في سداد مدفوعات ديونها السيادية- جيتي
"بيمكو" قد تخسر 2.6 مليار دولار إذا فشلت روسيا في سداد مدفوعات ديونها السيادية- جيتي

كشفت بنوك عالمية عن تعرضها لخسائر فادحة وغير متوقعة جراء الغزو الروسي لأوكرانيا، بالإضافة إلى الأرقام الصادمة لحجم الخسائر المحتملة لشركات السندات الدولية مع انهيار الاقتصاد الروسي، وتجميد سوق الأوراق المالية في روسيا واقتراب موسكو من إعلان التخلف عن سداد السندات المستحقة.

 

وقال موقع "أكسيوس" الأمريكي، في تقرير ترجمته "عربي21" إن الاستثمارات الروسية كانت لعقود من الزمان حجر الزاوية لما يسمى بالاستثمار في "الأسواق الناشئة"، وهو نموذج التسويق العالمي المالي الذي ساعد في تشجيع الاستثمارات العالمية المتدفقة بحرية والتي ساعدت في تحديد حقبة ما بعد الحرب الباردة.


وبحسب الموقع الأمريكي، كانت روسيا نجمة مجموعة البريكس (تضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا)، وكانت المفضلة للمستثمرين في اقتصادات الأسواق الناشئة سريعة النمو على مدى العقدين الماضيين، وهو ما يجعل من الصعب تقدير مدى انتشار الخسائر.

 

خسائر فادحة

ويقدر محللو جولدمان ساكس أن هناك ما يقرب من 70 مليار دولار من السندات الحكومية الروسية التي يحتفظ بها الأجانب. في حين ذكر تقرير صادر عن معهد بروكينغز الشهر الماضي أن هناك ما يقرب من 200 مليار دولار من الأسهم الروسية المملوكة للأجانب - بما في ذلك 68 مليار دولار في الولايات المتحدة.


وقال الموقع الأمريكي إن كبار اللاعبين الماليين كشفوا خلال الأيام الأخيرة عن تعرضهم لخسائر فادحة محتملة في حالة تخلف روسيا عن سداد ديونها المستحقة.

وأفادت صحيفة فاينانشيال تايمز، الجمعة، إن شركة بلاك روك، أكبر شركة لإدارة الأصول في العالم، خسرت ما يقرب من 17 مليار دولار في الأوراق المالية الروسية نتيجة الغزو.


وقد تخسر شركة بيمكو العملاقة لتجارة السندات ما يصل إلى 2.6 مليار دولار إذا فشلت روسيا في سداد مدفوعات ديونها السيادية، بعد أن راهن مدير الأصول بشكل كبير على التخلف عن السداد ، حسبما ذكرت فايننشال تايمز.


وقال ثاني أكبر بنك في إيطاليا، "يونيكريديت" ، إنه قد يخسر 8 مليارات دولار إذا اضطر إلى شطب أعماله في روسيا بالكامل، فيما قال العملاق المصرفي الفرنسي "بي أن بي باريبا" إن لديه ثلاثة مليارات دولار من التعامل مع روسيا وأوكرانيا.

 

وقال دويتشه بنك الألماني إنه يتعرض لخسائر بنحو 3 مليارات دولار. فيما أقر بنك "كريدي سويس" السويسري بتعرضه لخسائر بلغت 1.7 مليار دولار. وسط توقعات بمزيد من الخسائر لعدد من البنوك العالمية الأخرى، وفقا لـ"أكسيوس".

 

وقال الموقع الأمريكي إن ما سبق ذكره "مجرد خسائر يمكننا أن نتوقع حدوثها بوضوح. لكن التحركات العنيفة في السوق التي أثارها الغزو الروسي، والعقوبات الغربية الهائلة التي جاءت رداً على ذلك، تسببت في خسائر فادحة وغير متوقعة في أماكن أخرى.

وأوضح أن الشركات الغربية ستتكبد خسائر في الاستثمارات الأجنبية المباشرة -أي الاستثمارات التجارية في روسيا- عندما تسرع للخروج من السوق الروسي. في وقت تدرس فيه روسيا خططا لمصادرة أصول الشركات التي تركت البلاد وربما تأميمها.


ووصف "أكسيوس" ما يحدث بأنها "فوضى"، مرجحا أن تؤدي هذه الفوضى إلى نهاية الفصل الأخير من العولمة المالية.

 

"خروج جماعي"

 

وتتزايد القائمة المطولة للشركات التي قطعت علاقاتها مع روسيا، أو تُراجع عملياتها في البلاد مع تصاعد المخاطر، ومن أبرز هذه الشركات بحسب كل قطاع ما يلي:

 

في قطاع الطاقة، أعلنت شركة "بي بي" (BP)، أكبر مستثمر أجنبي في روسيا، في يوم 27 شباط/فبراير أنها ستتخلى عن حصتها البالغة 20 بالمئة في شركة النفط الروسية "روسنفت" التي تسيطر عليها الدولة، وهي خطوة قد تؤدي إلى شطب 25 مليار دولار، وخفض ثلث إنتاج الشركة من النفط والغاز عالميا.

كما أعلنت شركة "شل" أنها ستنهي شراكاتها مع "غازبروم" المملوكة للدولة الروسية، بما في ذلك منشأة الغاز الطبيعي المسال "سخالين -2"، وكذلك مشاركتها في مشروع خط أنابيب "نورد ستريم 2"، الذي جمدته ألمانيا الأسبوع الماضي. وتبلغ قيمة كلا المشروعين حوالي 3 مليارات دولار.

وكذاك قالت شركة "إكوينور" (Equinor)، عملاقة الطاقة النرويجية المملوكة للدولة، إنها ستبدأ في الانسحاب من مشاريعها المشتركة في روسيا، والتي تبلغ قيمتها حوالي 1.2 مليار دولار.

 

وبالتوازي مع ذلك، قال "صندوق الثروة السيادية النرويجي"، وهو الصندوق الأكبر في العالم، إنه سيجمد أصولاً روسية تبلغ قيمتها حوالي 2.8 مليار دولار وسيتوصل إلى خطة للخروج من روسيا بحلول 15 آذار/مارس الجاري.

وفي قطاع التمويل، أعلنت شركات "فيزا" و"ماستركارد" "أمريكان إكسبريس" في بيانات منفصلة يومي السبت والأحد الماضيين أنها ستعلق عملياتها في روسيا. كما قالت كل من "برايس ووترهاوس كوبرز" و"كيه بي إم جي"، وهما اثنتان من كبار مدققي الحسابات الأربعة في العالم، أنهما سيقطعان العلاقات مع الشركات الروسية.

وعلي مدار الأسبوع الماضي، أعلنت معظم شركات صناعة السيارات الكبرى في العالم، بما في ذلك شركة "جنرال موتورز" و"فورد" و"فولكس فاجن" و"تويوتا" و"مرسيدس بنز" ، أنها ستوقف شحناتها إلى روسيا، أو ستغلق مصانعها العاملة في البلاد.

وأعلنت شركة بي إم دبليو الألمانية أنها أوقفت تصدير السيارات إلى روسيا وستوقف تجميع المركبات في كالينينغراد. كما أوقف مصنعو الشاحنات من بينهم "فولفو" ومجموعة "دايملر" الأنشطة التجارية هناك.

وفي قطاع السلع الاستهلاكية، أوقفت شركة "سامسونج"، الرائدة في بيع الهواتف الذكية في روسيا والتي تمتلك أكثر من 30 بالمئة من السوق، صادراتها من جميع منتجاتها إلى روسيا. وقالت الشركة إنها ستتبرع بـ6 ملايين دولار للجهود الإنسانية في المنطقة، بما في ذلك مليون دولار في مجال المنتجات الإلكترونية الاستهلاكية.

وأدانت شركة "مايكروسوفت" الجمعة العمليات الروسية في أوكرانيا وقالت إنها ستعلق المبيعات الجديدة لمنتجاتها وخدماتها في روسيا.

كما أوقفت "أبل" مبيعات أجهزة "آيفون" وبدأت في الحد من خدمات "أبل باي" (Apple Pay) وغيرها من المنتجات الشهيرة في روسيا، كما أزالت الشركة تطبيقات "أر تي نيوز" (RT News) و"سبوتنيك نيوز" (Sputnik News) من متاجر التطبيقات خارج البلاد.

وأوقفت شركة "إتش بي" (HP)، أكبر مورد لأجهزة الكمبيوتر الشخصية إلى روسيا، الصادرات إلى البلاد مثلما فعلت شركة "إنتل كورب" (Intel Corp).

وكانت شركة "نايكي" واحدة من العديد من شركات السلع الاستهلاكية التي أشارت إلى المشاكل اللوجستية كسبب لتعليق المبيعات في روسيا.

وأغلقت شركة "إنديتكس" (Inditex) الإسبانية لبيع الملابس بالتجزئة، والتي تمتلك 502 متجر في روسيا بما في ذلك 86 منفذاً لمتجر "زارا" (Zara) جميع متاجرها في روسيا بشكل مؤقت، كما أوقفت المبيعات عبر الإنترنت، قائلة إنها "لا يمكنها ضمان استمرار التشغيل وظروف التداول".

وأعلنت شركات كوكا كولا، وبيبسي كولا، وستاربكس، الأربعاء، إيقاف نشاطها التجاري بالكامل في روسيا، بسبب العمليات العسكرية في أوكرانيا.

واتخذت شركات أخرى حتى الآن خطوات محدودة لوقف أعمالها في روسيا. وقال الأمين العام لشركة الألبان "دانون"، لوران ساكي، إن أكبر شركة لتصنيع الزبادي في العالم ستعلق الاستثمار في روسيا، لكنها ستواصل بيع منتجات الألبان وأغذية الأطفال.

وفي قطاع الإعلام، أغلقت "نتفلكس" قنواتها في روسيا، وقالت إنه لن يتمكن أي من العملاء الجدد من التسجيل. ولم توضح الشركة مصير الحسابات الحالية.

لدى "نتفلكس" أقل من مليون عميل في روسيا وتعمل في البلاد من خلال مشروع مشترك مع "ناشيونال ميديا غروب" (National Media Group). وقالت شركة البث العملاقة في وقت سابق إنها لن تنقل القنوات الإخبارية الروسية المطلوبة على خدمتها باللغة الروسية في البلاد. كما أوقفت الشركة جميع المشاريع وعمليات الاستحواذ بشكل مؤقت في روسيا، بما في ذلك أربعة برامج قيد الإنتاج.

كما أوقفت- أو علّقت- استوديوهات هوليوود، بما في ذلك من "والت ديزني" وشركة "باراماونت بيكتشرز" و"سوني" و"وارنر ميديا" التابعة لـ"إيه تي أند تي" (AT&T) عرض أفلامها في روسيا.

وفي الوقت نفسه، تقوم منصات أخرى، بما في ذلك "تيك توك"، بتعليق أو إغلاق الخدمات قائلة: إنه بسبب قانون "الأخبار الكاذبة" الروسي الجديد الذي يهدف إلى إسكات المعارضة والحد من المعلومات حول أزمة أوكرانيا".

وقالت الحكومة الروسية، الجمعة، إنها ستمنع الوصول إلى موقع "فيسبوك" التابع لشركة "ميتا بلاتفورمز" كجزء من الحملة القمعية.

وبعد ساعات من الإعلان، صرحت "ميتا" بأنها ستوقف مؤقتا جميع الإعلانات في البلاد، فضلا عن توقفها عن بيع الإعلانات للشركات الروسية.

وقطاع المحاماة والمحاسبة، ذكرت شركة "بيكر ماكينزي" (Baker McKenzie) الأسبوع الماضي أنها تراجع عملياتها في روسيا، وستقطع العلاقات مع العديد من العملاء الروس من أجل الامتثال للعقوبات.

ومن بين عملاء الشركة، التي يقع مقرها في شيكاغو، وزارة المالية الروسية والبنك الروسي "في تي بي بنك" (VTB Bank)، ثاني أكبر بنك في روسيا.

وقالت "لينكلاتيرز" (Linklaters)، ومقرها لندن، إنها "تراجع جميع أعمال الشركة المتعلقة بروسيا". وصرح جوناثان هولت، رئيس شركة "كيه بي ام جي" (KPMG) في المملكة المتحدة، أن الشركة ستقطع العلاقات مع بعض العملاء الخاضعين للموجة الأخيرة من العقوبات ضد روسيا.

 

"سلاح التأميم"

وقررت العديد من الشركات الأجنبية، من "إتش أند إم" وصولا إلى "ماكدونالدز" وإيكيا"، إغلاق متاجرها ومصانعها وتعليق أعمالها في روسيا مؤقتا من أجل الضغط على الكرملين لوقف غزوه لأوكرانيا وبسبب تعطل سلاسل التوريد الخاصة بها.


والجمعة، أعلن مكتب النائب العام الروسي تشديد القيود على الشركات الأجنبية التي قررت مغادرة البلاد على خلفية غزو أوكرانيا.

وقال النائب العام في بيان "سيفرض المدعون رقابة صارمة على الالتزام بقانون العمل، بما يشمل بنود عقود التوظيف وإجراءات دفع الرواتب وتحديد حجمها".

وذكر أن الإجراء اتخذ "لضمان مصالح أصحاب المشاريع والموظفين من أصحاب الضمير" في الشركات التي أعلنت أنها ستغادر البلاد.

وقالت النيابة إن كل حالة من حالات تعليق النشاط في روسيا "ستخضع لتقييم قانوني" بشأن أي إشارة لإفلاس وهمي أو متعمد، مع الإشارة إلى أن القانون الجنائي يعاقب على هذه الجريمة.

كما أشارت إلى "عدم جواز" الرفض من جانب واحد لالتزامات الشركات التي تخطط للمغادرة.

وفي مواجهة موجة من العقوبات التي تسببت في انخفاض الروبل وتسريع التضخم المرتفع أساسا، اتخذت روسيا تدابير لوقف هروب العملات الأجنبية ورؤوس الأموال قدر الإمكان.

وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الخميس، دون أن يستخدم كلمة "تأميم"، إن الشركات الأجنبية التي تغادر بلاده يجب أن تُمنح "لأولئك الذين يرغبون في تشغيلها".


ومساء الأربعاء، أعلن حزب روسيا الموحدة الحاكم أن لجنة حكومية أيدت اقتراحه بتأميم مصانع مملوكة لأجانب أوقفت عملياتها بسبب الحرب على أوكرانيا، في حين وعد البيت الأبيض باتخاذ خطوات إذا صودرت أرصدة الشركات الأميركية في روسيا.

وقال الأمين العام للحزب الحاكم أندريه تورتشاكفي بيان، الأربعاء، إن وقف تلك الشركات أعمالها بمثابة إعلان حرب على روسيا، مؤكدا أن بلاده ستتخذ "إجراءات انتقامية صارمة"، بما يتماشى مع قوانين الحرب، وفق تعبيره.

وأضاف تورتشاك أن تعليق شركات أجنبية أعمالها في روسيا "إجراء عنيف للغاية" ضد المواطنين الروس، مشيرا إلى أن موسكو لن تتسامح إزاء تعرضها "للطعن في الظهر".

 

النقاش (0)