مقالات مختارة

حرب أوكرانيا بين خسائر مؤكدة وتسوية صعبة

حسن أبو طالب
عربي21

التغيرات الكبرى في العالم تأتي بعد حروب كبرى يتورط فيها أكثر من طرف. وإلى أن تتوقف المدافع عن الزئير، فإن حسابات المكاسب والخسائر تتعرض لهزات كبرى أثناء تطور العمليات القتالية عن تلك التي تفرض نفسها مع نهاية الحرب، ويتم صوغها في وثيقة سياسية تصبح بداية لواقع جديد. وما يجري على الأرض الأوكرانية ليس بعيداً عن هذه الصيرورة، سواء على صعيد المفاوضات، أو على صعيد الكر والفر بين القوات الروسية والقوات الأوكرانية.


الرئيس الأوكراني زيلينسكي من جانبه، طالب باللقاء المباشر مع نظيره الروسي بوتين، موحياً بأن هذا اللقاء سينهي الأمر، وفي الآن نفسه طالب مراراً وتكراراً بفرض العديد من العقوبات على روسيا والمزيد من الدعم العسكري لقواته المسلحة. أما المفاوضون الأوكرانيون فيرسلون يومياً إشارات متضاربة حول مضمون ما تفاوضوا أو تمت مناقشته مع نظرائهم الروس، ما بين المطالبة بوقف القتال وانسحاب القوات الروسية، وإشارات متضاربة حول قبول مبدأ الحياد، وضمانات دولية لعدم التعرض لاعتداءات روسية مستقبلية. بينما على الجانب الروسي تبدو مطالبه محددة، حددها الرئيس بوتين بوضوح كحياد أوكرانيا وقبولها تنازلات جيوسياسة ونزع سلاحها وخفض قواتها العسكرية.


التفاوض حول هذه المطالب المتعارضة ليس يسيراً ما دام هناك تمسك باستمرار القتال من الطرفين، وما دام هناك من يتصور في الغرب أن روسيا قد فشلت في حملتها العسكرية، وأن المقاومة الأوكرانية سوف تجبر الرئيس بوتين على التراجع المهين. وهي تصورات تتجاهل تماماً أن هناك واقعاً على الأرض يصعب تغييره من دون تنازلات كبيرة ومتبادلة، وتراعي احتواء الخسائر المتزايدة يوماً بعد آخر.


أحد أبرز مكونات الواقع الجديد يتمثل في وجود قوات روسية تسيطر على مساحات واسعة في الجنوب في مقاطعتي دونيتسك ولوغانسك، وتطوق بعض المدن الكبرى بما فيها العاصمة كييف، وتعيد الانتشار والتقدم والتأخر بطريقة تتناسب مع حجم المقاومة الأوكرانية، علاوة على مدن تم السيطرة عليها بالكامل، كالمدينة الساحلية المهمة ماريوبول الواقعة على بحر أزوف، والتي منحت روسيا سيطرة كاملة على السواحل الأوكرانية على هذا البحر.

 

ورغم البطء في إحراز انتصارات كبرى، والذي تُصر عليه المصادر الغربية العسكرية، لا سيما البريطانية والأميركية، يحدث عملياً تحييد أوكرانيا عسكرياً، ونزع سلاحها وتدمير الغالبية العظمى من مرافقها العسكرية، وفي كل يوم يتم تدمير العديد من المنشآت والمرافق ومستودعات الأسلحة وطائرات وخلافه ومراكز التحكم والسيطرة ومراكز الاتصالات اللاسلكية ومراكز صيانة الطائرات والمطارات المدنية والعسكرية، كما يتم تدمير الكثير من مستودعات الأسلحة التي منحها الغرب لأوكرانيا. وهنا نلاحظ أن البطء في تقدم القوات على الأرض ليس هو الأساس، بل تدمير القدرات العسكرية الأوكرانية وبما يصب مباشرة في تحقيق أحد أهم أهداف العملية العسكرية الروسية كما حددها الرئيس بوتين.


وواقعياً يحدث تفريغ أوكرانيا من عدد كبير من مواطنيها، عبر اللجوء إلى البلدان المجاورة، وبما يصل إلى أربعة ملايين لاجئ والعدد مرشح للزيادة، وستة ملايين أوكراني من المرحلين من منطقة إلى أخرى، مما يعني إعادة ترتيب الأوضاع السكانية في المناطق التي ما زالت تحت سيطرة الحكومة الأوكرانية. وهذه الأعداد مرشحة بدورها للزيادة مع استمرار العمليات القتالية.


وكلا البعدين، اللاجئين والمرحلين في الداخل، يمثلان مشكلة كبرى سوف تستمر لسنوات، سواء لأوكرانيا نفسها أو للدول المجاورة التي ليس لديها أي خيار آخر سوى استقبال هؤلاء وضمان الحد الأدنى لهم من أسس الحياة. وتلك بدورها معضلات صحية وإنسانية وتعليمية وأمنية، علاوة على توفير المأوى المناسب لحياة قد تستمر لسنوات، وليس مجرد خيام ومباني مدارس مهجورة يُستقبل فيها هؤلاء لعدة أيام. وإجمالاً هي أعباء لم تكن متصورة للدول المجاورة، تتطلب موارد كبيرة بكافة أنواعها، ويظل السؤال المثير ماذا عن الغد فيما لو لم يتوقف القتال في مدى زمني معقول؟ المرجح مشكلات كبرى سوف تحدث في مجتمعات تلك البلدان المجاورة.


ورابعاً لا يمكن تجاهل الأعباء الاقتصادية الهائلة التي تواجهها روسيا نتيجة العقوبات غير المسبوقة التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون. وهي مؤهلة للمزيد، وهدفها عزل روسيا عن مصادر قوتها الاقتصادية من جانب، وفرض تكلفة لا تتمكن من تحملها، وبما يؤدي - حسب التصورات الأميركية والغربية - إلى إقناع الرئيس بوتين إلى الانسحاب من دون أن يحقق أهدافه المعلنة، أو تثير اضطرابات داخلية قد تطيح بالرئيس كما يحلم كثيرون من ساسة الغرب. وفي كل الأحوال استنزاف روسيا حتى النهاية.


الجانب الآخر لتلك العقوبات الشاملة بما فيها عقوبات رياضية ومعنوية وثقافية وإعلامية، إنها منحت مصداقية لدى المواطنين الروس للمقولات التي قالها الرئيس بوتين حول أن الغرب يستهدف روسيا وحضارتها ونمط حياتها، وهو ما قَيّد التأثير السياسي لتلك العقوبات رغم الصعوبات التي بات الروس يواجهونها في حياتهم اليومية، والتي تم التغلب على بعض منها من خلال البدائل المالية وتطبيقات التواصل الاجتماعي التي كانت موجودة من قبل ولم تكن تستقطب التفاعل الكافي، وإذا بها توفر بديلاً يعتمد عليه، في الوقت الذي منعت فيه الحكومة الكثير من التطبيقات الغربية التي سادت من قبل.


اقتصادياً، تمتد البدائل المتاحة لروسيا إلى نظام سبق أن أقامته لنقل الرسائل المالية يدعى «إس بي إف إس»، ويسمح بالتعامل بكافة العمولات الوطنية، ويصل المشاركون فيه إلى أكثر من 400 كيان ومصرف. وقد ساعد روسيا من قبل على احتواء العقوبات المفروضة منذ 2014. كما لديها نظام للدفع الإلكتروني بديل لكروت الائتمان الغربية الشهيرة. وهي بدائل وطنية من شأنها أن تخفف من تأثير العقوبات على الصعيدين المالي والاقتصادي، ولكن بدون إنهاء تأثيراتها الرئيسية.


وهناك بالقطع متغيرات أخرى من شأنها أن تجعل حساب الخسائر والمكاسب ليس صافياً لطرف دون آخر. وبالقطع أيضاً فإن حجم الخسائر التي تكبدتها أوكرانيا حتى الآن كبير، ويزداد من حيث الحجم والمعاناة مع كل يوم قتال حتى ولو لم تتقدم الدبابات الروسية لتسيطر على مدينة كبيرة أو أكثر.

 

وفي المجمل فإن التحليل الغربي الذي يُبشر بفشل الحملة العسكرية الروسية لا يبدو صائباً، كما أن كل يوم لا تصل فيه المفاوضات الأوكرانية الروسية إلى تسوية ما لها طابع وسطي مقبول، يحمل المزيد من الخسائر المادية والمعاناة الإنسانية. ورغم التكاليف الاقتصادية الهائلة، فمن غير المتصور أن يقرر الرئيس بوتين الخروج من دون أن يصل إلى نتيجة تحمل بعض المكاسب الواضحة كحياد أوكرانيا وعدم انضمامها للناتو، وقبولها ضم شبه جزيرة القرم. أما إقليما دونباس فيمكن تسويتهما بما يحمي هويتهما الروسية سكاناً وثقافة، مع صلة واهية بالدولة الأوكرانية الجديدة، وضمانات محددة تحمي تلك الهوية الخاصة، ولو لمرحلة انتقالية.

 

الشرق الأوسط اللندنية

0
النقاش (0)