أفكار

في عوامل الضعف الذي أصاب حياة المسلمين الدعوية والسياسية (2)

عبد الله جاب الله: الإسلام هو النظام الوحيد الذي زاوج بين النزعة الفردية والنزعة الجماعية ونجح في ذلك
عبد الله جاب الله: الإسلام هو النظام الوحيد الذي زاوج بين النزعة الفردية والنزعة الجماعية ونجح في ذلك

يواصل الداعية والسياسي الجزائري عبد الله جاب الله، في هذه السلسلة من المقالات الفكرية، التي كتبها للنشر المتزامن بين "عربي21" وصفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، رصد ما يسميه بعوامل الضعف الذي أصاب حياة المسلمين الدعوية والسياسية.. وهي آراء تمزج بين الوصف والمراجعة، بالنظر إلى التجربة التي خاضها الشيخ عبد الله جاب الله، كداعية وكناشط سياسي في الجزائر.

الجهل بالدين

الجهل بالدّين هو السبب، لأنّه لو حصل العلم لعلموا من خلال الدراسة  لأحكام الإسلام ومقاصده في الخلق أنه هو النظام الوحيد الذي زاوج بين النـزعة الفردية والنـزعة الجماعية، ونجح في تحديد العلاقة بين الفرد وذاته، وبين الفرد والفرد الآخر، وبين الفرد وأسرته، وبين الفرد وجماعته أو حزبه، وبين الفرد ومجتمعه، وبين الفرد ودولته، وبين الدولة ومؤسساتها، وبين الدولة والدول الأخرى، بما يضمن الحياة المادية والمعنوية، ويكفل العدالة الاجتماعية والتعاون الداخلي والدولي.

ومثل هذا التكافل والتعاون، هو الذي يورث الشعور بالأمن والطمأنينة، ويعمق الثقة بين الأفراد في المستويات المختلفة، ويفجر الطاقات على العمل والعطاء، ويقود إلى النصر والنجاح في تحقيق التقدم والازدهار سواء للجماعات والأحزاب أو المجتمعات والدول.

وصدق ابن تيمية رحمه الله تعالى في قوله: "دين الله بين الغالي فيه والجافي عنه". الغالي يشتد في دين الله، حتى يحطم نشاطه الفردي بتحطيم ميوله ورغباته، فيحرم الجماعة من الانتفاع بطاقاته وقدراته. والجافي يستخف بأحكام الله تعالى وتعاليمه، ويتبع هواه وشهواته، حتى يحطم نفسه ويحطم جماعته ويحطم مجتمعه.

فالإسلام يوجب التكافل والتعاون على البر والتقوى بين أتباعه في جميع شؤون حياتهم ومختلف دوائر وجودهم.

إنّ الإسلام في نظره إلى النزعتين الفردية والجماعية، لا يعتبر إحداهما أصيلة والأخرى دخيلة، ولا يعتبر العناية بواحدة تعني إهمال الأخرى أو التقليل من شأنها والحط من قيمتها وقدرها، فالإسلام دين الفطرة، والإنسان فرد داخل المجتمع، فهو كائن اجتماعي بطبعه يعيش في جماعة ويخضع لنظام، ففطرة الفرد لذلك أصيلة في فرديتها وأصيلة في جماعيتها، والإسلام يعالجهما معا فيهتم بتنميتهما ويحرص على رعاية مصالحهما؛ لأن الحياة تحتاج إليهما معا، وقد جاءت عشرات النصوص تبيّن ذلك وتحرص عليه، ولا تطغى نزعة على أخرى إلا بسبب الانحراف عن نوع من النصوص فيورث أصحابه الفتن والعذاب، إلا إذا تعارضت المصلحتان فتتقدم عندئذ المصلحة العامة على الخاصة، وذلك في أحوال ضبطها الشارع ضبطا دقيقا.

إنّ مصالح الإسلام العليا ومصالح الأمة الكبرى ما ضاعت عنها وفاتتها، إلا بسبب الابتعاد عن شرع الله تعالى وإيثار المصالح الذاتية عن المصالح العامة، وما تعطلت مسيرة التيار الإسلامي وحلّ به ما حلّ من مصائب، إلا بسبب الابتعاد عن شرع الله تعالى وطغيان المصالح الشخصية على المصالح التي تأسس التيار من أجلها.

لذا؛ كان العلم هو أداة التغلب على مرض الجهل، كما هو أداة تحقيق كل خير يسعى إليه الإنسان ودفع كل شر يتمنى دفعه.

ضعف الإيمان بالقضاء والقدر

من المعوقات كذلك في مسار الحياة الدعوية والسياسية ضعف الإيمان بالقضاء والقدر، إذ لو صحّ الإيمان بالقضاء والقدر، لأيقن المسلمون والدعاة والعاملون أن علم الله تعالى محيط بكل شيء، وأنّ الله جل جلاله منزه عن الحاجة والغرض لذاته سبحانه، وأن إرادته في الخلق موافقة لكمال الحكمة ومطابقة لأفضل الاحتمالات الممكنة، ولأيقنوا أن الله تعالى لم يكلف خلقه إلا بما هو مستطاع لهم، وبما يحقق لهم مصالحهم ومنافعهم: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾[النحل: 90]..

ولأيقنوا أنّ حكم الله على عباده وجزاؤه لهم مطابق لأكمل صور الحكم والجزاء، ملائما لمقتضى علمه وعدله ورحمته وفضله على عباده، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾[المائدة: 50]، وأن حكمه تعالى على عباده ليس فيه إكراه ولا إلزام، لأنه حكم المشيئة التي لا يعلمها إلا هو سبحانه، ولأيقنوا أن مشيئته تعالى تتصف بكل كمال، وكمالها -كما يقول العلامة عبد الرحمن حسن حبنكة- في موافقتها الحكمة التي يعلمها الله تعالى، وفي موافقتها العدل الذي وصف الله به نفسه، ولأيقنوا أن مشيئته تعالى مشيئة مطلقة لا يكرهها مكره ولا يجبرها مجبر، فالله تعالى في كل أمر يفعل ما يشاء ويختار، لا إكراه عليه ولا إجبار.

ولو صحّ إيمانهم به لأيقنوا أنّ الله تعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم، فأعطاه جملة من الملكات الإنسانيّة العليا مثل الإرادة والعقل والقلب والقدرة ليستعملها فيما كلفه به من عبادة وعمارة، مسترشدا بالوحي، كتابا وسنّة، الذي بعث الله تعالى به نبيّه صلى الله عليه وسلم..

ولأيْقنوا أنّهم عبيد لله تعالى بالاضطرار في المسائل الداخلة في ذواتهم أو الخارجة عنها كالحياة والموت والصفات والخصائص التي تميز بها كل إنسان كالطول والقصر والنوم واليقظة والتنفس والأكل والشرب..إلخ، وأن الإنسان في هذه المسائل لا سلطان له عليها. لذلك؛ فهي من المسائل التي لم يتناولها التكليف، وأن الإنسان مدعو ليرضى بما قسم الله تعالى له منها، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فعليه السخط..

 

لو صحّ إيمانهم به لأيقنوا أنّ الله تعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم، فأعطاه جملة من الملكات الإنسانيّة العليا مثل الإرادة والعقل والقلب والقدرة ليستعملها فيما كلفه به من عبادة وعمارة، مسترشدا بالوحي، كتابا وسنّة، الذي بعث الله تعالى به نبيّه صلى الله عليه وسلم..

 



ولأيقنوا أنّ الله تعالى بعث محمدا عليه الصلاة والسلام بالشرع ليكون الإنسان ـ كما يقول الإمام الشاطبي رحمه الله ـ عبدا لله تعالى بالاختيار كما هو عبد له تعالى بالاضطرار.

ولأيقنوا أن المسائل التي جعل الله تعالى فيها عباده مكلفين، كلها داخلة ضمن دائرة القدرة والإرادة، وأنّ الله تعالى بعلمه المحيط بكل شيء، يعلم ما سيريده الإنسان بإرادته الحرة من الأمور، وبما سيعمله بموجب هذه الإرادة من الأفعال، ومتى سيعملها وكيف سيعملها وأين ومع من؟ والنتائج التي ستترتب عليها، وأن هذا العلم المحيط، إنما هو على سبيل الكشف العلمي الذي لا يؤثر على إرادة الإنسان في الفعل وعدمه، ولذلك يتحمل الإنسان المسؤولية على أعماله الإرادية كافة، وأن هذه الإرادة والقدرة المعطاة للإنسان في مجالات التكليف والاختيار، هي مما جعل الله تعالى للإنسان فيها سلطة الاختيار، وأن اختبار الإنسان لا يعارض إرادة الله تعالى ولا يعاندها، لأن الله تعالى هو الذي منحه هذه القدرة والسلطان،

كما لا يعني أن الله تعالى يكون راضيا عن كل ما يختاره الإنسان، بل الرضا أو الغضب يتحددان بحسب تقيّد الإنسان في عمله بما كلفه الله تعالى به بالشروط التي حددها لذلك التكليف، فمن قام بعمله ضمن الإطار الشرعي الذي حدده الله تعالى ناله الرضا وفاز بالثواب، ومن خالف الشرع في عمله لحقه السخط والعقاب.

ولأيقنوا أن الرزق في هذه الدنيا، ومنها المناصب والمسؤوليات، إنما هو مما قسمه الله تعالى لعباده وداخل في علمه الأزلي المحيط بكل شيء، وأنّ الله تعالى ترك لعباده حرية السعي في طلبه ضمن الحدود الشرعية التي بيّنها في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فالرزق من الكسب الاختياري الذي تركه الله تعالى للإنسان، والكسب الاختياري يحاسب عليه الإنسان ويعتبر مسؤولا عنه، ويتوجه إليه التكليف الشرعي، ويجب على الإنسان أن يسعى فيه ضمن الحدود الشرعية..إلخ.

وقد جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم؛ "إنّ أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما، ثمّ علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع: برزقه وأجله، وشقي أو سعيد، فوالله إن أحدكم ـ أو الرجل ـ يعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها غير باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع أو ذراعين، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها".

 

اقرأ أيضا: في عوامل الضعف الذي أصاب حياة المسلمين الدعوية والسياسية


النقاش (2)
عبد الحق
الجمعة، 08-04-2022 10:31 م
الأمة تحتاج لمن يذكرها بأن قول الله أكبر يتنافى مع الركوع إلى الطغاة، الأمة تحتاج لمن يذكرها بأن محمد (ص) ما إعتمد على السلمية لوحدها لنصرة الحق و لو فعل ما إنتشار الإسلام خارج بقاع مكة
ناقد لا حاقد
الجمعة، 08-04-2022 06:42 م
هههههه مقال للمرتزق عابد الرنجاز جاب الله .............