قضايا وآراء

الربا البحثي

محمود الحنفي
عربي21

أولا ـ لماذا هذا المقال؟

إن الحقيقة العلمية ليست مجانية، كما يظن الكثير من الباحثين أو الطلاب، والوصول إليها ضرورة علمية. من هنا كان البحث العلمي أيضا ضرورة للوصول لهذه الحقيقة. انعكست العولمة والتكنولوجيا بشكل سلبي على البحث العلمي، وباتت السرعة في الحصول على أي شيء هي السمة الغالبة في سلوكنا الاجتماعي وحتى العلمي منه. فالوجبات السريعة، والصناعات السريعة وإيصالها للمستهلكين بسرعة قياسية ومواقع التواصل الاجتماعي جعلت العالم الذي نعيش فيه ليس قرية كونية فحسب بل غرفة كونية يعيش فيها أكثر من 7.8 مليارات نسمة. 

ولعلنا أخطأنا في فهم العولمة وأخذنا منها ما هو سيء بهذا الخصوص ولم نتعامل مع العلوم الهائلة المتاحة على الشبكات العنكبوتية بالجدية والمهنية المطلوبة (الدورات التدريبية، الدوريات، التقارير، الأبحاث...)، وظننا خطأ أن الحصول على المعلومات بالسرعة القياسية أمر مفيد في البحث العلمي.

وفي العموم لم نعد نجد لدى العرب والمسلمين، خلال فترة زمنية طويلة، الأبحاث العلمية الرصينة والخلاصات البحثية المفيدة، وتوقفت مجامع التفكير عند مستوى سحيق. وبحسب دراسة لمنظمة المجتمع العلمي العربي فإن مجموع ما أنتجه الباحثون من الدول العربية خلال فترة الدراسة (2008 ـ 2018) كان 601425 ورقة بينما أنتج العالم 25600368 ورقة أي أن نسبة الإنتاج العربي حوالي 2.35% علما بأن نسبة عدد سكان الوطن العربي لسكان العالم حسب إحصائيات البنك الدولي هي حوالي 5.2%. 

طبعا هناك أسباب ذاتية وموضوعية كثيرة لا بد من وضعها في الحسبان، لكن الخلاصة المفجعة أن ماكينة البحث العلمي في العلوم التجريبية (مثل الهندسة والطب والفيزياء..) كما العلوم الإنسانية (مثل علم السياسة وعلم الاجتماع وعلم النفس...) متعثرة بشكل دراماتيكي. ولعلنا نركز في بحثنا هنا على العلوم الإنسانية.

ماهية البحث العلمي:

هو عبارة عن خطواتٍ مُتسلسِلة مركزة منتظمة بهدف الوصول إلى حقيقة علمية منطقيّة مستندة إلى الوثائق والمعلومات الدقيقة؛ والبحث العلمي هو جهد فكري. والبحث قد يكون مرتبطا بالعلوم كما قد يكون مرتبطا بالبحث عن مصادر الرزق، إذن البحث عن الرفاهية والاستقرار والتقدم والاستفادة من خيرات الطبيعة هو مسألة فطرية وجدت منذ وجد الإنسان. واليوم أصبح للبحث العلمي تقنيات ومعايير علمية معتبرة.
 
ولو أن شيئا يخصك أو يخص مجتمعك ضاع، تبحث عنه دون شك، فهو يتطلب منك جهدا وعملا من أجل إيجاده. وكذلك الأمر فإن الحقيقة أمر يحتاجها الناس وهي بحاجة لجهد وبحث لإيجادها.

أنواع الأبحاث:

توجد أنواع عديدة من الأبحاث لكننا سوف نتناول باختصار نوعين من الأبحاث وهما البحث المكتبي والبحث الميداني: 

البحث المكتبي

هو الاحتكاك المباشر واللصيق بالكتب والأوراق والتقارير المكتوبة فحصا وتمحيصا. يقلب الباحث فكره بين صفحاتها فينتقي من كل ذلك ما هو مفيد لبحثه.
 
ويندرج عن البحث المكتبي البحث الإلكتروني: أي التبحر في المواقع الإلكترونية ذات المصداقية العالية واستخراج المعلومات وتحليلها وربطها بعنوان البحث الأساسي، وامتلاك الحس النقدي لتقييم الغث منها والسمين.

ولا يعني سهولة الوصول إلى المراجع العلمية إلكترونيا أن إعداد الأبحاث العلمية سوف يكون سهلا أيضا. إن من التحديات التي تواجه الباحثين ليس ندرة المراجع فحسب بل أحيانا كثرتها. 

البحث الميداني


البحث الميداني هو النزول إلى أرض الواقع للبحث عن الحقيقة العلمية إما بالمقابلة المباشرة أو الاستبانة أو المشاهدة وتدوين الملاحظات بهدف تقييمها وربطها ببعضها البعض للخروج بخلاصات علمية مفيدة. والباحث الميداني يتصف بمواصفات مهنية ونفسية عالية جدا. فهو الآن يحتك بالناس وليس بالكمبيوتر أو الأوراق. والأبحاث الميدانية القائمة على جهد مخطط توصل إلى نتيجة علمية متواترة ومعقولة. إنه البحث عن حقيقة علمية متوارية، بغض النظر عن المسافات أو العقبات.

 

إنني أشبه أولئك الذين يعدون "أبحاثا" من دون جهد أو تعب ولا يستندون إلى المعايير العلمية المتبعة بهذا الخصوص سواء كان ذلك في البحث المكتبي أم في البحث الميداني بالمرابين بحثيا. ولعلهم يشبهون أولئك المرابين ماليا الذين يريدون الحصول على المال من دون تعب أو جهد.

 



ويحضرني هنا قصة الباحث الميداني الإمام البخاري الذي سافر إلى مدينة بعيدة ليتأكد من صحة حديث عن النبي الكريم، ولما وصل للشخص الذي يعلم الحديث، وجده يخادع فرسه، فتركه دون الاستماع إليه بالقول فمن يكذب على هذا الفرس من الممكن أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. 

الأبحاث العلمية الرصينة مثل المعادن ذات الخاصية الحرارية المرتفعة:

إن إعداد بحث بسرعة دون مراعاة المعايير المهنية هو أشبه بالمعادن التي لها خاصية حرارة متدنية  specific heat of metals، بمعنى آخر كلما كانت خاصية المعدن مرتفعة الحرارة، فإن المعدن يأخذ وقتا كي يسخن وكذلك لا يمكن أن يبرد بسرعة. وغالبا فإن المعادن التي لها خاصية معدنية مرتفعة لها استخدامات خاصة ونوعية جدا. وهكذا كلما أخذ البحث العلمي حقه في الوقت والتنقيب والتمحيص وفق المعايير المحترمة فإن لهذا البحث قيمة وفائدة عظيمة.  

البحث الحقوقي:

لا تختلف المعايير المهنية في البحث الحقوقي، في جوهرها، عن البحث العلمي. وهدف البحث الحقوقي هو الوصول إلى معلومات موثقة لا تقبل التأويل أو التفسير بهدف الاستفادة منها في الدفاع عن واقعة حقوقية فردية كانت أم جماعية. ومنظمات حقوق الإنسان يجب أن تدرك هذه الحقيقة. والبحث الحقوقي قد يكون بحثا مكتبيا (ورقي أو إلكتروني) أو ميدانيا. إن بعض تأثيرات العولمة السلبية طالت أيضا عمل منظمات حقوق الإنسان، فبات الناشطون يستسهلون الوصول إلى المعلومات من دون جهد ميداني.

وبعض المنظمات الحقوقية باتت تصدر تقارير حقوقية لا تستند إلى أي جهد ميداني، يجلس الناشطون وراء مكاتبهم ثم يبحثون إلكترونيا، ثم يصدرون التقارير، في حين أن طبيعة المنظمات الحقوقية أنها ملتصقة بالجماهير تعرف همومهم جيدا Grass roots’ organizations. وثمة معايير واضحة وصارمة في البحث الحقوقي يجب التعرف والتدرب عليها جيدا ومن ثم تطبيقها. 

الربا البحثي:

بناء على ما سبق، فإنني أشبه أولئك الذين يعدون "أبحاثا" من دون جهد أو تعب ولا يستندون إلى المعايير العلمية المتبعة بهذا الخصوص سواء كان ذلك في البحث المكتبي أم في البحث الميداني بالمرابين بحثيا. ولعلهم يشبهون أولئك المرابين ماليا الذين يريدون الحصول على المال من دون تعب أو جهد. إنه التضخم العلمي الذي يوحي بأن الإنتاج العلمي من رؤوس مالية فكرية بحثية أو منتجات بحثية أمر موجود لكنه في الحقيقة وهم وتضخم. نريد لماكينة البحث العلمي أن تتحرك وتنتج العلوم المفيدة لأمتنا العربية والإسلامية بما يجعلها قادرة على تجاوز التحديات الهائلة التي تواجهها.


النقاش (1)
كاظم صابر
الأربعاء، 13-04-2022 10:40 ص
مجرد توضيح علمي ممن كان معلم علوم قبل نحو نصف قرن : الكلمة الانجليزية (minerals) تعني بالعربية (معادن) و المعدن هو مادة صلبة غير عضوية موجودة في الطبيعة فمثلاً السيليكات أكثر المعادن انتشاراً و هي تحتوي على عنصري السليكون و الأكسجين . الكبريتات معادن و الكبريت يعتبر معدناً إذا وجد لوحده في الطبيعة كعنصر "غير فلزي" حرَ . الكلمة الانجليزية (metals) تعني بالعربية (فلزات) و هي الأكبر عدداً في الجدول الدوري للعناصر و فيها ما اشتهر عبر التاريخ كالحديد ، النحاس ، الذهب ، الفضة ، الزئبق ، القصدير ... ( specific heat) هي الحرارة النوعية و هي كمية الحرارة اللازمة لرفع درجة حرارة 1 غرام من مادة درجة مئوية واحدة . المواد التي لها حرارة نوعية أكبر "مثل الماء" تتطلب كمية حرارة أكبر لرفع درجة حرارتها درجة مئوية بالمقارنة مع المواد التي لها حرارة نوعية أقل "مثل فلز الحديد" لذلك شبك حديدي قرب حوض ماء كلاهما تعرض لأشعة الشمس في يوم صيفي حار ستكون النتيجة أن الشبك سيكون أسخن . بما أن الخشب له حرارة نوعية أكبر من الألمنيوم ، فسنجد مثلاً وعاء طبخ من الألمنيوم له مقابض خشبية لأن الألمنيوم أكثر تجاوباً مع التسخين لقلة حرارته النوعية. مع كل الاحترام ، أتمنى تغيير المثال العلمي هذا لشيء آخر يوصل إلى الاستنتاج الوارد في نهاية الفقرة "و هو استنتاج لا غبار عليه" في حال الانتقال بالمقال إلى ورقة بحثية .