فلسطين الأرض والهوية

قلقيلية.. مدينة محاصرة بالكامل بالجدار العنصري

في قلقيلية العديد من المناطق والمعالم السياحية الأخرى، ولكن أغلبها بحاجة إلى إعادة تأهيل
في قلقيلية العديد من المناطق والمعالم السياحية الأخرى، ولكن أغلبها بحاجة إلى إعادة تأهيل

تتبوأ مدينة قلقيلية مكانة خاصة في جغرافية فلسطين، وهي الرابضة والجالسة بكبرياء وزهو وأنفة عند نقطة التقاء السفوح الغربية لسلسلة جبال نابلس والطرف الشرقي لساحل التجمعات السكانية والحضارية الممتدة على طول الساحل الفلسطيني.

تعود تسمية قلقيلية إلى العهد الروماني وما زالت تحمل نفس الاسم الروماني مع تحريف بسيط، وفي المصادر الإفرنجية ذكرت بنفس اللفظ المتداول على ألسنة أبنائها في هذه الأيام.

وتؤكد روايات أن تاريخ المدينة وجذور التسمية يعودان إلى العصر الكنعاني، فيرى بعض المؤرخين أنها أحد الجلجالات التي ورد ذكرها في العهد القديم، و"الجلجال" لفظ كنعاني أطلق على الحجارة المستديرة ومن ثم على المناطق والتخوم المستديرة.

وقريبا من تسمية قلقيلية سميت القرية المجاورة لها "جلجوليا"، ويذهب بعض المؤرخين إلى أن قلقيلية هي "الجلجال" المذكور في قائمة الملوك العموريين والكنعانيين في العهد القديم، ويذكر المؤرخ يوسيفيوس أن اسم قلقيلية مأخوذ من اسم قلعة تعرف باسم "قلقاليا" وهي القرية التي ذكرت في العهد القديم باسم "جلجاليا".

ويذهب بعض المحدثين من غير المؤرخين إلى أن اسم قلقيلية يعود إلى القيلة، وهي الموضع الذي يأوي إليه المتعبون وقت القيلولة في الظهيرة طلبا للراحة أو المكان الذي تحط عنده القوافل الرحال بغية الراحة والتزود بالماء.

 

                                    صورة جوية لمدينة قلقيلية

موقع قلقيلية الجغرافي منحها أهمية خاصة حيث أصبحت نقطة التقاء بين المدن الفلسطينية من شمالها وجنوبها وغربها، وهي: عكا، صفد، الناصرة، حيفا، وبين مدن الجنوب، وهي: بئر السبع، المجدل، غزة، وكانت حلقة الوصل بين نابلس وتجمعات شرق فلسطين، وكل من يافا واللد والرملة.

وذات الموقع جعل من قلقيلية نقطة انطلاق لكثير من الغزوات الحربية وجعل من محطة سكة الحديد فيها، الواقعة على الكيلو 82 من محطة حيفا، إحدى المحطات المعدودة المعتمدة على امتداد خط سكة الحديد الموصل بين الشام ومصر.

وفي بداية العهد الإسلامي تبعت قلقيلية، اللد في ظل الدولة الأموية والدولة العباسية، حيث كانت اللد قصبة جند فلسطين الذي ضم المناطق الجنوبية من فلسطين، إضافة إلى بعض مناطق شرق الأردن.

وفي عهد الدولة الفاطمية أصبحت قلقيلية تابعة لناحية كفرسابا، وانتقلت في العهد المملوكي لتتبع ناحية جلجوليا، ومع بداية العهد العثماني قسمت الشام إلى ثلاث ولايات منها ولاية فلسطين، التي قسمت إلى خمسة ألوية "سناجق" هي: القدس، غزة، صفد، نابلس، اللجون، وكانت قلقيلية تابعة لسنجق نابلس.

 

                                  مشهد عام ليلي لمدينة قلقيلية

في عام 1864 صدر قانون تشكيل الولايات العثمانية، وتم بموجبه تقسيم بلاد الشام إلى ولايتين، هما سوريا (دمشق) وحلب، وكانت فلسطين كلها تتبع ولاية دمشق، وجعلت متصرفية كان مركزها القدس. وكانت قلقيلية إحدى نواحي مركز اللواء نابلس.

وفي عام 1893 استحدث قضاء جديد في سنجق نابلس وهو قضاء بني صعب، وأصبحت قلقيلية مركزا لناحية الحرم نسبة إلى حرم الإمام علي بن أبي طالب.

ووقعت قلقيلية تحت سلطة الانتداب البريطاني الذي لم يقم بأي خطوات لتطوير المدن والبلدات العربية، ولم تشهد كامل فلسطين تطورا إداريا يذكر، وكانت سياسة الانتداب تتعمد إبقاء قلقيلية على ما هي عليه ووقف عملية تتطورها وحرمانها من المستحقات الإدارية نتيجة لمقاومة أهالي المنطقة الانتداب البريطاني وتصديهم لمحاولات الاستيلاء على أراضي المنطقة لضمها للمستعمرات اليهودية.

وظلت قلقيلية فترة الانتداب البريطاني تعامل كقرية من قرى قضاء طولكرم رغم الزيادة في التعداد السكاني وتطورها العمراني والزراعي.

بعد أن ضمت الضفة الغربية للأردن في إطار المملكة الأردنية الهاشمية بعد نكبة عام 1948، أخذت قلقيلية تستعيد بعض حقها في التمثيل الإداري، استجابة للواقع النضالي الذي أبداه أهالي قلقيلية وما قاموا من جهود لإعادة بناء مدينتهم المدمرة واستصلاح أرضهم الجبلية بعد فقدان معظم سهولهم، وبروز أبناء قلقيلية في مجال العلم والآداب والصحافة والسياسة.

فبعد أن أصبحت ناحية من نواحي قضاء طولكرم في الخمسينيات، أصبحت منذ مطلع عام 1965 مركزا  لقضاء مستقل يسمى قضاء قلقيلية.

مع انطلاق حرب حزيران/ يونيو عام 1967 واحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان وسيناء، قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بتشريد أهالي المدينة ونسف ما يزيد على 80% من منازلها.

وخلال فترة الحكم الإسرائيلي هذه والممتدة من عام 1967 وحتى عام 1995 كانت قلقيلية وقراها، تتبع محافظة طولكرم تحت مسمى لواء طولكرم. حيث عمدت قوات الاحتلال إلى تطبيق سياسة الانتداب للانتقام من قلقيلية بحجة اتباع آخر تقسيم إداري في عهد الانتداب البريطاني. وظلت قلقيلية محرومة طيلة سنوات الاحتلال رغم التطور الهائل للمدينة وتفوقها الاقتصادي الملحوظ.

وبدخول السلطة الفلسطينية، أصبحت قلقيلية محررة وأعلن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عن تسمية قلقيلية رسميا بالمحافظة.

وقامت سلطات الاحتلال بإحاطة مدينة قلقيلية من جميع الجهات بالجدار العازل ومحاصرة سكانها البالغ عددهم نحو 60 ألف نسمة كلهم وقعوا في أسر الجدار (عدد سكان المحافظة 112 ألف نسمة)، وأصبحوا معزولين عن العالم الخارجي إلا عبر بوابة واحدة تستخدم للدخول والخروج معا تحت رقابة مشددة، كما حوصرت بعض القرى الأخرى، وهذا تطلب اقتطاع الكثير من الأراضي العربية وأثر على الحياة الاقتصادية والاجتماعية، إذ أثر على العلاقة الاقتصادية والاجتماعية المتبادلة بين المدينة وقراها.

 

                   قلقيلية مدينة محاصرة بالكامل من جدار الفصل العنصري

وفي قلقيلية العديد من المناطق والمعالم السياحية الأخرى، ولكن أغلبها بحاجة إلى إعادة تأهيل، والمحافظة بشكل عام فقيرة بالآثار البارزة مقارنة بالمحافظات الفلسطينية الأخرى، إلا أن ذلك لم يمنع الحركة السياحية فيها من النمو وخاصة السياحة الداخلية التي أخذت تنشط في السنوات الأخيرة بسبب جمال المنطقة، فهي خضراء تكثر فيها الأحراش والبيارات، ويتوفر فيها الماء بكثرة.

وقرب مدينة قلقيلية من الخط الأخضر جعلها مركزا تجاريا هاما تستقطب المتسوقين والسائحين.

ويحاصر الاحتلال محافظة قلقيلية بحوالي 12 مستوطنة ومنطقة صناعية إسرائيلية مقامة على أراضيها التي نهبتها منها بعد احتلالها.

مصادر

ـ الموقع الرسمي لبلدية قلقيلية.
ـ دراسة تحليلية: الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في محافظة قلقيلية 2014، "أمان" الفرع الفلسطيني من منظمة الشفافية الدولية، 3/9/2015.
ـ المدن الفلسطينية، قلقيلية، مركز المعلومات الوطني الفلسطيني (وفا).
ـ وكالة وطن للأنباء، الإحصاء: تعداد سكان قلقيلية يبلغ 112 ألف نسمة، 25/7/2018.
ـ مجلة فلسطين المنوعة، صور لمدينه قلقيليه شمال الضفة الغربية، تصوير محمد عناية، 27/5/2020.


النقاش (0)