مقالات مختارة

هل خسر اليمين الشعبوي انتخابات فرنسا؟

جبريل العبيدي
عربي21

هل خسر اليمين الشعبوي المتطرف انتخابات فرنسا؟ بهزيمة مارين لوبن في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، انتهت فرضية وصول التيار الشعبوي للسلطة في فرنسا، على الأقل في المستقبل المنظور، وجمد خطابه المشبع بالعداء للتعايش السلمي مع المهاجرين والأجانب، من قِبل حزب جمع بين صفوفه من اتفقوا على العداء للأجانب، ذلك الكابوس المخيف للكثيرين داخل فرنسا وخارجها.


أكثر من نصف الناخبين الفرنسيين صوّتوا إما لأقصى اليمين وإما لأقصى اليسار، وهذا مؤشر خطير، يكشف حدة الانقسام في المجتمع الفرنسي، وحالة الاستقطاب الشديد بين يمين ويسار، بعد أن تم توظيف استهداف المهاجرين واللاجئين والأجانب والمسلمين في برامج الأحزاب اليمينية الشعبوية خاصة، فمارين لوبن تَعِد بتجميد جميع مشاريع بناء المساجد في فرنسا وتوسيع قانون منع ارتداء النقاب، ليشمل حتى الحجاب في الأماكن العامة وليس فقط في المؤسسات الحكومية، مما يعد تضييقا على حرية العبادة والمعتقد.

 

وبين مارين لوبن اليمينية الشعبوية، ودور الزعامة المسيطر على ماكرون، احتار الناخب الفرنسي، فغياب خطة وبرنامج انتخابي يحقق طموحات الناخبين، خصوصا من الطبقة المتوسطة، هو ما كاد يتسبب في هزيمة ماكرون، لولا استفادته من كره الناخبين لخطاب مارين لوبن الشعبي الذي يتعارض مع قيم الثورة والجمهورية الفرنسية.


دور زعيم الاتحاد الأوروبي، هو ما جعل ماكرون يتجاهل مخاوف الناخبين، من ارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة تسوق الطعام إلى ارتفاع سعر الوقود، واهتمامه بالسياسة الخارجية، التي لا تحظى بالأولوية في اهتمامات الناخبين، ما كاد يتسبب في خسارته أمام الخطاب الشعبوي لمارين لوبن وحزبها، بينما ركزت لوبن حملتها بين الفئات الفقيرة والمتوسطة، ولكن التخوف العام من خطابها الشعبوي هو ما تسبب في خسارتها، وليس مشروع ماكرون الانتخابي ولا براعة حملته الانتخابية.


حصدت لوبن 42% من أصوات الناخبين، وهي أعلى نسبة تصويت يحققها اليمين المتطرف في تاريخ فرنسا، في الجولة الثانية لانتخابات 2022، في مقابل 34% في انتخابات عام 2017. ومقارنة بنسبة عام 2012، حيث حصلت على 17.90%، مما يجعل هزيمة مارين لوبن نصرا في عيون أنصارها، بعد أن حققت تقدما تجاوز 8% في مجتمع منقسم بين يسار ويمين ولا وجود للوسط يُذكر، في ظل نسبة امتناع عن المشاركة قاربت ثلث الناخبين.


تقدم مارين لوبن رغم خسارتها، دفعها للقول: «المعركة قد بدأت للتوّ بهذه النتيجة»، فمثل هذه النتيجة ستجعلها صاحبة قصر الإليزيه في الانتخابات القادمة، أو من سوف يرث خطابها في حالة تنحيها عن الحزب.


مارين لوبن ابنة مؤسس حزب الجبهة الوطنية، جان ماري لوبن، من زوجته الأولى، فشلت في زيجتين، وتحاول أن تحقق نجاحا في زعامة سياسية، فشلت في تحقيقها نجاحا في أصغر وحدة من مكونات أي مجتمع وهي الأسرة. مارين لوبن هي التي انقلبت على والدها وتسببت في إلغاء منصب الرئيس الشرفي الذي كان يشغله والدها.


رغم تزايد التيار الشعبوي بين الناخبين لدرجة أنه كاد يصل للنصف، فإن المطمْئن أن غالبية المجتمع الفرنسي ليس على وفاق مع خطاب مارين لوبن وباقي الشعبويين، ولهذا اصطف الكثيرون مع ماكرون رغم الخلاف معه، للتخلص من تيار مارين لوبن الذي أصبح يشكل كابوسا في الحياة السياسية الفرنسية، بل الأوروبية أيضا، لتزايد نمو هذا التيار الذي كان لا يستطيع الوصول للجولة الأخيرة لسنوات أصبح اليوم في المرتبة الثانية وكاد يكون في الأولى... معركة انتخابية وضعت فرنسا أمام خيارين؛ إما الشعبويون وإما ماكرون، الأمر الذي جاء لصالح ماكرون رغم سياساته المتناقضة ومعاييره المزدوجة.


انتهت المعركة الانتخابية لصالح ماكرون، بفوز غير مريح، ممزوج بنصر حققته الشعبوية مارين لوبن للقفز للمرتبة الثانية بفارق ضئيل، قد يمكّنها في قادم الأيام من تحقيق الفوز بالمرتبة الأولى، مما سيعد كارثة ستحل بفرنسا والاتحاد الأوروبي إن صمد وبقي متماسكا إلى الانتخابات القادمة.

 

(عن صحيفة الشرق الأوسط)

 
0
النقاش (0)