أفكار

السلطان إسماعيل أحد مؤسسي الدولة العلوية بالمغرب محبا (1من2)

بنسالم حميش يكتب بأسلوب روائي سيرة أحد مؤسسي الدولة العلوية بالمغرب السلطان إسماعيل
بنسالم حميش يكتب بأسلوب روائي سيرة أحد مؤسسي الدولة العلوية بالمغرب السلطان إسماعيل

توطئة

إن عملي الروائي "إسماعيل السلطان" (1056 ـ 1139هـ)، الذي ما زلت أشتغل عليه منذ ثلاث سنوات، هذا العمل كان يراودني وأنا طالب بثانوية المولى إسماعيل بمكناس. ومما ظل يشدني إلى شخصيته هي قدرته الخارقة للعادة على الاستثمار في مجالات ثلاثة: الفِكَر والبشر والحجر. وتوفق في جميعها، فكان مؤسس الدولة العلوية (فيما كان أخوه المولى الرشيد ماهدها). وإليه يرجع الفضل في الحيلولة دون ضم المغرب الأقصى إلى الإمبراطورية العثمانية، كما في تحرير ثغور البلاد على الساحلين الأطلسي والمتوسطي من الاحتلال الإيبيري؛ هذا علاوة على تمكنه الصعب من هزم مناوئيه الشرسين كابن أخيه بن محرز والخضر غيلان وأولاد التقسيس ومحمد العالم والزاوية الدلائية وصنهاجة الأطلس المتوسط، وكذلك نخب فاس الرافضون لقيام دولة علوية (كما نظهر ذلك في مقال مخصوص).

طوال حكمه المديد (نصف قرن ونيف) استمات المولى إسماعيل في فرض الأمن على بلاده. مما أدى، حسب شهادات المؤرخين، إلى انتعاش للنشاط التجاري والاقتصادي، كما أدى إلى اكتساب شروط المناعة أمام الأتراك والبلدان الأوروبية العظمى لذلك العهد. ولم يتم له هذا إلا لأنه أحدث تغييرا جوهريا حاسما في التشكيلة العسكرية وقوتها الضاربة، مكّنه من تقويض أو على الأقل إضعاف دور العصبية الأعرابية والبربرية في حياة الدولة، أي نسف أسباب هيمنتها وعودها الدائم. 

إن هذه النقلة التاريخية الكبرى التي اضطلع بها السلطان قد تحققت على يديه بإنشائه لجيش من العبيد، سواء ثبتت رقيتهم أم لم تثبت، وذلك بالعتق والإفتداء. واستفتى فقهاء فاس في حلِيّة إنشاء ذلك الجيش، فعارضه أكثرهم من أجل حفاظ فاس على عبيدها المملوكين، إلا أنه تحداهم، وأمر بتسجيل العبيد المحررين في الدواوين حتى جمَّع منهم مئة وخمسين ألف جندي محترف لا يأتمرون إلا بأوامر السلطان وقائدهم، خارج أي عصبية وقسما بصحيح البخاري. وقد كان إسماعيل واعيا تمام الوعي بأحقية دلالات سياسته الجديدة ومراميها في صيانة المغرب وتقوية مؤهلاته وطاقاته..

أما عن بناء الرواية السردي فلم أجد خيارا آخر غير اعتماد ضمير المتكلم في مساحة إحاطتي علما بشخصية السلطان ولغته وعصره وجغرافيته، مما استوجب مني بذل جهد تَقَمُّصِيٍّ شاق واسع الغور والمدى والنطاق. والعمل جملةً شائك بقدر ما هو شائق. والنص التالي قد يعطي مثالا على ذلك. هذا وإن الروائية مارغريت يورسنار قد برعت في سنِّ ذلك الخيار والتدليل على جدارته في روايتها العظيمة مذكرات أدريان، وذلك ما مارسته بنحو متنوع في رواياتي مجنون الحكم وهذا الأندلسي! والعلامة، وإلى حد ما زهرة الجاهلية..

***

في باب النكاح أتأسى برسولنا الأمجد القائل في حديث رواه إسماعيل البخاري في صحيحه: "إني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني". وفي حديث ورد عند ابن سعد في طبقاته "حبِّب إليّ من دنياكم الطيب والنساء" وفي رواية أخرى هذه الإضافة السنية "وجُعلت قرة عيني في الصلاة"، هذا علاوة عن حديث شريف "إني رجل حبِّب إلي الجمال وأعطيت منه ما ترى". وكل ربّات حريمي آنس إليهن وأعدل بينهن ما استطعت. ومن حظاياي اللواتي شغفتُ بهن حبّا عايشة مباركة، البربوشية الرحمانية، هذي المرأة النعمة، كلما ناجتني كل صباح ضمتني إلى صدرها الرحيب، فتعتريني خفقات نورانية دفيئة كأنما هي من روْح الفردوس الأعلى. وهي عندي بمثابة هبةٍ ربانية ونفسٍ نفيسة، إذا ما أدنيتها مني انحاشت إليّ فأطارحها الهوى فتجود عليّ بمثيله بل أوثق وأحلى، ولله الحمد كله إذ قال سبحانه وتعالى ﴿هنَّ لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهن﴾.

عايشة زوجتي الحرة المؤثرة، امرأة ضخمة فخيمة، أبعادها الثلاثة من طولٍ وعرضٍ وعمقٍ متناسقة متواصلة، إذا مشت تمخترت وحركت الريح من تحتها، وإذا جلست غمرت الفضاء من حولها بنظرات فاحصةٍ ثاقبة؛ سيِّدة متوقدة الذكاء، شديدة البأس، قوية العريكة. تخشاها النساء ويهابها الرجال. وقد طالما أستنصحتها واستفتيتها وتحيزتُ إلى فيئتها في شؤونٍ شائكة شتى وأخرى عِظامٍ، فلا تخيِّبُ ظني قط، ولا تشير عليّ إلا بما ينيرني وينفعني وأستطيبه، فتزكو لديَّ صور دقة ذهنها وجودة قريحتها. وكانت أحيانا إذا ما عصى عليها أمر أوكلته إلى عقلي واصفةً إياه بالسديد وإلى الله العليم الخبير.
    
ذات ليلة انتابني أرق شديد تلته غفوات مرتجة، بدا لي فيها أخي الرشيد يدعو لي باليمن والتوفيق، فحل بي على إثره نعاس ناعم لم ينهه إلا تنبيه جاريتين ياقوتة ومرجانة تغردان بصوتهما العذب الرخيم: "أسبحان الله.. حانت صلاة الفجر يا مولاي". ولما أيقنتا أني لا أحفل بهما ولا أجيب، فهرعتا هلعتين إلى مولاتهما زوجتي عايشة وأبلغتاها الخبر، فقدمت صائحة بي، وشعرت بدنوها مني على فراشي، فأخذت ترش بمزهرية وجهي ولحيتي وتحثني على النهوض، لكني تثاقلت هامسا في أذنها: وفاة الرشيد يا سيدتي نخرت نفسي ودوخت رأسي وهدَّت أوصالي. مات وخلف لي مهام شائكة بالغة الصعوبة، ولا أراني قادرا على أدائها كما يرضى الله وتقبل روحُ أخي الطاهرة. فلو أُعفيتُ من حملها قد يكون هذا أصحَّ لي وأريح..

 

كانت سيدة المقام تعلم أن نهوضي لا يتيسر حقّا إلا بإسماعي آيات محكمات يتلوها شاب بخاري اسمه زهير الهلالي، وهبه الله صوتا جهوريا رخيما. وكانت هذه الآي ضمن أخرى كثيرة تدمع لها عيناي وتبتل لحيتي.

 



حدجتني الشريفة بنظرات حادة مستغربة جعلتني أستجمع قواي وأنهض ساعيا إلى غسل أطرافي وتجديد وضوئي لأداء صلاة الفجر وحدي، ثم أقبل عليّ حاجبي مرجان عارضا عليَّ ما أختاره من لباس في الخزين، فساعدني على ارتداء الفرجية والقفطان والحايك وعمم رأسي وامتشقتُ سيفي. عندئذ جاءت الشريفة فطيبتني بالمصطكي وعود القماري، ثم أجلستني حداءها وقالت: كلنا على رحيل المولى الرشيد حزنّا حزنا ممضا وعزاؤنا واحد. لكن الأعمار بيد الله الذي إليه الرجعى والمآب. واليوم والله لن يقوم بشؤون هذي الأمة وأهاليها إلا أنت يا ذا النفسِ المتطاولة إلى عليات الدرجات وأرفع المراتب. إيمانك الراسخ بمن له الأسماء الحسنى سلاحك الأمضى، يقوِّي جلَدك ويغلبك على المحن والملمات. وأنا وراءك بالسند والحثِّ والنصح ما حييت. فانهض إلى ما ندبك ربُّك إليه وولاّك عليه، فأطِعهُ واستجب.

كانت سيدة المقام تعلم أن نهوضي لا يتيسر حقّا إلا بإسماعي آيات محكمات يتلوها شاب بخاري اسمه زهير الهلالي، وهبه الله صوتا جهوريا رخيما. وكانت هذه الآي ضمن أخرى كثيرة تدمع لها عيناي وتبتل لحيتي. وبإشارة منها تلا بعد الحمدلة والتصلية: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا القُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِعًا مِنْ خَشْيَةِ الله﴾ ثم أعقبها بآية تقشعر لها جوارحي ويخفق قلبي وهي: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾...

***

كم هو جمٌّ عرمومٌ ولعي بارتياد مدائن الصحراء ومناظرها الخلابة الوضاءة. وكيف لا وسجلماسة مسقط رأسي ومرتع نشأتي وترعرعي. هي سجلماسة، ملتقى قوافل المؤن والأقوات وإحياء صلات الأرحام وتجديد عرى الإسلام مع إخواننا في الدين الآتين من تخوم السودان وأعماقه. 

والصحراء كما نعلم هي، علاوة على ما ذكرت، مهد الديانات التوحيدية في المشرق ومنشأ أهم الدول ومنابت الأولياء والربانيين الأخيار في الديار المغاربية المباركة.

أثناء ولايتي على مكناسة وفاس دأبت تارة مع زوجتي عايشة الشريفة أو بمفردي على شد الرحال إلى سجلماسة ومدن أخرى من فيلالة، وكانت غايتي التطهر الأصفى بالهواء الحر والتأمل في الخلائق والملكوت. ولي في رحلاتي تيك مآرب أخرى، أعزها وأجداها امرأة عالية القدر والهمة، إسمها خناثى، لامعة السمرة، حوراء، أسيلة الخدين، ناعمة النظر فاترته، إذا نطقت أنطقها الإلهام غالبا بالسجع والمجاز وبالفِكَرِ الأصيلة المؤثرة، وإذا أنشدت شعرا من ديوان العرب تضوَّع المسك من فيها وسحرت الألباب والأفئدة. 

 

كم هو جمٌّ عرمومٌ ولعي بارتياد مدائن الصحراء ومناظرها الخلابة الوضاءة. وكيف لا وسجلماسة مسقط رأسي ومرتع نشأتي وترعرعي. هي سجلماسة، ملتقى قوافل المؤن والأقوات وإحياء صلات الأرحام وتجديد عرى الإسلام مع إخواننا في الدين الآتين من تخوم السودان وأعماقه.

 



علمت أن الخُطاب تزاحموا على باب والديها، كان من آخرهم رجل ذو حسب وثراء، لكنها كما رويَ لي ردته على عقبيه بسبب أنه قال لأبيها سيد المغافرة ويعسوبهم: جئت يا شيخ أرغب في استبضاع كريمتك، فتفهم أبواها صدودها وشملاها برضاهما الوافر، ذلك لأنهما ربياها على عقيدة خلق الله تعالى الذكر والأنثى من نفس واحدة، وعلى أن النساء، كما في حديث شريف، شقائق الرجال، فلا يحل إنزالهن منزلة البضاعة، ولا يعقل ذلك ولا يليق حسا ومعنى. وحدث أن الغادة خناثى، التي ينعتها قومها بالفقيهة الفهيمة، كانت تطرق الموضوع ذاك فتجيد فيه وتفيد، كما في مسائل أخرى تمُت إلى السياسة الشرعية سواء صحبةَ نسوة فطنات تقيات وحتى أمام رجال متفقهين فضلاء.

خناثى بنت الشيخ بكار، وهي في ريعان العمر، لما تغزَّل فيها بعض شباب القبيلة وشيبها تستروا على غلوائهم وهيامهم الشديد، وشبهها كهول بزرقاء اليمامة، وحين نما إليها التشبيه أنكرت على نفسها موهبة العرافة، متعللة بكون علام الغيوب هو الله الواحد الأحد، وأن ما يأتيها من ذلك أحيانا إن هو إلا قرانات ومصادفات أو من صنف فراسة المؤمنة ليس إلا.

وكانت هذه الحسناء العجيبة، كما قيل لي، تبرع في رقصة الگدرة مرتدية خمارها الأسود، وخلفها حلقة المرددين والناقرين على الطبل والمصفقين. ولما أن أدت الرقصة احتفاءً بمقدمي، علقتْ بها عيون الرجال، وأنا منهم، وحتى النساء، فحسبتُها -و الله- تلامس الأرض بأخمص قدميها وتحرك من تحتها ريحا لينة رهواء، كأنها تبغي التحليق، ثم تسرِّح ذراعيها طليقتين ويديها وأناملها كما لو أنها، على وقع النغمات والتصويتات، تزركش الفراغ بعلامات شائقة، تميل لها أطرافها الناعمة يمنة ويسرة وأماما ووراء، فيما المبخرات تفوه بالمسك والعنبر والعود القماري، والمزهريات يتلقى الحضور منها رشات ماء الورد الزكية المنعشة، وبعد جلوس الراقصة الفذة بين النسوة المحصنات خلفتها راقصات أخريات، وهن ـ والحق يقال ـ دون روعة خناثى وإتقانها الفاتن الماتع.

من أقوالها المغناة المندرجة في أدب التبراع الحساني: خلال رؤياي المنامية كثيرا ما يتبدى لي فارس أحلامي، جسما سليما معافى وروحا بهية ومعينَ عشق وحبور. وليلةَ الأمس أهداني وردة نرجسية، أكمامها نور على نور ومرآةً بلورية، وبالتقبيل والحنان سربلني، وعن نزهة النفوس حدثني، وعن الحب والأمان في مدى سهول الصحراء ورُباها المتشاكلة بين رياح لطيفة وأخرى حرى عاصفة، وكذلك عن ساكنتها من إنس وحيوان..


النقاش (1)
نسيت إسمي
الإثنين، 16-05-2022 07:44 م
'' رواية العلامة من تأليف بنسالم حميش '' رواية العلامة للأديب بنسالم حميش بحث في ذات مفكر كبير في تجلياتها المختلفة، وهي عمل فني يتمحور حول سيرة ابن خلدون ويتناص مع مقولاته ليقدم رؤية للعالم لا تقل ثراء عن النصوص الإبداعية العالمية عبر التتناوب بين السرد على لسان الراوي ولسان البطل الروائي (هدى وصفي). وفق الأديب بنسالم حميش في رواية العلاّمة على مستوى التشكيل الجمالي في دفع التقريري إلى التصويري، والمباشر إلى المجازي، والمجازي إلى الرمزي، وبذلك يفصح عن تحريك الموقف الذي يبتدى في الشخصية من المحلي إلى المشترك الفكري والثقافي الإنساني (عبد المنعم تليمة). تعالج رواية العلامة مشكلة الصراع بين المثقف والسلطة. وقد حقق كاتبها الروائي بنسالم حميش عملا أشبه بقطعة موسيقية تتألف من لحنين: لحن تاريخي ولحن عصري. والرواية بذلك تخاطب عصرنا من خلال قناع شفاف من التاريخ (رجاء النقاش). يستنطق الأديب بنسالم حميش رواية العلامة قناعات المفكر العربي الكبير ابن خلدون. ونتعرف عبر سرده الفي المتميز بالسهوولة الممتنعة على شخصية تاريخية فذة بجوانبها الإنسانية الحميمة وفلسفتها في التاريخ والاجتماع وتفاعلها مع التصدعات الكبرى في عصرها (فريال غزول) لمحة عن الكتاب : أمام ما يحدث لابن خلدون، اعترت نفسه حالة أسماها تدقيقاً سكر الافتتان. مفتون هو بها وبما يحيط بها، مفتون بغليان الدم في شرايينه وانتعاش خلاياه، مفتون بآيات الجمال أينما تجلّت: في ابتسام الأطفال، وتغريد الطير، وهبوب الأنسام على الروح الظمأى وكلّ الأجسام. فرحه عارم ما بعده فرح! عجب تحوّل الوجود عنده من عسره وثقالته المعهودة إلى دوائر الخفّة واليسر! عجب انسياب الوقت كالماء الزلال بين يديه! هذه العجائب وأخرى، لا ريب عنده أن مديرتها امرأة: هي رافعة العطاء هي المهماز المفجر والفيض كلّه والعطاء. ولولاها لبقيت نفسه حاملة شارات الانتكاس والحداد، لبقيت رغائبه وحقوقه في الحياة طيّ الضمور والكبت.