مقابلات

حقوقية موريتانية لـ"عربي21": الحوار السياسي فشل قبل انطلاقه

في شباط 2021 طرحت أحزاب البرلمان وثيقة لتنظيم حوار سياسي مع الحكومة- عربي21
في شباط 2021 طرحت أحزاب البرلمان وثيقة لتنظيم حوار سياسي مع الحكومة- عربي21

قالت الحقوقية الموريتانية، مكفولة بنت إبراهيم؛ إن "الحوار السياسي الشامل، الذي تم التحضير له سابقا على مدى عام كامل، فشل قبل أن ينطلق بشكل فعلي بين جميع الفرقاء السياسيين، كما فشلت كل المشاريع التنموية قبله في البلاد".

وأضافت: "حسب أحزاب المعارضة، فإن أمرا صدر بإيقاف الحوار دون إخطار أعضاء من اللجنة التحضيرية محسوبين على المعارضة، وهو ما يعني أن السلطة لا يعجبها محاور وبنود هذا الحوار، وكما دأبنا، فإن الإرادة السياسية للسلطات لا تريد حوارا لا يصب في مصلحة النظام القائم أو الدولة العميقة".

وأشارت مكفولة، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، إلى أنه كان من بين المنسحبين من الحوار: الحقوقي والمرشح السابق للرئاسة بيرام الداه اعبيد، والمتحدث باسم قوى التغيير الديمقراطية صمبا تيام.

وأرجعت مكفولة الانسحابات إلى أن "السلطة الحالية منذ البداية، ربما لم ترتب للحوار بشكل جيد أو لم تتوقع حصيلة المشاورات التي توصلت لها اللجنة التحضيرية، وإلا كيف نفهم توقفه فجأة!".

وتابعت: "كمراقبين مهتمين بتجذير الديمقراطية، نعتبر أن أحزاب المعارضة تحوّلت لما يشبه الموالاة، وباتت تُجامل الحكومة في كل شيء، الأمر الذي نسف مصداقيتها وشرعيتها لدى المراقبين، وذلك بعدما أعلنت دعمها للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ومشاركتها في حكوماته التي لم تنجز أيّا من وعوده".

وأضافت: "يمكننا القول؛ إن الموالاة والمعارضة لا يُعبّرون بحق عن إرادة الموريتانيين، بل إن المعارضة لم يعد لها أي وجود حقيقي في الشارع، وأصبحت تتواطأ وتتعامى عن الانتهاكات والممارسات التي تقوم بها السلطة الحاكمة، ومن ثم فنحن إزاء أزمة كبرى سواء مع الموالاة أو المعارضة".

 

اقرأ أيضا: أحزاب موريتانية تحمل الحكومة مسؤولية انهيار الحوار السياسي

وأشارت مكفولة إلى أن "الإعلان عن توقف الحوار السياسي قبل أيام من الانطلاقة الفعلية له ربما يكتب نهايته"، لافتة إلى أن "بعض الأحزاب اعترضت على عدم إدخال قضايا بعينها في هذا الحوار".

يُشار إلى أن رئيس اللجنة التنفيذية للتشاور، الوزير الأمين العام للرئاسة الموريتانية، يحيى ولد أحمد الوقف، كان قد أعلن، الخميس، عن تعليق الحوار السياسي إلى أن تصبح الأوضاع السياسية "مناسبة"، مؤكدا أن "السياق الحالي لا يخدم الأهداف التي يسعى الحوار لتحقيقها"، وفق قوله.

لكن أحمد الوقف استدرك قائلا، في مؤتمر صحفي بالعاصمة نواكشوط؛ إن "تعليق الحوار لا يعني إلغاءه، وإنما إعادة الكرة إلى الطيف السياسي للاتفاق على مسار شامل، يشمل جميع الأطراف بدون استثناء، لتظل التهدئة السياسية قائمة بين جميع الأطراف، وألا يتم إقصاء أي طرف".

يُذكر أنه في شباط/ فبراير 2021، طرحت الأحزاب الممثلة في البرلمان (12 حزبا من المعارضة والموالاة) وثيقة، تضمنت خريطة طريق لتنظيم حوار سياسي مع الحكومة.

على إثر ذلك، تعهّد الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، في أيلول/ سبتمبر 2021، بتنظيم حوار سياسي شامل قال حينها؛ إنه "لن يستثني أحدا، ولن يحظر فيه أي موضوع".

ومن المقرر أن تشهد موريتانيا العام المقبل، انتخابات نيابية ومحلية، على أن تنظم الانتخابات الرئاسية عام 2024.

وبسؤالها عن رؤيتها لطبيعة المسار الديمقراطي في بلادها وعما إذا كان يمضي على الطريق الصحيح، أجابت مكفولة: "موريتانيا تكتفي من الديمقراطية بأيام الحملة الانتخابية وبيوم التصويت وفقط، وأما عدا ذلك من أيام، فالديمقراطية هي الفريضة الغائبة".

ورأت أن "المعارضة الموريتانية في حالة موت إكلينيكي في ظل الأوضاع السياسية الراهنة، وبسبب ظروفها الاقتصادية، وتحكم السلطات في جميع المناصب والموارد".

تكميم الأفواه

وأشارت مكفولة إلى أن "هناك ما يناهز 100 شخص جرى اعتقالهم في موريتانيا خلال المأمورية الحالية (فترة حكم الرئيس الحالي) بسبب آرائهم السلمية، وبعضهم على إثر إقرار ما يسمى بقانون حماية الرموز الوطنية، الذي يعتبر أي إساءة للرئيس خطّا أحمر لا يجوز تجاوزه أو الاقتراب منه، ومن ثم فهذا القانون أصبح أداة ووسيلة لتكميم الأفواه".

وأردفت: "نحن نعاني بشدة من تكميم الأفواه، وهو الأمر الذي يتزايد يوما بعد الآخر، خاصة في ظل التنكيل المستمر، والقمع المتواصل، وحملات التشويه المتصاعدة، حتى وصلت البلاد إلى مرحلة خطيرة من التدهور والتردي غير المسبوق".

 

اقرأ أيضا: إحالة رئيس موريتانيا السابق إلى المحاكمة بتهم فساد

وخلال شهر تشرين الأول/ نوفمبر 2021، صادقت الجمعية الوطنية الموريتانية (البرلمان) على "قانون حماية الرموز الوطنية"، الذي أثار جدلا واسعا في الأوساط السياسية والحقوقية في البلاد.

حيث نص القانون المذكور على "تجريم المساس بهيبة الدولة وبشرف المواطن، ويحمي الرموز الوطنية"، واعتبرته قوى معارضة بأنه "خطير على الحريات العامة؛ إذ يمكن تكييفه حسب رغبة القضاء والسلطات السياسية".

وأشارت مكفولة إلى أن "التضييق على حرية الرأي والتعبير في موريتانيا ملاحظ بشكل واضح وكبير، ويمكن ببساطة ملاحظته من خلال المواقع الإخبارية التي توقف دورها على نقل أخبار أصحاب السلطة، والاكتفاء بنقل حوادث السير والتعيينات الحكومية وأشياء من ذلك القبيل".

أوضاع متفاقمة

ولفتت إلى أن "كل أوضاع حقوق الإنسان ساءت كثيرا في بلدي بسبب عدم الاستقرار السياسي منذ نشأة الدولة، ثم بسبب جائحة كوفيد-19، ثم بسبب غلاء المعيشة والأزمة الأوكرانية"، موضحة أنه "لا توجد مؤشرات ملموسة على تحسن الأوضاع الحقوقية خلال الفترة المقبلة بسبب تمكن اللوبيات القبلية، وكذا المعادون للحقوق وللحريات".

وبسؤالها عما إذا كانت ترى الحكومة الحالية كأسوأ حكومة في تاريخ البلاد، قالت: "أنا لم أعاصر كل الحكومات السابقة، ورغم قناعاتي بأن الحكومة الحالية لم تقدم أي شيء يذكر، إلا أنني غير مستعدة للتداعيات التي يمكن أن تحدث لي حال أجبت صراحة على سؤالكم؛ فالوضع أسوأ مما تظنون".

وحول تداعيات الأزمة الأوكرانية على الوضع الحقوقي الموريتاني، قالت: "هذه الحرب لم تجعل قضيتنا لها أولوية الآن داخليا ولدى الشركاء الدوليين؛ فالعالم مشغول بقضية أوكرانيا ولاجئيها، بالإضافة إلى أننا لا نرى جهدا مبذولا لتحقيق ولو بعض التقدم في قضايا حقوق الإنسان".

القضاء على العبودية

وثمّنت التوصيات التي أعلنها مؤخرا المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بأشكال الرق المعاصرة، تومويا أوبوكاتا، من أجل القضاء على العبودية في موريتانيا، داعية لمواصلة الجهود المحلية والدولية من أجل القضاء النهائي على تلك الظاهرة، التي وصفتها بالخطيرة للغاية في عصرنا الحالي.

بينما لفتت مكفولة إلى أن "القضايا المتعلقة بالثقافة لا يمكن القضاء عليها بسهولة؛ فالعقليات كي تتغير تحتاج على الأقل لعشرات السنين، بالإضافة إلى التوعية المستمرة".

ونوّهت إلى أن "بعض الحالات الفردية لظاهرة العبودية توجد في مناطق نائية بموريتانيا، حيث يغيب التعليم وتنعدم التغطية الإعلامية والصحفية".

وكان المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بأشكال الرق المعاصرة قد أصدر في 14 أيار/مايو الماضي، 22 توصية للقضاء على العبودية في موريتانيا.

وتضمنت أبرز التوصيات التي جاءت في تقرير من 14 صفحة، مطالبة الحكومة الموريتانية باتخاذ خطوات مهمة لتطبيق قوانين مكافحة الرق بشكل فعال، وإنشاء وحدات معنية بالرق داخل النيابة العامة، واستبعاد الرق "من عمليات التسوية غير الرسمية، ووضع مبادئ توجيهية لإصدار الأحكام في جرائم الرق، وإنشاء نظام إنذار مبكر لتحديد الأطفال المعرضين لخطر عمالة الأطفال".

 

اقرأ أيضا: تشكيل حكومة جديدة في موريتانيا.. تضم 25 وزيرا (أسماء)

وحدث أول إلغاء حقيقي للعبودية عام 1982، خلال حكم الرئيس الموريتاني آنذاك، محمد خونا ولد هيدالة.

لكن يقول نشطاء موريتانيون؛ إنه توجد حالات رق في البلاد، من مظاهرها استخدام بعض الأرقاء للعمل في المنازل ورعي المواشي من دون أجر.

وعلى صعيد الإنجازات التي حققتها المرأة الموريتانية في عهد الحكومة الحالية مقارنة بالحكومات السابقة، قالت: "المرأة الموريتانية لم تحقق أي شيء للأسف، ويبدو أنها لن تحقق أي شيء ملموس خلال الفترة المقبلة في ظل الأوضاع الراهنة".

وأوضحت أنه "منذ العام 2014 تقدمت مجموعة من النساء بمشروع قانون من أجل مجابهة العنف ضد المرأة، إلا أن الحكومة لم تكن جادة في تمريره، والبرلمان لم يوافق أيضا، خاصة أن هناك مجموعة من البرلمانيين لا يقرؤون ولا يكتبون وبسهولة يتم اللعب على عواطفهم الدينية، رغم أن العنف يلاحقنا في كل مكان، وداخل وخارج المنزل، وموقفهم هذا جاء رضوخا لأصوات الغوغاء والدهماء"، وفق تعبيرها.

ملف "فساد العشرية"

وذكرت أن "التعامل مع ملف فساد العشرية (10 سنوات فترة حكم الرئيس السابق) كان سياسيا بالأساس، وإلا فكيف نُفسّر استثناء وزير الاقتصاد والمالية السابق، المختار ولد أجاي، الذي يُعدّ الساعد الأيمن للرئيس السابق، واليد المسؤولة عن المصاريف المالية في أثناء توليه وزارتي الاقتصاد والمالية في هذه القضية، التي يشوبها الكثير من علامات الاستفهام والتعجب، خاصة أن الفساد يُرفع شعار محاربته من كل الأطراف، بينما هو مستفحل".

واستطردت قائلة: "كيف لشخص واحد، وهو الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، أن يحصل على كل هذه الموارد والأموال عليها، واعترافه، والكل يتساءل: كيف يمكن توجيه تهمة لشخص واحد في ملف مليئ بالكثير من الأشخاص والتعقيدات والخفايا، والأيام القادمة ستكشف المزيد والمزيد بشأن تلك القضية الخطيرة".

فيما انتقدت موقف السلطات الحالية من مكافحة الفساد، وقالت: "لا توجد أي خطوات ملموسة في هذا الصدد، وأنا كغيري من المواطنين نسمع عن فساد مستشرٍ في قطاع الصيد على سبيل المثال، ونسمع عن فساد إداري كبير يتعلق بممتلكات الدولة، فضلا عن الفساد المستشري في التعليم والصحة، ومنها تزوير شهادات لأساتذة جامعيين، ولم نر محاكمات للفساد باستثناء ما عرف بملف العشرية".

وفي 1 حزيران/ يونيو الجاري، أحال قاضي التحقيق المكلف بالجرائم الاقتصادية في موريتانيا، الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، ومتهمين آخرين من أركان حكمه، إلى المحكمة فيما بات يعرف بملف "فساد العشرية".

وكانت النيابة العامة قد وجهت، في آذار/ مارس 2021 لولد عبد العزيز، و12 من أركان حكمه، بينهم وزراء سابقون ورجال أعمال، تهم "الفساد وغسيل الأموال والإثراء غير المشروع، واستغلال النفوذ".

وشنّت هجوما حادا على تجربة موريتانيا في مواجهة "الإرهاب"، قائلة: "للمفارقة المشينة، نحن لا نحارب الإرهاب، بل نقوم بتوطينه ورعايته في البلاد بشكل رسمي؛ فمنذ اليوم الذي أعلنت فيه بلادنا أنها تحارب التطرف العنيف، لم نر برنامجا تلفزيونيا موجها لمحاربة الإرهاب، ولم نر برنامجا معتمدا للمناهج المدرسية ولا آخر للجامعات".

وحذرت مما وصفته بـ "خطورة انتشار ظاهرة التكفير والتحريض في البلاد بطريقة مقلقة، خاصة أن المتهمين السابقين بالإرهاب يحظون بلقاءات متلفزة، ويسيطرون على منابر المساجد، ويحظون بجاه اجتماعي لا يستحقونه، بينما هم ينشرون فكرهم كما يشاؤون وبلا أي رقابة عليهم".

وبمناسبة اليوم الدولي للمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان في 9 كانون الأول/ ديسمبر 2020، فازت مكفولة بنت إبراهيم بالجائزة الإقليمية الأفريقية المقدمة من مؤسسة "فرونت لاين ديفندرز" (Front Line Defenders) لعام 2020.


النقاش (0)