قضايا وآراء

المنطقة الآمنة ومفارقات المصالح الاستراتيجية

حسين عبد العزيز
عربي21

ليس عودة الحديث التركي عن منطقة آمنة شمال سوريا ناجمة عن الهجمات التي تشنها بين الحين والآخر "وحدات حماية الشعب الكردي" ضد تركيا كما صرح وزير الخارجية مولود جاووش أوغلو، فهذه هجمات لا تشكل أي تهديد عسكري لتركيا.

المسألة لا تتعلق بمتغيرات داخل الساحة الجغرافية السورية، فالستاتيكو العسكري ما زال قائمة ولم يتغير منذ آخر عملية عسكرية جرت في الشمال السوري منذ نحو عامين.

يتعلق الأمر باستثمار الظرف الدولي، حيث تبدو روسيا والولايات المتحدة بحاجة شديدة إلى تركيا فيما يتعلق بالأزمة الأوكرانية كل لأسبابه، خصوصا بعيد قرار فنلندا والسويد الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو).

ليست روسيا كما السابق في وارد توتير العلاقة مع تركيا في مرحلة يبدو فيها صناع القرار في الكرملين بحاجة إلى قدر أوسع من التحالفات أو التفاهمات مع بعض الدول، ومنهم تركيا، ولا الولايات المتحدة في وارد توتير العلاقة مع تركيا في هذا الظرف ودفعها باتجاه موسكو.

لا تشكل العملية العسكرية التركية تهديدا مباشرا لروسيا، ولا للنظام السوري، فهي ستكون ضمن مناطق سيطرة "قوات سورية الديمقراطية" المدعومة أمريكيا.

والأهم من ذلك، أن منطقة شمال سوريا، تحولت خلال الأعوام الماضية إلى ما يمكن تسميته لعبة الشطرنج بين الثلاثي الأميركي والتركي والروسي، فلا خطوط حمراء ثابتة، بقدر ما هنالك خطوط تماس قابلة للتغير تبعا لمتغيرات الوضعين الإقليمي والدولي، وطبيعة المصالح المتشابكة بين تركيا من جهة وكل من روسيا والولايات المتحدة من جهة أخرى.

ثمة تصريحان لافتان لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف: الأول حين قال إن تركيا لن تبقى صامتة حيال تطورات المشهد في الشمال السوري، وهذا من حقها، وأن الوجود الأميركي هناك غير شرعي وهدفه تفتيت سوريا، والثاني ما أكده على تفهم روسيا للمصالح الأمنية التركية، وضرورة تنفيذ الاتفاقيات المتعلقة بإدلب، ما يشير إلى عدم وجود اعتراض روسي على العملية العسكرية، التي ستكون وفق محورين جغرافيين، أو ثلاثة محاور: الأول منبج في الشمال الغربي لمحافظة حلب، والثاني تل رفعت في الشمال الغربي من المحافظة على الطريق الواصلة بين مدينة حلب جنوبا وإعزاز شمالا، والثالث عين عيسى شمالي محافظة الرقة.

 

يكمن الاعتراض الروسي ـ الأمريكي على العملية العسكرية التركية، في أن هذه العملية ستمنح تركيا تواصلا جغرافيا من أقصى الغرب السوري (إدلب) إلى الشرق السوري (الحسكة).

 



ومع ذلك، فالطريق ليست معبدة أمام تركيا لشن العملية العسكرية، وهذا هو السبب الذي كان وراء تأخيرها، حيث ثمة اعتراض أميركي لتغيير خطوط التماس في الشمال السوري، مع تواجد قوات أميركية في المنطقة، فضلا عن أن منطقة منبج ذات أهمية كبيرة لروسيا والولايات المتحدة على السواء، فهي تقاطع طرق استراتيجي يمر منها الخط الدولي "M 4"، وهي تشكل نقطة فصل جغرافي بين مناطق سيطرة المعارضة السورية المدعومة من تركيا.

يكمن الاعتراض الروسي ـ الأمريكي على العملية العسكرية التركية، في أن هذه العملية ستمنح تركيا تواصلا جغرافيا من أقصى الغرب السوري (إدلب) إلى الشرق السوري (الحسكة).

على أن الأخطر من ذلك، هو رغبة تركيا في تحويل هذه المناطق إلى مكان لعودة اللاجئين السوريين، ما يعني استراتيجيا أن هذه المناطق ستكون خارج دائرة الصراع مستقبلا، وهذا مطلب تركي منذ سنوات، وما حديث تركيا عن عودة مليون سوري إلى الشمال نابع عن خناق اقتصادي، وإنما رغبة في تحويل الشمال السوري الخاضع للسيطرة التركية إلى منطقة آمنة خارج التنازع العسكري، وهذا لا يكون إلى إذا تحولت المنطقة إلى مكان لعودة اللاجئين، بما يمنع سياسة أنقرة دعما دوليا، خصوصا من قبل الدول الأوروبية، التي تريد تجفيف منابع اللجوء وإنهاء هذا الملف مع تركيا.

من هنا، يكمن الخوف الروسي ـ الأمريكي، في أن تصبح لتركيا اليد الطولى في الشمال، ويجعلها داخل العمق السوري.

ولا يكمن قرار أنقرة بتأخير العملية التركية في أن هناك فيتو على هذه العملية، فقد بينت التجارب السابقة خلال السنوات الست الماضية أن تصريحات الرئيس التركي حيال العمليات العسكرية تحققت جميعها، وفي ظل مناخ محلي وإقليمي ودولي لم يكن مؤاتيا لتركيا كما هو الحال اليوم، لكن الأمر يتعلق بتفاهمات داخل الجغرافيا السورية (تبادل للأراضي في محافظة إدلب) وربما بتفاهمات تتجاوز الجغرافيا السورية، خصوصا بين روسيا وتركيا، ربما تكون داخل الجغرافية الأوكرانية، أو على صعيد الملف الاقتصادي بين البلدين.

على الأغلب، لن تبدأ العملية العسكرية التركية قبيل زيارة وزير الخارجية الروسي إلى أنقرة بعد أيام.

*إعلامي وكاتب سوري


النقاش (0)