قضايا وآراء

هل تشهد المنطقة نشوء تحالفات جديدة؟

غازي دحمان
عربي21

كان للحرب الأوكرانية وقرب التوصل لاتفاق نووي بين إيران وأمريكا تأثير واضح على علاقات واشنطن بالدول الفاعلة في المنطقة، السعودية والإمارات وإسرائيل، حيث شكلت هذه الأطراف محركا لنشاط دبلوماسي بدا الهدف منه الاستجابة للتداعيات التي قد تنتجها التطورات على صعيد الملفين الأوكراني والإيراني.

وذهبت الكثير من القراءات إلى وصف ما يحدث بأنه محاولة لصياغة تحالفات جديدة في إقليم الشرق الأوسط، الذي يشهد، كغيره من الأقاليم الفرعية في النظام العالمي، انعكاسات التغيرات الحادثة في بنية النظام الدولي.

وتشكّل ردة الفعل على السلوك الأمريكي أحد ركائز تشكيل التحالفات في المنطقة، ذلك أن أقطاب هذه التحالفات هم أصدقاء أمريكا، الذين ارتبطوا معها تاريخيا باتفاقيات وتفاهمات أمنية مديدة، شكلت أحد أهم أسس العلاقات الدولية في هذه المنطقة.

نبه ظهور الصين كقطب دولي صاعد بقوة النخب الأمريكية إلى مراجعة أسباب ضعف التأثير الأمريكي عالمياً، وكان واضحا رد ذلك إلى الانخراط الأمريكي الكثيف في حروب الشرق الأوسط (أفغانستان والعراق)، وانغماسها الزائد عن حاجة أمريكا الاستراتيجية في قضايا الشرق الأوسط

وقد نبه ظهور الصين كقطب دولي صاعد بقوة النخب الأمريكية إلى مراجعة أسباب ضعف التأثير الأمريكي عالميا، وكان واضحا رد ذلك إلى الانخراط الأمريكي الكثيف في حروب الشرق الأوسط (أفغانستان والعراق)، وانغماسها الزائد عن حاجة أمريكا الاستراتيجية في قضايا الشرق الأوسط. وقد وفرت زيادة إنتاج النفط منبرا لدعاوى تيارات أمريكية تدعو لانفكاك أمريكا عن القضايا والمناطق، التي تستوجب استدامة التدخل فيها تكاليف كبيرة؛ تعيق الأمريكيين عن مواكبة منافسة الصين في العقود المقبلة، وتوفير هذه الإمكانيات في ما يصوره بعض الأمريكيين بحرب الوجود في مواجهة الصعود الصيني.

ترتب على ذلك تراجع الرغبة الأمريكية في استخدام القوّة لمساندة حلفائها، ورغبتها في الانخراط بتسويات تضر حلفائها بدرجة كبيرة. وكانت إيران هي المستفيد الأول من هذا التحوّل، إذ بدا من السلوك الذي اتبعته الإدارات الأمريكية تجاه أفعال إيران أن واشنطن تتعامل مع طهران بوصفها ندا لها، وهو ما انعكس على قواعد الاشتباك بين الطرفين في المنطقة، فأصبحت القوات الأمريكية ترد على الضربات الإيرانية لها في سوريا والعراق ضمن حدود معينة، وقبلت معادلة الرد على ضرباتها من قبل الإيرانيين، كما أنها أزالت الحوثيين من قوائم الإرهاب تمهيدا لعقد التسوية النووية مع إيران، وتبدو على استعداد للتغاضي عن أنشطة إيران الإقليمية وبرامج الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيرة، التي تشكل مخاطر كبيرة على الأمن الإقليمي.

المشكلة في السلوك الأمريكي أنه خلق فراغات أمنية في المناطق، التي سبق أن أقام مع أطرافها آليات تنسيق دفاعية وهياكل أمنية؛ أصبحت مع الزمن جزءا أساسيا من منظومات الدفاع والحماية الإقليمية، ومن ثم فإن الانفكاك عنها خلق نوعا من اختلال موازين القوى ترجمه وكلاء إيران عبر استهداف الرياض وأبو ظبي.
المشكلة في السلوك الأمريكي أنه خلق فراغات أمنية في المناطق التي سبق أن أقام مع أطرافها آليات تنسيق دفاعية وهياكل أمنية؛ أصبحت مع الزمن جزءا أساسيا من منظومات الدفاع والحماية الإقليمية، ومن ثم فإن الانفكاك عنها خلق نوعا من اختلال موازين القوى

وتمثّل الاستهداف الأخطر في ضرب منشآت الطاقة في السعودية وعدم الرد الأمريكي، الأمر الذي فهم على أنه رفع يد واشنطن عن حماية إنتاج النفط وخطوط نقله، الذي لطالما شكّل محور الاستراتيجيات الأمنية الأمريكية على مدار العقود السابقة، وحوّل إيران إلى لاعب مؤثر في مسألة النفط التي تعتبر أكثر المسائل حساسية في الأمن الاقتصادي العالمي.

السؤال الذي يطرح نفسه: ما هي المسارات المحتملة للعلاقات الناشئة في المنطقة؟ ثمة ثلاثة سيناريوهات تبدو محتملة:

أولا: تطوير الديناميات الإقليمية باتجاه تشكيل تحالف إقليمي أمني وسياسي واقتصادي، إذ حسب المعطيات، فقد شكّلت مجموعة الاتفاقيات والتفاهمات التي جرت بين مجموعة من الدول روافع مهمة لتشكيل هذا التحالف، كما تشكل المتغيرات محركات لتسريع إنجاز هذا التحالف. والمتوقع أن يتم تدعيم هذا التحالف بمزيد من الاتفاقيات التي ستساعد في تشبيك العلاقات بين الفواعل؛ بدرجة تجعل التحالف مخرجا طبيعيا لهذا الواقع.

ما يدعم هذا السيناريو، أن جملة الاتفاقيات وآليات التعاون والتنسيق بين الفواعل الإقليمية، ستؤدي إلى تغيير تدريجي في المشهد الجيوسياسي في المنطقة.

ثانيا: سيطرة الحسابات الخاصة بالأطراف وحساسيتها تجاه التحالف الإقليمي وردود الفعل الداخلية والإقليمية عليه، مثل اختلاف ترتيب مصادر التهديد. فما يشعر به طرف كتهديد رئيسي، قد لا يراه طرف آخر كذلك، خاصة الخطر الإيراني (مصر على سبيل المثال)، وكذلك الخوف لدى بعض الأطراف من الانخراط في التحالف، فيما الأمور مرشحة في الداخل الفلسطيني لمزيد من التأزم، الأمر الذي قد ينعكس على الأمن الداخلي (حالة الأردن).

من شأن هذه المعطيات تعطيل إنشاء تحالف إقليمي أمني، أو تأخيرها إلى وقت طويل في أقل تقدير، والتعامل مع الاتفاقيات والتفاهمات بشكل انتقائي، وفصل التعاون الاقتصادي والتنسيق الأمني الثنائي عن التحالفات العسكرية والأمنية.
نشوء أكثر من تكتل أو محور إقليمي بالوقت نفسه، بحيث تكون هذه المحاور مرنة تسمح للطرف الواحد التحرك ضمن أكثر من محور بالوقت نفسه. هذه الحالة ستكون استمرارا للأوضاع الحالية، لكن بصورة أكثر وضوحا، بمعنى أن هذا أفضل الممكن والمتاح

ثالثا: نشوء أكثر من تكتل أو محور إقليمي بالوقت نفسه، بحيث تكون هذه المحاور مرنة تسمح للطرف الواحد التحرك ضمن أكثر من محور بالوقت نفسه. هذه الحالة ستكون استمرارا للأوضاع الحالية، لكن بصورة أكثر وضوحا، بمعنى أن هذا أفضل الممكن والمتاح، كما سيكون التداخل بين الأحلاف والتكتلات أمرا طبيعيا، نظرا لتشابك وتعقّد المصالح بين الفواعل الإقليميين.

وفي جميع الأحوال، تبدو العودة إلى الماضي غير ممكنة، كما أن التكتلات الإقليمية ستكون عنوان المرحلة القادمة، كون التفاعلات التي ستنتجها الديناميات الجديدة ستفرض واقعا إقليميا مغايرا.

لكن، ثمّة عقبة أمام تطوير أي تحالفات إقليمية، تتمثل باستمرار تأزم الوضع الفلسطيني وعدم التوصل لحل سلمي عادل، إذ يصعب تصوّر حصول استقرار إقليمي في ظل سياسات إسرائيل الراهنة، وتوثب الروح الفلسطينية ومعاندتها مشاريع إلغاء الحق الفلسطيني، وما يعزّز ذلك عودة القضية الفلسطينية إلى واجهة اهتمامات الشعوب العربية، رغم كل ما قيل عن خروجها من دائرة التأثير الوجداني.

 

twitter.com/ghazidahman1
النقاش (0)