كتاب عربي 21

عن مسؤولية قبرص واليونان في النزاع الجاري بين لبنان وإسرائيل

علي باكير
مقال
مقال
يتصاعد التوتر مجددا بين لبنان وإسرائيل على خلفية إرسال الأخيرة سفينة إنيرجيا باور لاستخراج الغاز من حقل كاريش، الذي تقول الحكومة اللبنانية؛ إنّه يقع في منطقة متنازع عليها، فيما تدّعي إسرائيل أنّ منطقة الاستخراج تقع خارج أي مناطق متنازع عليها مع لبنان شرق البحر المتوسط.

الموقف اللبناني من التطورات المتعلقة بقرب تنصيب منصة الغاز الإسرائيلية، عكسته تصريحات لأطراف مختلفة؛ إذ حذرت الحكومة اللبنانية من أن التحركات الإسرائيلية تعد بمنزلة خطوة استفزازية، وأنّ أي تَعدٍّ على المنطقة المتنازع عليها في محاولة لفرض أمر واقع، هو خطوة في غاية الخطورة، ومن شأنها أن تؤدي إلى افتعال أزمة جديدة في المنطقة. أما الرئيس اللبناني، فقد طالب المؤسسة العسكرية بتوفير المعطيات الدقيقة عن الوضع المتفاقم ليُبنى على الشيء مقتضاه، كما اعتبر الرئيس اللبناني أن أي عمل في المنطقة المتنازع عليها بشكل استفزازا وعملا عدائيا. وناشدت الرئاسة والحكومة اللبنانية الوسيط الأمريكي باستئناف دوره في هذا الصدد.

أما حزب الله، فقد حذر إسرائيل من مغبة استغلال الوضع لإقامة أمر واقع، وأن حزب الله قادر على منع إسرائيل من استخراج الغاز، مشيرا إلى أنه باستطاعته استهداف المنصة إن اقتضت حماية مصالح لبنان ذلك. لكن بدا لافتا أن حزب الله يختبئ خلف الدولة اللبنانية في هذا الملف؛ خوفا من أن يتم لومه على أي تصعيد يجري في هذا السبب وتطال تداعياته لبنان، خاصة أن اللبنانيين ليسوا موحدين إزاء ملف المفاوضات مع إسرائيل، كما أن للموقف الإيراني حساباته وتأثيراته وتداعياته على موقف وسلوك حزب الله من هذا الملف.
بدا لافتا أن حزب الله يختبئ خلف الدولة اللبنانية في هذا الملف؛ خوفا من أن يتم لومه على أي تصعيد يجري في هذا السبب وتطال تداعياته لبنان، خاصة أن اللبنانيين ليسوا موحدين إزاء ملف المفاوضات مع إسرائيل، كما أن للموقف الإيراني حساباته وتأثيراته وتداعياته على موقف وسلوك حزب الله من هذا الملف

من جهتها، ردت إسرائيل على تحذيرات حزب الله بتأكيد مواصلتها العمل في خطتها، وأشار وزير المالية الإسرائيلي إلى أنه لا أحد باستطاعته أن يملي على إسرائيل ما إذا كانت ستستخرج الغاز من "مياهها" أم لا.

وقالت هيئة البث الإسرائيلية؛ إن سلاح البحرية يستعد لاحتمال تعرض منصة الغاز "كاريش" عند حدود لبنان البحرية لهجوم، وأنه سيقوم بنقل نظام دفاعي لحمايتها، وسيتم نشر قطع بحرية فوق وتحت الماء لحماية المنشأة، والرد على أي تهديد محتمل.

وكانت الولايات المتّحدة قد تولت جهود الوساطة الأساسية في ملف النزاع على ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، لا سيما منذ العام 2012. وامتدت جهود الوساطة هذه على أربع مراحل أساسية، كان آخرها في العام 2019-2020 وتمّ خلاله تحديد آلية التفاوض بين الطرفين، دون أن يحصل تقدّم حقيقي فيما بعد في التفاوض بسبب عوامل كثيرة؛ كان من بينها توسيع كل من الطرفين دائرة مطالبهما البحرية في محاولة لتحسين وضعهما التفاوضي ورفع سقف التفاوض.
يعتبر النزاع اللبناني- الإسرائيلي على ترسيم الحدود البحرية والاستفادة من ثروات النفط والغاز شرق البحر المتوسط، جزءا من صراع أوسع وأشمل؛ يضم عدة نزاعات متداخلة

ويعتبر النزاع اللبناني- الإسرائيلي على ترسيم الحدود البحرية والاستفادة من ثروات النفط والغاز شرق البحر المتوسط جزءا من صراع أوسع وأشمل؛ يضم عدة نزاعات متداخلة بين كل من تركيا وقبرص، والقبارصة الأتراك والقبارصة اليونانين، وتركيا واليونان، واليونان وليبيا، ومصر وليبيا، وإسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية، ولبنان وقبرص، وسوريا ولبنان.

ويعود هذا التشعب في المشكلة في أصله إلى دولة واحدة شرق البحر المتوسط، ألا وهي قبرص المدعومة من قبل اليونان ومن خلفهما الاتحاد الأوروبي. إن تداخل الادعاءات البحرية للكثير من الدول شرق البحر المتوسط، ناهيك عن اعتمادها معايير وقواعد مختلفة لتحديد حقوقها وعدم وجود أرضية مشتركة للتفاوض، كان يقتضي ضرورة عدم القيام بإجراءات أحادية الجانب من أي طرف، وجلوس جميع الأطراف المعنية على طاولة المفاوضات للتوصل إلى تفاهمات تقضي بتقاسم عادل للثروات واستفادة الجميع منها في الاستهلاك والتصدير.

لكن الذي حصل أنّ قبرص قررت الذهاب منفردة في العام 2003 في إجراءات غيّرت من معالم شرق البحر المتوسط، وأدخلت باقي الدول في صراع بعضها مع بعض. ففي العام 2003 وقعت قبرص اتفاقية مع مصر، وفي العام 2007 وقعت مع لبنان، وفي العام 2010 وقعت مع إسرائيل. أدت هذه الاتفاقيات إلى مشاكل مع دول أخرى، حيث رفضت تركيا الاعتراف بالإجراءات القبرصية الأحادية التي انتهكت حقوقها، وحقوق القبارصة الأتراك. كما تعارضت اتفاقية قبرص- إسرائيل مع الاتفاقية التي كانت قبرص قد وقعتها مع لبنان، وهو ما خلق المشكلة التي يعاني منها لبنان اليوم، والتوتر الحاصل بين بيروت وتل أبيب حول الحقوق البحرية شرق البحر المتوسط.
لا حل دائم ونهائي شرق البحر المتوسط؛ ما لم يتم تصحيح الإجراءات الأحادية الجانب التي تتخذها قبرص واليونان بدعم من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية

اليونان، الداعم الأساسي لقبرص والطفل المدلل للاتحاد الأوروبي، أدت دورا أساسيا في تفاقم الخلافات شرق المتوسط، سواء من خلال دعمها قبرص، أو المطالبة بادعاءات لمساحات بحرية كبيرة لا سيما مع تركيا، أو من خلال جهودها لعزل المزيد من الدول في المنطقة، واقتراحها خط أنابيب "إيست مد" بدعم أوروبي، وأخيرا من خلال شركاتها.

في الحالة اللبنانية، فإن الشركة التي تستعين بها إسرائيل لاستخراج الغاز من حقل كاريش موضوع الملف المتنازع عليه، هي شركة يونانية تدعى "إنيرجيان أويل آند غاز". وقد استثمرت الشركة في الحقل وحظيت على عدة عقود مع إسرائيل، وكانت تتوقع استخراج الغاز من الحقل المذكور في عام 2021، لكن العملية تأخرت قليلا. وتشارك الشركة اليونانية اليوم في التصعيد الجاري بين لبنان وإسرائيل من خلال مواصلتها العمل هناك.

خلاصة القول بأن لا حل دائم ونهائي شرق البحر المتوسط؛ ما لم يتم تصحيح الإجراءات الأحادية الجانب التي تتخذها قبرص واليونان، بدعم من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية. إلى أي مدى قد تقوم هذه القوى بمراجعة موقفها من قبرص واليونان؟ قد لا نضطر إلى الانتظار طويلا لمعرفة ذلك.
النقاش (0)