ملفات وتقارير

هكذا يحارب الاحتلال الإسرائيلي تجار القدس

 يستخدم الاحتلال الضرائب كسلاح يحارب فيه تجار القدس
يستخدم الاحتلال الضرائب كسلاح يحارب فيه تجار القدس

لا تقتصر اعتداءات الاحتلال على المقدسيين على الاعتقال أو الضرب أو إعدامهم بدم بارد أو هدم البيوت، بل كذلك تصل للاقتصاد المقدسي عبر هدم المحال التجارية وفرض الضرائب والتضييق على التجار وعملهم في المدينة المقدسة.

وقامت سلطات الاحتلال خلال السنوات القليلة الماضية بهدم عدد كبير من المحال التجارية، منها مثلا هدم 8 محلات في بلدة سلوان عام 2021، وهدم محلات في أحياء متفرقة في المدينة، كذلك توجيه أوامر هدم لمحلات في وادي الجوز.

جدار الفصل العنصري والحواجز

ويتبع الاحتلال أساليب عدة للتضييق على التجار المقدسيين والاقتصاد المقدسي، ومنها استخدام وسائل تُقلل من عدد زائري المدينة من الضفة الغربية وغيرها من مناطق الداخل الفلسطيني في أراضي 48.

ووفقا لمدير عام الغرفة التجارية الصناعية العربية في القدس، لؤي الحسيني، "يُعد حصار مدينة القدس أحد أساليب المضايقة التي يتبعها الاحتلال، حيث بنى الاحتلال فعليا سورا حول المدينة يمنع دخول أهل الضفة إليها".

وأوضح الحسيني خلال حديثه لـ"عربي21"، أن "بناء هذا السور أثر كثيرا على الحركة التجارية في المدينة، حيث تعتمد بشكل كبير على الطلب التجاري الذي يأتي أولا من المقدسيين، وثانيا من بقية مدن الضفة الغربية والسياحة، وبالطبع السور منع وصول أهل الضفة للمدينة وهم النسبة الأعلى من المتسوقين".

ومن أساليب التضييق التي يستخدمها الاحتلال ضد سكان المدينة المقدسة بشكل عام وتجارها بشكل خاص وفقا للحسيني هي الحواجز الأمنية، ويقول الحسيني إن "الاحتلال يضع حواجز أمنية على مداخل البلدة القديمة وفي داخلها أيضا".

لافتا إلى أن "هذه الحواجز تؤثر على عدد القادمين للمدينة من مدن الضفة الغربية، حيث يتعرض كل مواطن فلسطيني يحاول دخول البلدة القديمة للتفتيش القاسي والمهين والإذلال والتعطيل، وهذه الممارسات على الحواجز تحد من قدرة دخول أهلنا في الضفة الغربية إلى البلدة القديمة".

وأكد أن "عدد سكان البلدة القديمة يبلغ حوالي 30 ألفا، ولكن الحواجز تؤثر على 400 ألف مواطن فلسطيني من خارجها، وبالتالي حينما يحصر الاحتلال دخول البلدة القديمة على قاطنيها فقط فإنه بذلك يحد من الحركة التجارية، ما يؤدي لتضرر المحال التجارية".

 



توقف السياحة الداخلية

وتُشكل السياحة أحد أهم روافد الاقتصاد المقدسي، حيث تحتوي المدينة المقدسة على العديد من المعالم التاريخية الدينية سواء الإسلامية أو المسيحية، ووفقا للمختصين من أبناء المدينة تأثرت السياحة كثيرا نتيجة ممارسات الاحتلال والإغلاقات التي فرضها على المدينة.

وقال مدير مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية في مدينة القدس، زياد الحموري، إن المقدسيين ومنهم التجار تعرضوا لضربة كبيرة بعد اتفاقية أوسلو وما تبعها من إغلاق كل المنافذ للضفة الغربية وعزل القدس عن محيطها الفلسطيني.

وأوضح الحموري خلال حديثه لـ"عربي21"، أن الأثر السلبي لإغلاق المنافذ "نتج عن أن المدينة تعتمد على السياحة الخارجية التي لها ارتباط بالتاريخ والدين، والداخلية المرتبطة بالضفة الغربية والقرى المحيطة بالقدس، وخاصة أن السياحة كانت إحدى أكبر وسائل الدعم الاقتصادي للقدس".

ولفت إلى أنه "بعد اتفاقية أوسلو أُغلقت السياحة الداخلية تماما، وبقيت السياحة الخارجية المرتبطة بالدين والتاريخ، والتي بنهاية المطاف هي بيد السلطات الإسرائيلية حيث تسيطر عليها بشكل واضح، حيث يوجه الأدلاء السياحيون السياح للمنطقة اليهودية".

وأضاف: "بالتالي حتى هذا القطاع الذي كان عمليا قبل الاحتلال يضم 2200 غرفة فندقية، اليوم تقريبا بقي نصف هذا العدد، إضافة إلى وجود فنادق إسرائيلية تم بناؤها على أراضي 67 وبالتالي تنافس بقوة الفنادق الفلسطينية".

وأشار الحموري إلى أن "الوضع الاقتصادي العام في القدس يشكل وسيلة ضغط أخرى على تجارها، حيث أن نسبة كبيرة من المقدسيين أي ما يقرب 78-80 في المائة يعيشون تحت خط الفقر، وهذا الأمر يضعف الاقتصاد المقدسي، وهو قضية مدروسة ومخطط لها، حيث يعتبر الاقتصاد أحد الضغوطات الهائلة التي تم استخدامها كوسيلة ضغط على المقدسيين لدفعهم لترك المدينة".

وتابع: "اليوم المعركة الديمغرافية بدأت بشكل واضح في القدس، وواحدة من العوامل الكبيرة التي يمكن أن يستفيد منها الاحتلال في هذه المعركة هي القضية الاقتصادية والتي تشكل بيئة طاردة للمواطن المقدسي، خاصة أن النسبة الكبيرة من مواطني المدينة يعيشون تحت خط الفقر بالتالي سيضطرون للبحث عن مكان آخر حتى يستطيعوا أن يعيشوا".

ونبه إلى أن "هدم البيوت لا يشمل ضررها التشريد فقط، بل الاقتصاد المقدسي ككل، حيث يكلف بناء البيوت وتراخيصها وكذلك هدمها والغرامات التي يدفعها مالكوها سواء تكلفة الهدم أو غيرها مبالغ كبيرة جدا، وبالتالي حينما يُهدم البيت أو يفرض على مالكه غرامات عالية جدا يزداد العبء الاقتصادي على المواطن، وبالتالي ضمنا ستتأثر قدرته الشرائية ما يؤدي لتأثر الحركة الاقتصادية والتجارية المقدسية سلبيا بشكل عام".

 



الضرائب

من البديهي أن يتم فرض ضرائب في أي دولة أو أي مكان في العالم على الشركات والمحال التجارية، ولكن يتم مقابل ذلك تقديم خدمات وتسهيلات حكومية للاقتصاديين والتجار تسهل عملهم وتشجعهم على الاستثمار.

إلا أنه في مدينة القدس يستخدم الاحتلال الضرائب كسلاح يحارب فيه تجار القدس، مع عدم تقديم خدمات تتناسب وحجم هذه الضرائب، وعلى العكس من ذلك يقدم خدمات فائقة وعالية المستوى للتجار الإسرائيليين في القدس الغربية.

وبحسب لؤي الحسيني، المدير العام للغرفة التجارية الصناعية العربية في القدس، "يفرض الاحتلال ضرائب باهظة على أهلنا في القدس وبالذات البلدة القديمة دون تقديم خدمات مثل تلك التي يقدمها في الجانب الغربي لمدينة القدس للتجار الإسرائيليين، حيث توجد هناك مواقف للسيارات وأماكن للمواصلات العامة، كذلك هناك نقاط لتحميل وتنزيل البضائع، بينما في شرقي القدس منع الاحتلال هذه الخدمات".

وأضاف: "مثلا يعتمد 40 في المائة من اقتصاد القدس على السياحة مثل الفنادق والمطاعم وأماكن بيع التحف الشرقية، لكن هذه المرافق السياحية تعاني من مشاكل عدة نتيجة عدم تقديم الاحتلال الخدمات، ومنها عدم وجود أماكن لوقوف الحافلات السياحية أو سيارات تنزيل البضائع وتجهيزات المطاعم الموجودة في هذه الفنادق، بالتالي لا توجد خدمات مقدمة للتجار أو أصحاب الأعمال السياحية".

وأوضح الحسيني أن "هناك عدة ضرائب يفرضها الاحتلال على التاجر المقدسي، منها مثلا ضريبة الأرنونا، والتي تبلغ قيمتها 400-500 شيقل أي ما يعادل 100 دينار أردني على المتر المربع الواحد، بمعنى إذا كان التاجر يملك محلا مساحته 100 متر مربع يدفع عليه سنويا 10 آلاف دينار ما يعادل تقريبا 14 ألف دولار".

وأضاف: "هناك أيضا ضريبة التأمين الوطني وضريبة الدخل والقيمة المضافة وهذه كلها نسبها عالية جدا، نعم يمكن دفعها لو كانت هناك حركة تجارية نشطة وتأخذ خدمات ولكن لا توجد هذه الخدمات، ولا توجد حركة تجارية نشطة نتيجة ممارسات الاحتلال على عكس القسم الغربي من المدينة".

ولفت الحسيني إلى أنه "على الرغم من حجم الضرائب الكثيرة التي يدفعها التاجر المقدسي فإنه لا يتلقى الكثير من الخدمات ومنها مثلا جمع النفايات، والتي حتى هي يوجد فيها تمييز بين شرقي القدس وتجارها الفلسطينيين والتجار الإسرائيليين في القسم الغربي من المدينة، حيث يقومون بجمعها في الغربية، بالمقابل لا يفعلون ذلك في البلدة القديمة مما يؤدي لتراكم النفايات في الشوارع المهملة أصلا، ما يساهم في التأثير السلبي على سكان المدينة بشكل عام وتجارها بشكل خاص".

وأشار إلى أن "التراخيص والقوانين هي أيضا أحد أساليب التضييق التي يستخدمها الاحتلال ضد تجار القدس، حيث تأثر الكثير منهم بما يسمى قانون أملاك الغائبين".

وأضاف: "وفقا لهذا القانون هناك عقارات سواء بيوتا أو متاجر هي فعليا ملك لدولة الاحتلال، وهذا الأمر شكل معضلة للتجار والسكان على حد سواء، فمثلا شخص كان يقيم بالقدس قبل الـ 48 أو الـ 67 وذهب للأردن عندها أصبحت أملاكه ملكا لدولة الاحتلال، وهذا الأمر يجعل قضايا الملكية ونقلها أمرا صعبا".

استخدام جائحة كورونا كذريعة

كما تضرر العالم أجمع خلال العامين الماضيين من آثار جائحة كورونا سواء صحيا أو اقتصاديا، كذلك تأثر سكان القدس واقتصادها وتجارها، حيث استخدم الاحتلال الجائحة ووسائل الحماية منها الإغلاقات وفرض لبس الكمامة وسيلة وذريعة لزيادة التضييق على التاجر الفلسطيني.

ووفقا للتاجر المقدسي حبيب الحروب فقد "أجبرت سلطات الاحتلال جميع المحلات التجارية ما عدا محال البقالة على الإغلاق التام، كذلك أغلقت البلد ومنعت أي مواطن فلسطيني من خارج المدينة من القدوم للقدس أو البلدة القديمة إلا إذا كان عنوان سكنه في مدينة القدس".

وأوضح الحروب وهو صاحب محل لبيع الآثار والفخاريات والتحف الشرقية، خلال حديثه لـ"عربي21"، أن "هذا الإغلاق فقط كان في مدينة القدس للمحلات التي يمتلكها الفلسطينيون، بالمقابل لم يتم تطبيق قرار الإغلاق في مدن الداخل في أراضي 48 على المحلات الإسرائيلية".

وأشار إلى أن "سلطات الاحتلال فرضت ضرائب وغرامات إضافية على تجار القدس بحجة مخالفة قراراتها حول طرق منع تفشي الجائحة"، مضيفا: "أنا مثلا تم فرض غرامتين ماليتين على محلي قيمة كل واحدة منها 5000 شيقل أي ما يعادل 1500 دولار، وذلك لأنني قمت فقط بفتح محلي لتهويته، خاصة أن بضاعتي هي آثار وفخاريات قديمة وتحتاج لتهوية حتى لا تتلف".

وأكد الحروب أن "الاحتلال الإسرائيلي استغل أيضا جائحة كورونا عبر زيادة مضايقاته للمقدسيين من خلال فرض غرامات مالية كبيرة بحجة عدم لبس الكمامة".

ولفت إلى أنه "نتيجة للوضع الاقتصادي المتردي ومضايقات الاحتلال اليومية لتجار القدس فهم يعانون حاليا الأمرين، حيث لا يتجاوز دخل معظمهم اليومي 500 شيقل أي ما يعادل 100 دينار أردني، وهذا المبلغ لا يكفي لأبسط الحقوق أو الواجبات التي تترتب على التاجر المقدسي، ومع ذلك ندعو جميع المواطنين والسياح للقدوم لمدينة القدس لتثبيت ودعم صمود التجار في هذه المدينة العريقة العربية الإسلامية، حتى نستطيع مواجهة الضغوطات الإسرائيلية ومنها مواجهة التهجير".

وقال خاتما حديثه: "مع ذلك المواطنون المقدسيون صامدون والحمد لله موجودون وباقون إلى الآن في مدينة القدس".

 



المطلوب عربيا وفلسطينيا

وكانت بعض الدول العربية التي طبعت مؤخرا مع الاحتلال تذرعت بأن هذا التطبيع هو لمصلحة الفلسطينيين ولتعزيز صمودهم ولإنجاح عملية السلام.

وقال وزير الدولة للشؤون الخارجية في الإمارات، أنور قرقاش، عقب توقيع بلاده معاهدة سلام مع الاحتلال الإسرائيلي، إن تطبيع بلاده العلاقات مع إسرائيل كان ضروريا لمنع الإسرائيليين من فرض السيادة على أجزاء من الضفة الغربية المحتلة.

وقال قرقاش في تصريح لـ"بي بي سي" آنذاك، إن خطة الضم الإسرائيلية كانت ستقضي تماما على حل الدولتين للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني.

كذلك قررت الدول العربية في القمة العربية التي أقيمت في مدينة سرت الليبية عام 2010 تخصيص 500 مليون دولار لدعم مدينة القدس، فهل فعلا قدمت هذه الدول العربية هذه الأموال؟ وما المطلوب منها فعلا لدعم المقدسيين بشكل عام والاقتصاد المقدسي وتجار المدينة بشكل خاص؟ كذلك ما هو المطلوب من السلطة الفلسطينية؟

يقول الحسيني إن "أهل القدس حاليا يسمعون فقط شعارات، وهم لا يشعرون بأن هناك أحدا معهم، ومع ذلك هم باقون في مدينتهم إنسانيا واقتصاديا وهويتهم باقية".

وأضاف: "الحاجة أكبر من قدرة أي مؤسسة، وقدرة السلطة على التدخل في القدس محدودة بحكم الاتفاقيات التي وقعتها وتمنعها من التدخل بالمدينة، أيضا قدرتها المادية محدودة، وحاجة القدس لدعم الاقتصاد كبيرة لدرجة أصبح من الصعوبة لدول القيام بهذا الدعم، بالمقابل دولة الاحتلال تدعم مواطنيها في الجانب الاقتصادي".

وأشار إلى أنه "على الرغم من صعوبة الطلب من أي دولة عربية أن تدعم القدس اقتصاديا لوحدها وخاصة التي طبعت مع الاحتلال، ولكن على الأقل المطلوب هو زيارة القدس، حيث يعتمد أهل المدينة على السياحة، بالتالي مجرد زيارة أي شخص للمدينة والإقامة بفندق فإنه بذلك يساهم في تشغيل أكثر من قطاع سواء المطاعم أو المحال التجارية، وهذا يشكل دعما ماديا، بمعنى أن يزوروا القدس مباشرة وليس عبر وكالات سياحية إسرائيلية تكون منافسة لأهل القدس".

وحول ما إذا فكرت الدول العربية التي طبعت مؤخرا مع الاحتلال بدعم المقدسيين اقتصاديا سواء ماليا بشكل مباشر أو عبر الاستثمار، هل تستطيع هذه الدول العربية فعل ذلك، قال الحسيني: "بإمكان أي شخص لديه الرغبة الحقيقية ولديه القدرة دعم أهالي القدس وتجارها".

وأوضح أنه "حتى لو كانت أي دولة عربية ليس لها علاقات مع إسرائيل ولا يستطيع مواطنوها زيارة المدينة، بإمكانها تشغيل الفلسطينيين عن بعد، مثلا المبرمجين حيث لدينا في الغرفة التجارية برامج تدريب للشباب المقدسي على العديد من التخصصات التكنولوجية والتقنية مثل الذكاء الاصطناعي والتصميم وغيرها".

وأضاف: "هذه المهن يمكن العمل فيها عن بعد، بالتالي بإمكان من يريد دعم أهالي القدس تشغيل شبابها عن بعد، حتى لا يضطر الشاب الفلسطيني ابن القدس الذي تدرب وتعلم إلى العمل في شركات إسرائيلية لا تخدم وجوده وصموده ولا تدعم الاقتصاد المقدسي".

ونبه الحسيني إلى أنه "يمكن للدول العربية مشاركة الفلسطينيين في الاستثمار في القدس، فالمدينة كانت قبل جائحة كورونا بحاجة واضحة لغرف فندقية حيث كان في القدس بعد 1967 40 فندقا، أما الآن فهناك 20 فقط، بالتالي ليس من المعقول مثلا أن يحصل أهل القدس العربية في البلدة القديمة فقط على 10 دولارات من كل 100 دولار يصرفها السائح، نتيجة لقلة الفنادق العربية".

وحول ما إذا ظهر أثر الـ 500 مليون دولار التي أقرتها قمة سرت عام 2010 لدعم القدس على المدينة ككل واقتصادها بشكل خاص، قال الحسيني، إن "أثرها في القدس غير واضح، وإن مبلغ 500 مليون هو مبلغ متواضع إذا تكلمنا عن دول، ولكن حتى لو تمت مقارنة المبلغ الذي أقرته القمة العربية بما تقدمه الحكومة الإسرائيلية للقدس الغربية ستجد أنه أقل من ذلك بكثير، وبالتالي 500 مليون دولار لا نعلم كيف تم ترجمتها في المشاريع أو غيرها، ولكن على أرض الواقع لم نر منها شيئا".

 

النقاش (0)