قضايا وآراء

لقاح كورونا في مصر والتطعيم الزائف

مصطفى جاويش
1300x600
1300x600
خبر صادم نشرته المواقع الصحفية المصرية يؤكد أن لقاح سينوفاك فاكسيرا الذي وزعته وزارة الصحة على الفرق المنتشرة في القرى وأحياء المدن بمختلف المحافظات، لاستخدامه في إعطاء الجرعة التنشيطية للمواطنين، قد انتهت صلاحيته منذ أكثر من شهرين. ويكمن مصدر الخطورة في أن تلف اللقاح يعنى وجود حالة من الأمان الزائف عند المواطنين، كما أنه يزيد من ظاهرة اللقاحوفوبيا المنتشرة أصلا بين المصريين نحو اللقاح الصيني بصورة عامة.

ويزيد من خطورة الموقف أن برنامج التطعيم بلقاح كورونا ما زال متعثرا في مصر منذ بدايته، حيث أعلنت وزارة الصحة في منتصف العام الماضي عن إطلاق مبادرة رئاسية للوصول بنسبة التطعيم إلى 40 في المئة من عدد السكان بنهاية عام 2021، ولكن تلك المبادرة الرئاسية فشلت ميدانيا حيث كانت النسبة هي 20 في المئة فقط بنهاية العام. ثم أعلنت الوزارة عن الالتزام بخطة منظمة الصحة العالمية للوصول إلى نسبة تغطية قدرها 70 في المئة من السكان بحول شهر حزيران/ يونيو 2022، وتلك الخطة فشلت أيضا حيث بلغت نسبة 36 في المئة فقط من السكان خلال شهر حزيران/ يونيو 2022 الجاري حسب الإحصائيات الحكومية، وذلك بالمخالفة لتوصيات خطة منظمة الصحة العالمية.

قضية سلامة التطعيمات في مصر

ومن الغريب أن الغموض ما زال يحيط بحقيقة الجهة المسئولة عن إلقاء لقاح كورونا في القمامة بجوار إحدى القنوات المائية في صعيد مصر، رغم مرور أكثر من ثمانية أشهر على تلك الجريمة الصادمة، وزاد من ضبابية الموقف ما ورد في بيان النائب العام بعد تلك الواقعة بشهر حول ضرورة التزام الصمت وعدم نشر الإشاعات بخصوص واقعة ثانية أشد خطورة؛ تتضمن كشف   في وزارة الصحة، والتي شملت رئيس برنامج لقاح كورونا ومعه عدد آخر من كبار القيادات في قطاعات مختلفة بديوان عام الوزارة، شملت مكتب الوزير وقطاع العلاج الحر والتراخيص، برشوة بلغت 35 مليون جنيه مصري (ما يعادل 2.5 مليون دولار أمريكي حسب أسعار الصرف للعملة وقتها).

وبناء على بيان النيابة العامة في القضية الأولى بتاريخ 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2021؛ فقد تبين عثور المواطنين على عدة آلاف من عبوات لقاح كورونا من نوعية سينوفارم الصيني ملقاة في القمامة بجوار ترعة في قرية بمركز بني مزار بمحافظة المنيا جنوب القاهرة، يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وتبلغ قيمتها أكثر من خمسة ملايين جنيه مصري (حوالي 80 ألف دولار أمريكي)، حيث قررت النيابة التحفظ على اللقاح والأمر بحبس ثلاثة متهمين لمدة خمسة عشر يوما (وهم صيدلي وأمين مخزن وسائق)، واستكمال التحقيقات حول تلك القضية.

وقد تبين وجود تضارب في أقوال المتهمين حول سير الأحداث وظروف اختفاء كمية من اللقاح من مخازن مديرية الصحة في المحافظة، وفي خطوة لاحقة أعلنت النيابة عن بدء التحقيق مع سبعة أشخاص من المسئولين عن تأمين مخازن اللقاح في مديرية الصحة، حيث تبين أن السائق كان متعجلا في تسليم اللقاح والعودة إلى القاهرة، ثم توقفت بيانات النيابة وساد الصمت جميع وسائل الإعلام المصرية.

"سلسلة التبريد" وضمان الجودة في التطعيمات:

ومن المعروف أن نقل وتخزين وحفظ وتداول اللقاحات والتطعيمات بأنواعها المختلفة، للأطفال والكبار، يخضع لعدة إجراءات محكمة من خلال عملية مبرمجة تسمى "سلسلة التبريد"؛ والتي يتم دعمها من خلال منح وهبات مقدمة من منظمات وهيئات وبرامج صحية دولية. ومنذ نهاية تسعينيات القرن الماضي، فقد تم تزويد كل مديرية ومنطقة صحية بشاحنات مجهزة بمبردات محكمة الغلق والتأمين لنقل اللقاحات من المخازن المركزية لوزارة الصحة في القاهرة إلى مختلف المحافظات، تحت رقابة صارمة ونظام تتبع دقيق، ولها سائق خاص تم تدريبه على خصوصية وحساسية شحنات اللقاحات، وله مكافآت وحوافز خاصة لضمان جودة الأداء. ثم يتم تداول اللقاحات بدقة وجودة عالية من خلال فرق طبية مدربة ومؤهلة، مع مراعاة ضبط درجات الحرارة المناسبة خلال كل مرحلة من التداول لكل نوع، حتى يصل إلى المتلقي في أي مكان مع ضمان السلامة والأمان والفعالية لكل جرعة من اللقاحات المختلفة.

ويقوم قطاع الطب الوقائي بوزارة الصحة بتنفيذ حملات قومية ناجحة حسب خطط مبرمجة زمانيا ومكانيا ومشهود لها بالكفاءة على مدى سنوات طويلة، بالإضافة إلى تقديم التطعيمات الدورية اليومية للأطفال والنساء والمسافرين للخارج.
عدة احتمالات؛ الأول أن تكون تلك اللقاحات قد تم التخلص منها عن عمد بعد تسجيل أسماء وهمية لمواطنين حصلوا عليها، وذلك بغرض تحصيل الحوافز المالية مقابل الإنجاز الوهمي، خاصة وأن حملة "معا نطمئن سجل الآن" ممولة من هيئة التنمية الدولية الأمريكية بملايين الدولارات

قضية الرشوة بالصحة وقمة جبل الجليد لمنظومة الفساد:

جاء تقرير النيابة العامة ليكشف عن وجود خلل خطير في منظومة "سلسلة التبريد" الخاصة بلقاح كورونا، حيث أنه وبقراءة متأنية في بيان النيابة العامة حول القضية الأولى؛ تتضح عدة ثغرات كارثية في "سلسلة التبريد" ببرنامج لقاح كورونا، حيث اعترف أفراد الأمن بأن سائق الشاحنة عاد فورا إلى القاهرة، وهذا يعنى أن محافظة المنيا لا تمتلك شاحنة تبريد خاصة بها، ولا يوجد لديها سائق مدرب. وقد يكون اللقاح قد تم نقله بسيارة نقل عادية غير مجهزة وتلك كارثة صحية، مما يثير الكثير من المخاوف حول أمن وسلامة وصلاحية تداول اللقاحات في مصر حاليا؛ بخلاف ما هو مقرر عالميا حسب المعايير الصحية.

وكان من الواجب على وزارة الصحة المصرية أن تصدر بيانا تفصيليا واضحا عن مدى توفير المتطلبات والتجهيزات، وعن مدى كفاءة العنصر البشرى المؤهل لمسئولية نقل وحفظ وتداول اللقاحات، باعتبارها عقارات حساسة للضوء ودرجة الحرارة، وكان من المفروض على وزارة الصحة بيان حقيقة السيناريو الموازي والمتداول في مصر؛ والذي يطرح عدة احتمالات؛ الأول أن تكون تلك اللقاحات قد تم التخلص منها عن عمد بعد تسجيل أسماء وهمية لمواطنين حصلوا عليها، وذلك بغرض تحصيل الحوافز المالية مقابل الإنجاز الوهمي، خاصة وأن حملة "معا نطمئن سجل الآن" ممولة من هيئة التنمية الدولية الأمريكية بملايين الدولارات المخصصة للتدريب والتحفيز لفرق التطعيم للقاح كورونا (حسب ما أعلنه السفير الأمريكي بحضور السيسى في منتدى اشباب العالمي بشرم الشيخ)، مع ما هو معروف عن ضعف الرقابة والمتابعة. ويزيد من سهولة الإجراءات الوهمية حقيقة أن جميع أنواع لقاحات كورونا قد وردت إلى مصر بالمجان من خلال هبات ومعونات ومنح دولية.
متابعة ما ورد من أخبار حول تلك القضيتين بخصوص لقاح كورونا تلقي الضوء على مدى انتشار وتشعب منظومة الفساد في مصر، والتي ظهر منها قمة جبل الجليد فقط. وهذا يفسر بوضوح سبب الصمت والغموض حول التلاعب في كميات لقاح كورونا وحرمان المواطنين منها

وأخيرا، وبنهاية شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2021؛ وردت الأنباء حول قضية الرشوة والتي طالت رئيس برنامج لقاح كورونا، وذكرت الأخبار أن جهاز الرقابة الإدارية يتابع خيوط القضية منذ عدة أسابيع، وهذا يعطى دلالة على أن الخيط قد بدأ من قبل واقعة إلقاء لقاح سينوفارم في القمامة واستمر بعدها ليصل إلى نهايته المركزية بديوان عام الوزارة. وهنا يبز الاحتمال الثاني وهو أنه توجد جريمة ممنهجة حول التلاعب في اللقاحات بالبيع أو التهريب، وتم التخلص من تلك الكميات بعشوائية خشية انكشاف الجريمة..

ومتابعة ما ورد من أخبار حول تلك القضيتين بخصوص لقاح كورونا تلقي الضوء على مدى انتشار وتشعب منظومة الفساد في مصر، والتي ظهر منها قمة جبل الجليد فقط. وهذا يفسر بوضوح سبب الصمت والغموض حول التلاعب في كميات لقاح كورونا وحرمان المواطنين منها، ويفتح المجال واسعا حول مخاوف فساد سلسلة التبريد وتداول التطعيمات بصورة عامة، وانعكاس ذلك على صحة وسلامة المواطن المصري.

ومن ثم فإن الأخبار المتداولة حاليا حول انتشار التطعيم بلقاح كورونا منتهي الصلاحية ودون رد واضح من الصحة يكشف غموض برنامج تطعيم كورونا، ويعلن بشفافية عن المتسبب في جريمة إلقاء لقاح كورونا في القمامة منذ ثمانية أشهر، وما يحيط بالبرنامج مركزيا من شبهات فساد.. كل تلك الملابسات تضرب بقوة في جدوى تصريحات السيسى الأخيرة حول إهداء ملايين الجرعات من لقاح كورونا لدول القارة الأفريقية، وتجعل من الواجب على صانع القرار المصري أن يهتم أولا بصحة وسلامة المواطن المصري الذي يعاني من تردي الرعاية الصحية بصورة عامة، وزادت عليه شبهات انتشار التطعيم الزائف بلقاح فاسد.
النقاش (0)