قضايا وآراء

جلطة روحية

مريم الدجاني
عربي21
"على الدهر أن يقوم بفعل مدهش كي يجلسك في حضرة المعلم" (فردوسي)

أنت أمام لوحة ولادة فينوس لبوتيتشيلي، في متحف أوفيزي في فلورنسا، هذه التحفة الفنية المرسومة على قطعة قماش طولها ثلاثة أمتار، امرأة شابة عارية على الشاطئ بعد ولادتها في البحر ثم خروجها منه امرأة مكتملة النضج والأنوثة، إلى يسارها إله الرياح زفير معانقا زوجته كلوريس، التي ساعدتها بشكل واضح على السباحة، وإلى اليمين آلهة أخرى مع عباءة حمراء.

وصف أنجيلو بوليزيانو، وهو شاعر فلورنسي في قصيدته الملحمية "Stanze per la giostra"، ظهور فينوس، وألهمت هذه الملحمة بوتيتشيلي ليبدع "ولادة فينوس". وعلى الرغم من النسب غير المعتادة للجسم في هذه اللوحة، إلا أن بوتيتشيلي رسم فينوس كامرأة جميلة بشكل لا يصدق مع بشرة ناعمة رقيقة وتجعيدات ذهبية، تظهر في هذا العالم باعتبارها إلهة الجمال، ويصبح العالمين شهوداً على فعل الخلق، أما الرياح فتتحول على ورود من حولها.

تخيل أنك في تأملك لهذه التحفة بدأت تشعر أنك لا تستطيع التنفس، وأصبت بالدوار ثم فقدان الوعي، في حالة طبية تعتبر فريدة وخاصة لمدينة فلورنسا تحديدا. لذا تسمى متلازمة فلورنسا أو متلازمة ستندال، تيمنا باسم الكاتب الفرنسي هنري ستندال الذي أصيب بها في رحلته عام ١٨١٧ إلى فلورنسا، ذات الجمال الاستثنائي لكثافة مظاهر الفن والجمال في هذه المدينة ومتاحفها. هذه المتلازمة التي تصيب بعض الأشخاص عند تعرضهم لتجربة شخصية ذات أثر كبير، كمشاهدة فن راق على مستوى عال من الجمال والبراعة، خاصة إن كان الجمال مركزا بشكل مكثف في مكان أو موضع واحد. وتتسبب باضطراب نفسي جسدي يؤدي إلى تسارع في ضربات القلب، والدوار، والارتباك والالتباس، والإغماء وحتى الهلوسة ونوبات الهلع. وتعتبر مرضا نفسيا، كما وصفها الطبيب النفسي الإيطالي ماجيريني، لكن لم يتم إدراجها كحالة معترف بها ضمن الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية.

هل توقعت يوما أن تمرض بسبب كثرة الجمال؟ ألا يحتمل قلبك دفق البهاء فيعتل؟ أنا مرضت، لكنها كانت متلازمة جمال روح لا مادة ميتة. فقد كان جميلا جمالا معنويا روحيا أخلاقيا فكريا، جعل كل بهاء بعده قبيحا. أنا التي يهيّجني الجمال، ويسلبني لبي، وبعض الأرواح كذلك. تلك الأرواح المضاعفة التي تبالغ برؤية الجميل والقبيح، تحمل عيونا مركبة ترى أبعد منا! معه أكون أمام روح عظيمة نادرة، فكنت كلما غرقت في التلذذ السامي، كانت مئات الحسرات والأمنيات تلدغ قلبي. كم أنا محظوظة حتى التقيت به في هذا العالم الذي تشح فيه رهافة الأحاسيس، فنحن لا نصل الصفاء الروحي إلا بشق الأنفس، تدهشني ألوان روحه ذات الأبعاد المتعددة. قبله كنت لا أعرف سوى الأبيض والأسود، ومعه عرفت ألوان الطيف اللا نهائية، لقد أبصرت بعد عمى فرأيت عالما آخر، ليس لي عهد بما فيه، ألوان طيف جديدة، نيران دافئة لا تحرق، أضواء معمية، حالات متجلية، لذات شاهقة، انعكاسات، حاجات وعوز، الآلام، عطش الروح، الحب والعشق، الإيمان والكفر، اليأس والأمل، عالم لا تقدر عليه حروف لغة، ويخرس عنه أفصح شاعر.

روحي التي التقت بتلك الروح، محض صدفة؟ أم جاذبية؟ لنتذوق من تلك اللذة الإلهية السرية الموجودة في تشابهنا مذ كنا في عالم آخر في الأزل، ثم تهنا عن بعضنا، وحال ما اقترب أحدنا من مجال الآخر، باتت الجذور المتأصلة حبالا التفت حولنا حتى التصقنا. نحن من عرق مشترك، ننتمي إلى الماوراء، يعرف الواحد فينا نفسه من سيماء الآخر، نحن مواطنان التقيا فجأة على رصيف ناء في بلد غريب، نحكي ذات اللغة! ملامح كل منا مألوفة للآخر، لأنه اعتاد رؤيتها في المرآة كل صباح ومساء. نحن قرينان اكتملنا في زحمة دوامة البشر، الذين يتصارعون من أجل المصالح ولا مصير لهم إلا الموت!

نحن عائلة نحمل حمضا نوويا واحدا، هي قرابة بين روحين، بين غريبين، إنسانين لا تربطهما أي مصلحة سوى الوحدة، فذكرى تلك الروح تسكن نخاع عظمي وعمق فطرتي! ليست كل الأرواح سواسية، لكل منها لون وطعم وعطر خاص بها! وليس للزمن على الأرواح سلطان، فكما يتبدد الزمن عند الله فلا أمس ولا غدا، كذلك الذي بيننا، فما أرواحنا إلا نفحة من روح الله! ما بين الأرواح يخضر في النور وينمو بالإيمان، صداقة حميمة مطلقة لا تنتهي، وماء كلما شربنا منه عطشنا أكثر! هو يقين لا يتزلزل وفناء في الآخر!

روحي روح طائر مقاتل يعشق السماء، لا يفتأ يطير لما وراء الشمس، لا يمل، يكره القيود، ولا يلمس الأرض إلا إذا اشتاق إليها، يعيش فاردا جناحيه محلقا مع الشمس، هو بطبيعته ليس جارحا أو مؤذيا، بل هو أرق من قطر الندى، لكنه لا يتردد إن اضطر أن ينزل ويعيش على الأرض أن يربي مخالبه ويتوحش، حتى يستطيع الطيران مرة أخرى ليصل حدود السماء، ليسترخي فوق غيمة كالعصفور الصغير، الذي لا يرجو من الدنيا إلا أن ينام في عشه، لكنه لا يرغب بعش صغير، هو لا يرضى بغير الفضاء عشا له!

أما تلك الروح فهي كالفرس، لا تتأثر بأشد السياط، ولا حتى بطعن السكاكين، وكأنها لا تشعر بها فلا تتحرك أبدا، لكن لها أماكن محددة في جسمها تهيجها حتى تتحرك، مثل بعض الأماكن في الأذن والرقبة والصدر، فأدنى لمسة هناك تجفلها فجأة لتسابق الريح، فترمي عن ظهرها أمهر الخيالة، حرة من دون سرج ولجام لا يمكن أن يمتطيها أحد، تجتاز الحواجز، وتركض وتركض، تطوي الجبال والوديان، حتى ينهكها التعب وتختفي، ثم تعود!

ليس المعلم الذي يزودك بالمعلومات الجديدة، تلك التي تستطيع الحصول عليها من أي كتاب، إن الدهر حين يدهشك، فإنه يضعك أمام روح تشعرك بأن الأمر برمته هو مجرد حادثة! حادثة كان بالإمكان ألا تحصل. كان يمكن ألا تحدث مطلقا وأن تبقى حتى نهاية عمرك لا تفهم أنه يوجد في هذه الدنيا مثل هذه الأمور، ومثل هذا التسامي والدفء والتجليات والانطلاق والتحولات والإرهاصات، أو تبقى في الطريق نفسه الذي ولدت فيه وتمضي فيه حتى تشيخ، إلى أن يعافيك الأجل!

لو لم تقع هذه الحادثة الكبيرة في حياتي، لبقيت جاهلة عن أمور كثيرة. لو لم ألتق أنا بتلك الروح فأنى لي أن آخذ عنها ما أخذت؟ من كان سيمنحني كل ذلك؟ وكما قال شريعتي عن ماسينيون: أي كتب كان يجب على قراءتها؟ هل يوجد كتاب يتحدث عن النكهة الخاصة لإنسان لذيذ أو عن الرائحة المسكرة لروح مرهفة عطرة أو عن النكهة الغريبة للحن مرح؟!

انظر للكلمات كم هي باهتة بائسة فقيرة ناقصة المعنى، أو عن اللون المدهش المحير المليء بالأسرار لإحساس جميل اللون، أو عن الدفء الحنون المريح لقلب مستعر بالنيران والبراكين المجهولة المعجونة بالأسرار التي تشتعل في أعماق الغيب ومن وراء طبيعة القلب وتضطرم في الروح.. عن ثمن روح نفيسة أو عن عظمة فهم عظيم أو عن جلال فكر جليل أو رهافة خيال مرهف أو عن اللحظات الإعجازية لمحبة نقية زلال، محبة لطيفة كلطافة روح عارية لأبرأ وأجمل ملاك، كلطافة الأساطير المجهولة التي لا أشعر بغير ظلالها الخفية أو بنسيم غير محسوس. هل كل هذا مذكور في الكتب؟ هل يدرس في فروع العلوم؟ هل يتم اختباره وتجريبه في المختبرات؟ أو المرور بالبشر واحدا واحدا، هل يمكن معرفة كل ذلك بالفكر والذكاء والعبقرية؟ ألا يستحيل سلوك هذه الطرق المجهولة الصعبة من دون دليل عارف بالطريق والمنازل، خبير بالأرواح؟

يجب أن تكون هناك حادثة غير متوقعة لتأخذ بيد السعادة وتضعها أمامك لترى وتلمس وتشعر، وتتعرف على كل هذه الأمور من حديثه ومعرفته، وحتى من ذكراه وتذكره والشعور بحضوره، ولتتمكن أن تستخرج وتستلهم وتتذوق وتمتص وتشم وتسمع وترى كل ذلك في وجوده. عليك أن تجلس بقرب روحه وتسلم له قلبك وتحل فيه وتغرق وتخضع له، وتفتح له وفيه أحضان إحساسك وروحك وشفاه قلبك وفم فهمك، وتبحث بدقة ومواظبة وظمأ وعوز وخضوع وتسليم واطمئنان وصبر ومقاومة؛ عن الطرق والأبواب والنوافذ وحتى عن أصغر المداخل المؤدية إلى أعماقه الزاخرة بالمعجزات والأسرار، وأن تضع نفسك بكل وجودك وكل أبعادك وفهمك وأحاسيسك وإدراكاتك، تضع كل ذلك على قارعة هذه الطرق وأمام هذه النوافذ والمداخل وتجلس وتصبر ثم ترى وتجد وتشعر..

ياللدهشة! كم من ينابيع ملونة مدهشة خارقة تفور وتجري فيك؟ تجري وتجري وتنحدر، ثم تشعر فجأة بلذة غريبة لا توصف. نشعر بأنك أخذت تعبّ من كل شيء غير موجود في هذه الدنيا، غير موجود في أي مكان وتمتلئ وتمتلئ. كيف يمكن لجنة أن تنمو في صحراء القلب الخاوية المحروقة؟ ستشعر كأنك قد فتحت تحت هذه السماء المغلقة الخانقة نوافذ إلى خارج هذا العالم، واتصلت بالبحار والمحيطات والأمطار وينابيع العالم الآخر، وفارت الآلاف من قنوات المياه والعيون من أعماقك، وقد جرت أنهار الغيب في أعماق دهاليز روحك وأخذت تفيض وتمتلئ وتغرق.. ولا أدري ماذا أقول بعد!

في بعض الأحيان أفكر أن التعرف على تلك الروح كان صدفة في حياتي. صدفة؟ أي بالإمكان ألا تقع؟ كان يمكن أن أموت ولا ألتقي مطلقا روحا مثلها؟ كم هو مهول التفكير في عدم وقوع مثل هذه الصدفة! تصور حياة من دون معرفتها، تصوري أنا من دونها! لو كنت كذلك لكانت لي روح بائسة وقلب صغير وعقل لم يتم تمرينه! ترتعد فرائصي خوفا كلما تصورت احتمال شبهي بهؤلاء الذين لا يعرفونها، أو لم يعرفوا مثلها! عميت عين لا تبصرها.
النقاش (1)
المهندس/ أحمد نورين دينق
الثلاثاء، 25-10-2022 04:06 ص
سياحة في الجنة : في يوم المزيد , نحقق ما نريد . لا ندري نحن كبشر العصر الذي وصل فيه أشقاءنا من الجن لقمة تطورهم العقلي لمقاربة منجزاتهم كمخلوقين منجزات الخالق في جنة الخلد , و لكنا كبشر حقنا و ما زلنا نحقق ذلك في عصر الطاقة . ففي عمل أجهزتنا الكهربائية بالطاقة جاوبنا بدرجة ما على سؤال الروح في الكائنات الحية . في الجنة الكل ملك , و لكل منا مملكته . و ملك الملوك بعدله و حكمته و علمه و جلاله و رحمته هو من يحكمنا فيا لها من دار ! . الأرواح المتأهلة لمنازل الجنان المختلفة من الإنس و الجن يزوجهم الرحمن من بعضهم البعض . في يوم المزيد ينفرد كل متأهل في الجنة بملك الملوك ليسأله عن ما عن له من إحتياجات , فيحققه له ملك الملوك و يعطيه فوق ما طلب ! ..أو ليس هو العليم الخبير ?! ذو الخزائن التي لا تنفد .. عندما يعود ساكن الجنة الى أهله يجدهم أفضل حالا مقارنة بأحوالهم قبل زيارة ملك الملوك و يلاحظ الأهل نفس الأمر عليه . إن المدينة الفاضلة حلم مستحيل للإنس و الجن في دار الدنيا لأنها مخصصة في الأساس للإبتلاء و الإختبار للطرفين ممكن في الدار الآخرة لأنها دار الجزاء .