قضايا وآراء

وصيه تليق بمقام الوطن.. وشعب هذا الوطن

هشام الحمامي
عربي21
صاحب الوصية هو د. إبراهيم شحاته (1928-2001م)، ولعل كثيرين من الأجيال الصاعدة لا يعرفون هذا الاسم.. ولا صاحب هذه الوصية العظيمة لوطنه، وهم وبالطبع لا يعرفون شيئا عن الوصية نفسها.. على الرغم من أنها وصية تتبدى فيها ظلال الأجداد الكبار في القرنين الماضيين الذين طواهم نسيان التضليل والتجهيل والإنكار المقصود لقطع موصول الآخرين بالأولين، فلا تشعر الأجيال المتتالية بعهد التواصل الحضاري والتاريخي بينها وبها وإليها ومنها وإلى من يليها، فتتعاظم العطاءات وتتعالى الطموحات وتستمر وتعلو وتزداد.

وهي ظاهرة تاريخية طبيعية لا تمليها الضرورة فقط، بل وهو الأهم تمليها الأمانة، وهو ما كان يحدث فعليا طوال الثلاثين المجيدة إذا جاز الوصف (1920-1950م).. إلى أن جاءت حركة الضباط الأحرار (1952م) وفاجأت المصريين بأنهم لم يكونوا من قبل! وصدقهم الناس وما كان لهم إلا أن يصدقوا، ليس لأن ما يرون صدقا، ولكن تصديقا على قول أبو العلاء المعرى (ت 1057م):

تلوا باطلا وجلوا صارما   وقالوا صدقنا قلنا نعم
وصية تتبدى فيها ظلال الأجداد الكبار في القرنين الماضيين الذين طواهم نسيان التضليل والتجهيل والإنكار المقصود لقطع موصول الآخرين بالأولين، فلا تشعر الأجيال المتتالية بعهد التواصل الحضاري والتاريخي بينها وبها وإليها ومنها وإلى من يليها، فتتعاظم العطاءات وتتعالى الطموحات وتستمر وتعلو وتزداد

د. إبراهيم شحاته تخرج من حقوق القاهرة سنة 1957م وكان الأول على دفعته، وفور تخرجه عمل بمجلس الدولة لمدة ثلاث سنوات وكان ينشر في مجلة المجلس بحوثا ومقالات عن الشريعة الإسلامية، وكانت تلك طبيعة المجلة فيما يبدو؛ لأن مؤسسها عام 1950م كان صاحب كتاب "مصادر الحق في الفقه الإسلامي" العلامة السنهوري باشا (ت 1971م). بعدها بثلاث سنوات سيلتحق "مبعوثا" بجامعة هارفارد للحصول على درجة الدكتوراة في القانون الدولى، بعد عودته من أمريكا عام 1970م عُين مدرسا بحقوق عين شمس، ولكنه لم يستمر وسار في طريق آخر بدأه بالعمل في الكويت مستشارا قانونيا في الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومن خلاله عمل في صندوق منظمة الأوبك (المصدرة للبترول) بفيينا، ومنها إلى البنك الدولي عام1983م حتى وفاته عام 2001م حيث كان نائبا لرئيس البنك الدولي للشئون القانونية..

* * *

لكن ما علاقة التخصص في المجال القانونى بالاقتصاد والتنمية؟.. التطورات السياسية والاقتصادية الدولية في هذه الفترة هي ما أتاح له الاقتراب من أعمال اقتصاديات التنمية، وذلك بعد انفجار مشكلة المديونية الدولية حين أعلنت المكسيك عام 1982 عدم سداد ديونها، وتبعتها الأرجنتين وتشيلي، مما أدي إلى ارتباك كبير في النظام المالي الدولي، وتوقفت البنوك الدولية عن إعطاء قروض للدول النامية‏‏، فقام البنك الدولي بإنشاء "منظمة" لتشجيع الاستثمارات الأجنبية والقروض طويلة الأجل للدول النامية‏، وهنا تأتي الفرصة الكبيرة.. فيُطلب من الدكتور إبراهيم شحاتة إعداد القانون الأساسي لتلك المنظمة..

وأكسبه ذلك العمل واستمراره فيه معرفة واسعة باستراتيجيات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولماذا تنجح دول وتفشل أخرى في تحقيقها.‏ ثم بعد وصوله إلى درجة نائب مدير البنك الدولي للشئون القانونية كان يحضر كل الاجتماعات تقريبا في البنك، وكان ذلك مصدرا بالغ الأهمية للحصول على المعلومات والدراسات التنموية، والتي ظهرت له بعدها وهو ينظر بعين الابن البار الحزين المحزون إلى وطنه الأم في تقديم دراسات مهمة عن الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والدستوري لبلاده (كتاب "برنامج الغد" سنة ‏1987‏، كتاب "نحو الإصلاح الشامل" سنة ‏1992‏، كتاب "وصيتي لبلادي" سنة ‏1999)، وقدمها للمسؤولين في مصرعن طريق د. أسامة الباز رحمه الله (ت 2013م)، حيث جمعتهما صداقة قديمة وقت دراساتهما معا في الستينيات بجامعة هارفارد.

كتاب "وصيتي لبلادي" يبدأ باستحضار الآية الكريمة "ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم" من سورة الأنفال، والآية الكريمة "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.." من سورة الرعد. ثم كلمات من الجزء الثاني من مذكرات جان مونيه السياسى الفرنسى الشهير (1888-1979م) الملقب بالأب الروحى للاتحاد الأوروبي، إذ كان هو فعلا القاطرة التي بدأ بها الاتحاد، فيقول في هذه الكلمات:‏ ينبغي لتغيير مجري الأشياء أن ننجح في تغيير روح الناس‏.‏

ولا يغير الوضع الجامد الحالي إلا عمل مباشر ينصب علي نقاط رئيسية‏.. عمل متعمق وحقيقي ودرامي.. يغير الأمور ويدخل في مجال الحقيقة التطلعات التي كاد الناس أن يفقدوا أي أمل في تحقيقها.

* * *
لا يغير الوضع الجامد الحالي إلا عمل مباشر ينصب علي نقاط رئيسية‏.. عمل متعمق وحقيقي ودرامي.. يغير الأمور ويدخل في مجال الحقيقة التطلعات التي كاد الناس أن يفقدوا أي أمل في تحقيقها

ثم يقول د. إبراهيم في المقدمة‏:‏ ما زلنا باختصار في حاجة ماسة إلى التغيير‏، تغيير أنفسنا، وتغيير سلوكياتنا‏، وتغيير مفاهيمنا حول التعامل فيما بيننا ومع الآخرين‏.‏

ما زلنا في حاجة إلى وفاق مشترك يأتي نتيجة طبيعية لحوار عريض ولمعرفة ما يجري في مجتمعنا واقتصادنا وما يجري حولنا في العالم‏، بل ما زلنا في حاجة شديدة إلى تعميق الإصلاحات الاقتصادية. والأمر متوقفا على قدرتنا على اتخاذ القرارات اللازمة وتنفيذها من أجل مستقبل أفضل لمصر،‏‏ حتى لو كانت هذه القرارات صعبة ولم نتفق مع أحد على اتخاذها. ولقد كتبت وصيتي لبلادي من أجل هذا التغيير الذي نحن في حاجة إليه من أجل أنفسنا ومن أجل أبنائنا وأحفادنا.

أهم ما لفت نظرى في الكتاب هو اهتمامه بموضوع "الفساد" الذي يعتبره "أكبر عقبة" في سبيل الإصلاح، ويعرّفه بقوله: الفساد يحدث عندما تقتضي وظيفة معينة عامة أو خاصة؛ توزيع منافع بين الناس أو تقديم سلعة عامة أو خدمة عامة لهم‏‏، ويتاح للقائم على هذه الوظيفة التحكم أو التحايل لتحقيق نفع شخصي لنفسه أو لغيره‏، إما لغيبة أي قواعد ينبغي اتباعها‏، أو لوجود قواعد ناقصة تعطي الموظف قدرا كبيرا من الاختيارات الشخصية،‏‏ أو لوجود قواعد معقدة ومبالغ فيها تجعل من المطلوب التهرب من تعقيداتها.

بل ويحدث الفساد عندما يطبق الموظف القواعد كما هي مكتوبة‏‏، ولكن بطريقة انتقائية لمصلحته الخاصة أو لمصلحة من يتولاهم أو من يدفعون له‏، كما يحدث الفساد عندما يتيح عمل الموظف له الاطلاع على معلومات (مثل ما حدث فى الخصخصة) غير متاحة للكافة‏، فيستخدمها لتحقيق نفع شخصي، وهوما يعرف بالاتجار بالمعلومات من الداخل‏.
أهم ما لفت نظرى في الكتاب هو اهتمامه بموضوع "الفساد" الذي يعتبره "أكبر عقبة" في سبيل الإصلاح، ويعرّفه

يتحدث أيضا فيه عن الخيارات المتاحة لمصر ‏(إلى الخلف/ إلى الأمام/ محلك سر)‏، أيضا عن إعادة تنظيم جهاز الدولة،‏‏ والزيادة السكانية، والقضاء على الأمية ورفع مستوى التعليم، وانطلاق القطاع الخاص والتوسع الكبير في الصادرات (أهم مصادر الدخل القومي). أيضا تحدث عن رؤيته للدستور الذي ينبغي أن يكون مرجعا للوطن (هذا الكلام نشر في عام 1999م).

ويتحدث عن الحركات السياسية الإسلامية منتقدا لها بأن لديها الحل لكل مشاكل المجتمع كشعار عام (مثل الإسلام هو الحل.. والإضافة من عندي) ولا تقدم بعده للناس تحليلا وافيا للتفاصيل التي يقتضيها هذا الحل، أو تقدم حلولا سطحية لا تخفي العبارات التي تغلفها ما في حقيقتها من سذاجة.. ويقول جملة تستدعى التوقف كثيرا عندها وتأمل معناها ومغزاها: إنهم أخذوا "الإسلام رهينة لطموحاتهم السياسية".. خاصة وأن العلامة الكبير أ. د حامد ربيع (ت 1989م)، أستاذ أساتذة العلوم السياسية، قال كلاما قريبا من ذلك.
يتحدث عن الحركات السياسية الإسلامية منتقدا لها بأن لديها الحل لكل مشاكل المجتمع كشعار عام (مثل الإسلام هو الحل.. والإضافة من عندي) ولا تقدم بعده للناس تحليلا وافيا للتفاصيل التي يقتضيها هذا الحل، أو تقدم حلولا سطحية لا تخفي العبارات التي تغلفها ما في حقيقتها من سذاجة

والحقيقة أن المتأمل للحالة الأخلاقية والصبغة الإسلامية للإنسان المصري بعد 40 سنة من النشاط والحركة في طول وعرض المجتمع، لا يسعه إلا أن يتساءل بأكثر العبارات يسرا عن الدور الحقيقي للحركات الإصلاحية.. هل كان "بناء وإصلاحا ودعوة" لتعزيز وتدعيم الإسلام في نفوسنا وأخلاقنا وتحقيق الخير العام لكى نتبع اختياراتنا الصحيحة، باعتبار أن الإسلام هو أكثر تجليات "قوة الأمة"، وهو الأساس للإحساس المشترك وهو الذي يمنح هذه الأمة الوحدة والقانون والثقافة؟ فيجوز للدكتور إبراهيم شحاته والدكتور حامد ربيع وهما من هما في زمانهما وأفكار زمانهما أن يسألا.. وأن يتحيرا..؟ فالسياسة والسلطة هما أقل الأوزان ثقلا في مشروع الإسلام للإنسان.. وإسلام الإنسان لرب العالمين والأكوان.

الكتاب مثل القمر الهادي لكنه ساطع للغاية.. وجدير بأن يُقرأ قراءة مرجعية دائمة لأنه على الأقل يمنحنا ذاكرة تجعلنا نرى الوطن كما هو.. وكما يتبدى لنا في الأحلام.

twitter.com/helhamamy
النقاش (2)
الكاتب المقدام
الإثنين، 11-07-2022 08:42 م
*** لا علم لي بالكتاب المشار إليه ولا بكامل آراء كاتبه ابراهيم شحاتة، والتعليق منصب فقط على ما اقتطعته المقالة من سياقه، والذي يعبر عن آراء الحمامي محرر المقالة نفسه، الذي ينقل عن الكتاب: "يتحدث عن الحركات السياسية الإسلامية منتقدا لها بأن لديها الحل لكل مشاكل المجتمع ... وتقدم حلولا سطحية لا تخفي ما في حقيقتها من سذاجة.. ويقول: "إنهم أخذوا الإسلام رهينة لطموحاتهم السياسية"، والعبارة المنقولة تدل على أغراض خبيثة وجهل مطبق بالإسلام الذي يمكن في أضغاثهم أن يؤخذ رهينة، كما أخذت روما المسيحية رهينة ووضعته في يد قساوسة الفاتيكان ليحتكره باباواتها بصكوك الغفران التي يصدرونها وفقاُ لأهوائهم المريضة، والغريب أن الحركات الإسلامية كانت في هذا الوقت تعاني من المطاردة والقمع والاضطهاد والتهميش وعدم الاعتراف بها وتلفيق الاتهامات الباطلة لها والمحاكمات العسكرية الهزلية، وكانت السلطة الحاكمة في مصر بكاملها في يد مبارك وابنيه جمال وعلاء برعاية عرابتهما سوزان، وأن تلك السلطة الدكتاتورية المستبدة الفاسدة العميلة الفاشلة لم تحظ كما يبدوا بأي انتقاد من الحمامي أو من شحاتة، بل أنه حاول التواصل معها للعمل في خدمتها، فكتبه لم تكن كما يقول الحمامي وصية لشعب هذا الوطن، لأنه كما يقر الحمامي بنفسه فإن شحاتة قد قدم كتبه إلى تلك السلطة المستبدة الفاسدة العميلة فيقول: "قدمها للمسؤولين في مصر عن طريق د. أسامة الباز" وهو أهم مستشاري مبارك لتكون مؤهلات له لعمله في خدمتها، واهتمامه بالتواصل مع نظام حكم مبارك وتزلفه له، يدل على عدم صدقه في قوله بأن: "السياسة والسلطة هما أقل الأوزان ثقلا" فإن كان صادقاُ في اقتناعه بعدم اهمية السياسة والسلطة، فلم كان حريصاُ على التواصل مع حكم المقبور مبارك؟ فضلاُ عن عمله في خدمة الهيئات الربوية العالمية التي افسدت اقتصاديات العالم الثالث، وإن كانت حلول التيار الإسلامي تتسم بالسذاجة كما يقول، فهل حلول الحزب الوطني الديمقراطي كانت هي الحلول الناجعة؟ وهو الحزب الذي استعار شعار الحزب النازي الألماني "المانيا فوق الجميع" ليجعل شعاره "مصر فوق الجميع"، كذباُ وتدجيلاُ، فهم الذين تواطئوا مع أعدى اعدائها من الحركة الصهيونية الصليبية الجديدة ودانوا لها بالولاء وعملوا في خدمتها، وغالبية قيادات هذا الحزب قد هربت أموالها إلى الغرب الذي كانوا يعملون في خدمته، أم أن الحل في يد ليبرالية حزب الوفد الذي جعل شعاراُ له العلم المصري القديم بعد أن وضع في قلبه شعار الصليب؟ أو أن المسلمين يجب أن يتركوا مجال السياسة والسلطة لأساطين التجمع من الشيوعيين الملاحدة المعادين للأديان؟ فإن كانت هذه هي آراء ابراهيم شحاتة وحامد ربيع، التي يريد أن تكون لنا نبراساً بديلاً لميثاق المأفون ناصر الذي خطه له عرابه هيكل، والذي ذهب إلى مزبلة التاريخ، فلينعم الحمامي بوصيتهم له وليطرب لها ويتمسح بها أو حتى يقدسها، فالشعب المصري أذكى من ذلك، وأكثر وفاءً لهويته الحقيقية، وندعو الكاتب إلى عدم الاستخفاف بقراءه بتسويق الترهات.
حمدى مرجان
الأحد، 10-07-2022 11:31 ص
لم نكن نعلم ان للعلمانية انبياء ورسل ، وان دعواتهم كانت ذات قيمة في زمنها ، ولكن لماذا لم يستطيع الباشا تطبيق وصيته ، فلم يختلف الحكم ولا الحاكم ولا الوضع ولا الظروف ، ولقد كتبت هذه الخطبة العصماء لتنتقد " الاسلام هو الحل " واكمل لك منه و به ومعه نستطيع ، انه شعار يحتوى علي تطبيقات الاسلام في كل مجالات الحياة ، فهل جربنا ، وهل ترك الحاكم اى مجال لتطبيقها ، وهل ترك الحاكم لاصحاب الدعوة تطبيقها ، انهم كانوا دائما متهمين قبل الثورة واثناءها وبعدها والي الان ، التيار الاسلام بذل العالي والنفيس الروح والولد والجهد والمال في سبيل تحرير الشعب وتغيره ، وتلقي مقابل ذلك ما تشيب له الولدان ، ولم يفت ذلك في عضدهم او يزعزع ايمانهم او يفقدهم الثقة في انفسهم ، ولكن الحاكم كان له راى اخر دائما ، كان يحاربهم بكل الطرق وهذه الطريقة الان تجمع كل طرق الاستبداد من اغتيالات وتلفيق تهم واحكام جائرة وسجون للرأى والفكر وكلمة الحق ، لن نعرف الخطأ الا بعد التجربة ، فهل جربنا ؟