قضايا وآراء

الاقتصاد التركي والمتغيرات الدولية

أشرف دوابة
عربي21
شهدت تركيا يوم الجمعة الماضي توقيع اتفاقية الحبوب الأوكرانية في مدينة إسطنبول بين الجانبين الروسي والأوكراني، بوساطة تركية وبمشاركة الأمين العام للأمم المتحدة.

وبموجب هذه الاتفاقية يتم إخراج الحبوب من الموانئ الأوكرانية دون وجود حراسة عسكرية لسفن الشحن، وتخضع السفن المتوجهة إلى الموانئ الأوكرانية والمغادرة لها للتفتيش للتأكد من خلوها من الأسلحة، مع وجود مركز للتنسيق والمراقبة في إسطنبول يضم ممثلين من روسيا وأوكرانيا وتركيا لمراقبة سفن شحن الحبوب. كما تعهد الطرفان الروسي والأوكراني بعدم مهاجمة الموانئ المحددة بالاتفاقية، وهي أوديسا وتشيرنومورسك ويوجني، وحُددت مدة الاتفاقية بـ120 يوما مع إمكانية تمديدها. ويندرج على هذه الاتفاقية تمكين أوكرانيا من تصدير 22 مليون طن من الحبوب والمنتجات الزراعية الضرورية الأخرى العالقة في موانئها على البحر الأسود.

وهذا الاتفاق أشاد به القريب والبعيد، وأبرز دور تركيا المحوري في فتح معبر يتنفس منه العالم ويفك طلاسم أزمة الغذاء التي باتت مصدر قلق لدول العالم. وقد كان لهذا الاتفاق أثره المباشر على انخفاض سعر القمح فور توقيعه، حيث شهدت أسعار القمح في بورصة شيكاغو انخفاضا أكثر من 5 في المئة.
أبرز دور تركيا المحوري في فتح معبر يتنفس منه العالم ويفك طلاسم أزمة الغذاء التي باتت مصدر قلق لدول العالم. وقد كان لهذا الاتفاق أثره المباشر على انخفاض سعر القمح فور توقيعه، حيث شهدت أسعار القمح في بورصة شيكاغو انخفاضا أكثر من 5 في المئة

ورغم الانتهاكات التي تمت من قبل روسيا فيما يخص الاتفاق بضربها بصواريخ مدينة أوديسا الساحلية الأوكرانية، إلا أن وزير البنية التحتية الأوكراني ألكسندر كوبراكوف صرح بأن استعدادات بلاده لاستئناف صادرات الحبوب من موانئها ستستمر.

ويأتي هذا الاتفاق في ظل متغيرات دولية لها تأثير مباشر على تركيا، فقد تأثرت تركيا بهذه الحرب وارتفعت الأسعار فيها بصورة مغالى فيها، لا سيما في ملف الطاقة التي لها تأثير واضح على الأسعار، فضلا عن الزيادة غير المبررة في أسعار العقارات والتي أصبحت غذاء للتضخم الذي بلغ أعلى مستوى له منذ 24 عاما ووصلت نسبته إلى 78 في المئة، وبات من أهم المهددات للرئيس أردوغان وحكومته في ظل معارضة لا تعرف سوى لغة المناكفة والافتراءات.

إن ما تعانيه تركيا من مشكلة التضخم وتأثر جيوب المواطنين بها، هي المشكلة الأكبر الآن في تركيا، رغم زيادة مرتبات الموظفين الحكوميين والمتقاعدين، وزيادة الحد الأدنى للأجور. ورغم أن معدل النمو وصل إلى 7.3 في المئة في الربع الأول من العام الجاري، فإن هذا المعدل إذا لم يكن من نتاجه حل مشكلة التضخم فإن الأمور سوف تزداد سوءا، لا سيما في ظل فترة عدم اليقين التي تعيشها تركيا نتيجة للانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي سوف تنعقد في منتصف العام القادم.

إنه رغم اتخاذ الحكومة حلولا ابتكارية لا سيما في حماية الودائع الدولارية المحول لليرة التركية، ولكن التمادي في ذلك من الأخطاء غير المقبولة، فهذه السياسة كان من الواجب استخدامها لفترة قصيرة الأجل لتحقيق الثقة للسوق، وكل فترة إضافية حاليا تكلف الحكومة الكثير والكثير من التبعات المالية، لا سيما في ظل انخفاض سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأمريكي.

كما أن هناك أيادي حكومية تدفع بالتضخم إلى الارتفاع دفعا، وفي مقدمتها سياسة ارتفاع الأسعار التي ينتهجها رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أغلو، لا سيما في المواصلات وأسعار المنافع العامة من كهرباء ومياه وغاز ونحوها، وخاصة أن إسطنبول هي صورة عامة للقُطر التركي بأكمله ومنها تأتي محاكاة غيرها من الولايات، كما أن الشركات العقارية الحكومية التي أدمنت المزادات في بيع الأراضي والوحدات السكنية هي سبب رئيس في التهاب أسعار السكن.
انطلاقا من كون تهديد ارتفاع الأسعار هو أهم تهديد أمام الحكومة الحالية، فإن هذا يتطلب خطوات سريعة وفعالة للمعالجة، لا سيما وأن تركيا محل اهتمام المسلمين في كل مكان، باعتبارها القطر المتبقي الحامي لحقوق الضعفاء والمضطهدين والمظلومين

وانطلاقا من كون تهديد ارتفاع الأسعار هو أهم تهديد أمام الحكومة الحالية، فإن هذا يتطلب خطوات سريعة وفعالة للمعالجة، لا سيما وأن تركيا محل اهتمام المسلمين في كل مكان، باعتبارها القطر المتبقي الحامي لحقوق الضعفاء والمضطهدين والمظلومين.

ومن أولى أدوات المعالجة قيام الحكومة بشراء السلع الزراعية من الفلاحين أنفسهم وتسويقها بمعرفتها، بعيدا عن تجار الجملة والتجزئة الجشعين، وكذلك منع نظام المزادات الحكومية للأراضي والوحدات السكنية وتوزيع أراض بنظام القرعة بسعر مخفض، مع إعطاء مهلة لبنائها لا تزيد عن سنة في تلك المرحلة، ومن يتخلف تسحب منه، فضلا عن طرح المزيد من الوحدات السكنية الحكومية بسعر مناسب، وكذلك فرض ضريبة بنسبة عالية على من يشترون أراضي للبناء ويحتفظون بها أكثر من عام دون بناء؛ بغرض المتاجرة فيها ورفع أسعارها.

كما ينبغي على رؤساء بلديات إسطنبول غل يد إمام أوغلو بصورة تحول بينه وبين المساهمة الملحوظة في ارتفاع أسعار الخدمات والمنافع العامة. إضافة إلى ذلك، من المهم التركيز على فتح أسواق جديدة للسلع التركية، وجذب المزيد من السياح ومحاربة العنصرية بقوة، مع الإسراع في ملف استخراج الطاقة من الأراضي التركية.

twitter.com/drdawaba
النقاش (0)