كتاب عربي 21

حقوق الإنسان بين اللقطة والفرجة.. مفاهيم ملتبسة (12)

سيف الدين عبد الفتاح
عربي21

حقوق الإنسان كمفهوم يعبث به المحتل، والطاغية، وصاحب السلطان الدولي؛ يدخل على هذا المفهوم بطغيانه وسطوته وقوته فيبدد حقيقته، ويفرط في جوهره، ويهدر قيمته، ويقصى كل معاني الإنسانية فيه.. هذه صنعة هؤلاء، يلبسون على المفهوم، ويدلسون عليه بأقصى طاقتهم مدعين -زورا- من كل طريق أن حقوق الإنسان تحت مظلتهم وضمن رعايتهم.

هذا التلاعب بالمفهوم أوردنا منه أكثر من جانب حينما تطرقنا في تلك السلسلة حول مفهوم المواطنة من جديد، لنؤكد أن هذا المفهوم هو محل عبث العابثين، وإهدار المتاجرين، ومحاولة الطاغين لتزييفه والدس عليه ما ليس فيه ومنه.

يبدو لنا ذلك جليا ضمن فهم المستبد الذي لا يتوقف عن ادعاء الديمقراطية سياسة، واحترام حقوق الإنسان بداهة، واعترافه بالشعب إرادة، وهو في حقيقة الأمر يزهق كل ذلك ضمن سلوكه اليومي، وسياساته المتبعة كطقس يمارس فيه انتهاك حقوق الإنسان بشكل متواتر فاضح لا تنكره عين، ولكنه رغم ذلك يواصل في خطابه تزييف هذا الأمر المتعلق بحقوق الإنسان.

يبدو لنا ذلك جليا ضمن فهم المستبد الذي لا يتوقف عن ادعاء الديمقراطية سياسة، واحترام حقوق الإنسان بداهة، واعترافه بالشعب إرادة، وهو في حقيقة الأمر يزهق كل ذلك ضمن سلوكه اليومي، وسياساته المتبعة كطقس يمارس فيه انتهاك حقوق الإنسان بشكل متواتر فاضح

وفي هذا المقام، فإن أول التزييف إنما يتأتى من ابتداعه ليس فقط خطابا يحاول أن يغطي على مزيدا من انتهاكاته الفاضحة والواضحة، ولكنه في حقيقة الأمر يصادر كل ذلك فيمارس فائض الكلام في بناء استراتيجيات حول حقوق الإنسان، ولا بأس أن يقيم من المؤسسات الزائفة التي تشكل أغطية له، وتعمل على خدمة استبداده وطغيانه وتمرير انتهاكاته اليومية لحقوق الإنسان، فيقيم مؤسسة للمرأة، وأخرى لحقوق الإنسان، ومؤسسات أخرى، ومبادرات تتحدث عن الحياة الكريمة، والاهتمام بالإنسان وإنسانيته، بينما تلك السياسات الحقيقية تكذب كل ذلك فتؤكد أن ذلك ليس إلا فائض كلام يحاول فيه أن يغطي فائض سلطانه وطغيانه فيستخدم من الأوصاف أكذبها، ومن المعاني أزيفها، ومن الأقوال زخرفها..

كل ذلك يمارسه تحت أعين الجميع؛ يحاول أن يبني مصداقية له في هذا المقام وهو كذوب؛ يتحرى الكذب في كلماته وخطاباته ومواقفه من خلال أدواته وزبانيته وسياساته ومؤسساته.

كل ذلك يطوف بأذهاننا حول المفهوم حينما نجد كلاما مهما يوضح حقيقة تصورات تلك السلطات الباطشة وسياساتها الزائفة، وهو يستحضر كل تلك الترسانة حينما يهم أن يذهب إلى خارج البلاد ويتأكد له في كل مرة وفي كل زيارة لبلد أوروبي أو أجنبي أنه سيواجه بسجله الأسود في حقوق الإنسان والانتهاكات الفاضحة التي تطير أخبارها في كل مكان، وفي وسائل إعلام مختلفة، وهو يعرف أنه مضطر لأن يجيب على سؤال حول حقوق الإنسان، والانتهاكات التي تمارس بصددها.

ففي زيارة المستبد الطاغية الفاشي الأخيرة لألمانيا أدلى بتصريحات حول حقوق الإنسان ليذكرنا مرة أخرى بذات المفردات التي تستخدم في هذا المقام على سبيل الكذب والتضليل والزيف والتزوير، مستغلا في ذلك بعض الأمور التي يقوم بها وتقوم تلك الأجهزة بالترويج لها، فهذا حوار وطني يدعو إليه، فيهرول إليه البعض، ويأتي من خارج البلاد بعض المعارضين، ويتحدثون ضمن جوقة الزيف عن إنجازات هذا النظام في المجال الاجتماعي والاقتصادي والثقافي زورا وبهتانا، وقد كانوا من قبل يتحدثون عن هذه الانتهاكات وتلك التجاوزات بكونها تصدر من نظام فاشي استبدادي.
نجد كلاما مهما يوضح حقيقة تصورات تلك السلطات الباطشة وسياساتها الزائفة، وهو يستحضر كل تلك الترسانة حينما يهم أن يذهب إلى خارج البلاد ويتأكد له في كل مرة وفي كل زيارة لبلد أوروبي أو أجنبي أنه سيواجه بسجله الأسود في حقوق الإنسان والانتهاكات الفاضحة التي تطير أخبارها في كل مكان، وفي وسائل إعلام مختلفة

وحينما تسقط الأقنعة ويستخدم هؤلاء الزيف من الكلام، والزخرف من القول فإن هذا للأسف يشكل غطاء لكل هذه الانتهاكات الكبرى لحقوق الإنسان التي تعج بها الأخبار، وتبرز المشاهد تلو المشاهد على صفحات التواصل الاجتماعي لتؤكد أن هذه الانتهاكات الممنهجة هي ديدن هذا النظام ومنهجه في التعامل مع حالة حقوق الإنسان، فإذا ما تحدث البعض عن المعايير ادعى الطاغية أن معايير الحقوق في بلادنا غير تلك البلاد، وحينما يتحدث عن الحقوق السياسية والحق في التعبير فإنه يتطرق إلى حال الشعب وزيادة سكانه، وأن هذا الشعب في حاجة إلى تعليم وصحة وغير ذلك من خدمات، وحينما يتحدث عن الانتخابات فيقول إنه مستعد أن يجريها كل عام على شرط أن يعطوه تمويلا لتلك الانتخابات التي يضمن نتائجها ويزور متحصلاتها، فحتى الانتخابات المزورة لم يعد يريد أن يقوم بها!!

ومن هنا تبدو المسألة المركبة في ذلك الشأن في النظر إلى معنى السياسة وموضع حقوق الإنسان منها، فحينما يقوم النظام على اغتصاب السياسة وقتلها ووأد كل قنواتها، وتجريم أي معارضة أو احتجاج يمكن أن يقوم هنا وهناك من خلال ترسانة من التشريعات الظالمة والجائرة والاعتقال بلا جريرة، وأنظمة ومؤسسات فاسدة تخدم ذلك؛ سواء كانت أجهزة إعلامية أو أجهزة أمنية، أو أجهزة النيابة العامة، فضلا عن فساد القضاة الذي يمارس في الدولة ضمن مستويات مختلفة، فيؤدي ذلك في حقيقة الأمر إلى تكوين شبكة من مؤسسات الظلم وتكريسه كسياسة تتعلق بجعل هذه الانتهاكات سياسة منظمة، وممارسات ممنهجة.

فالشعب بالنسبة له هو ذلك الشعب الذي يراه قطيعا قابلا للترويض وفق تعبيرات بعض قادة العسكر في تسريباتهم: "شعب جعان.. متنيل بنيلة.. احنا اللي بنقعده وبنقومه.. وناخد اللقطة ونلبسه العمة". هذا هو تصور الشعب في وجدانهم، فماذا عن تصور الحقوق بالنسبة لهم إلا أن تكون زيفا أو مجرد زينة وديكور ودعوة إلى فرجة.

هكذا كان حديث الطاغية لا يكرره فقط على مسامع هؤلاء في الداخل، ولكنه صار يردده مرة تلو المرة على مسامع الخارج وحكوماته، فإذا سُئل عن حقوق الإنسان نادى عليهم: "تعالوا شوفوا حقوق المرأة، والحوار الوطني الذي يجري في مصر، واستراتيجية حقوق الإنسان"، مزكيا قيادته، ومؤكدا بلسانه أنه يحترم شعبه وحقوق إنسانه.

هكذا فإن حقوق الإنسان هي مجال لتلك اللقطة الزائفة، والفرجة الكاذبة على مشاهد زائفة ومزورة.. حوار زائف ومشاهد من صنوف من المرأة يستدل بها على تقديره لها، فهو صاحب كشوف العذرية وهو ينتهك حقوقها ليل نهار، كما يقبع بعضهن في سجونه يمارس عليهن كل أشكال الظلم والامتهان والاعتداء والعدوان.
حقوق الإنسان هي مجال لتلك اللقطة الزائفة، والفرجة الكاذبة على مشاهد زائفة ومزورة.. حوار زائف ومشاهد من صنوف من المرأة يستدل بها على تقديره لها، فهو صاحب كشوف العذرية وهو ينتهك حقوقها ليل نهار، كما يقبع بعضهن في سجونه

فحديثه ينصرف من بعد ذلك إلى "الفرجة" قائلا: "تعالوا شوفوا.." يذكرنا هذا بحزب مبارك المخلوع حينما كان يتألى على الناس بالحقوق حينما أجاب جمال مبارك -ابن المخلوع- عن حقوق الإنسان أحالهم إلى الموقع الالكتروني للحزب الوطني، الذي فيه العديد من حقوق الإنسان التي تعد بالعشرات، فكانت الحقوق بالنسبة له مجرد عبارات على موقع الكتروني لحزب يشكل أداة الطاغية والمستبد في حكم البلاد والعباد، وأشار هذا الابن في حينها إلى أن على الجميع أن يدخل الموقع الالكتروني حتى يتعرفوا ويتفرجوا على تلك الحقوق، ولسان حاله ومقاله كأنه يدعو الناس إلى الفرجة على حقوق الإنسان.

كل هذه الأمور ضمن تلك التصورات والإدراكات هي التي تنتهك المفهوم في حقيقته وجوهره، فتزيف النظر إليه وتغفل طقوس الانتهاكات اليومية فيه وفي ممارسته، ثم بعد ذلك يتحول كل هذا إلى لقطات هنا أو هناك لممارسات مشبوهة زائفة لحوار مزور، ولجنة عفو تقوم بإخراج أعداد قليلة، والتغطية على إحلال أعداد أكبر منهم دخولا إلى السجون ضمن سياسة لا تفرط في المخزون الاستراتيجي من السجناء والمعتقلين.. تقوم بكل ذلك وتتواتر مشاهد الانتهاكات الأمنية التي تمارس باستخفاف لدرجة قتل هؤلاء تحت التعذيب (من أحدث الحالات شاب عمره 19 عاما).

هكذا تبقى حقوق الإنسان في التصور الزائف للمستبد الطاغية حول حقوق الإنسان تكذبه كل المشاهد التي تتعلق بضنك الإنسان، وانتهاكات حقوق المواطن والأوطان.

 

twitter.com/Saif_abdelfatah
النقاش (0)