قضايا وآراء

كيف سيكون المشهد السوري بعد قمة سوتشي؟

غازي دحمان
عربي21
تحمل القمّة التي عقدها الرئيسان التركي والروسي في سوتشي مؤشرات كثيرة على احتمال حصول تغير في خرائط السيطرة في سوريا؛ وخاصة في شمال حلب، وقد تقابلها بعض الانسحابات على طرفي الطريق الدولي M5 الذي تطالب روسيا، منذ اتفاق سوتشي الثاني في شباط/ فبراير 2022، بإيجاد ممر آمن على طول الطريق خال من الوجود المسلح وبعمق ستة كيلومترات.

من المؤكد، أن ثمة العديد من القضايا المهمة كانت على طاولة البحث خلال اجتماع الرئيسين رجب طيب أردوغان وفلاديمير بوتين، نظراً للتشابك الهائل في العلاقات بين الطرفين، وعلى أكثر من مستوى. وقد وسّعت الحرب الأوكرانية مساحة التشابك في العلاقات الروسية والتركية، وتحظى بعض ملفات هذه العلاقة بأولويات البحث، مثل اتفاق الحبوب الذي رعته تركيا، وقد تتشجع الدبلوماسية التركية في معاودة المفاوضات الثنائية بين موسكو وكييف للتوصل إلى حل يرضي الطرفين، في ظل انعدام وجود أي مبادرة دولية لحل النزاع، وحالة التعب والإرهاق التي وصل لها الطرفان.

لكن الموضوع السوري ينطوي على أهمية خاصة للرئيس التركي، كما باتت العملية في شمال سوريا تمثل رهاناً وتحدياً بنفس الوقت لأردوغان، وذلك لارتباطها بمشروع إعادة مليون لاجئ إلى سوريا، وهو المشروع الذي يطمح حزب العدالة والتنمية في تصريفه سياسياً في الانتخابات القادمة ونزع ورقة اللاجئين من يد المعارضة التركية، وهو ما يضع العملية التركية في سوريا بمرتبة المعركة المصيرية لأردوغان وحزبه.
الموضوع السوري ينطوي على أهمية خاصة للرئيس التركي، كما باتت العملية في شمال سوريا تمثل رهاناً وتحدياً بنفس الوقت لأردوغان، وذلك لارتباطها بمشروع إعادة مليون لاجئ إلى سوريا، وهو المشروع الذي يطمح حزب العدالة والتنمية في تصريفه سياسياً في الانتخابات القادمة

من جهة أخرى، تعكس القمّة حجم الصدع في العلاقات التركية- الإيرانية، إذ أن أي تفاهم مع روسيا حول هذه العملية سيعني التفافا على الضغوط التي مارستها طهران، أثناء القمة الثلاثية، على الأطراف لمنع العملية التركية، لدرجة أن المرشد الأعلى علي خامنئي ذهب إلى حد اعتبار أن العملية التركية في سوريا ستضر بأمن تركيا نفسها، الأمر الذي فهم منه أن إيران ستكون مضطرة إلى تحريك وكلائها لمواجهة الجيش التركي وفصائل المعارضة المسلحة.

بالطبع، قمة سوتشي، بجانبها السوري، ستعني إعادة تهميش إيران في التفاهمات التي كانت على الدوام بين أنقرة وموسكو، طرفيها الأساسيين، ومن خلال القمم العديدة التي جمعت أردوغان وبوتين وتوصلا خلالها إلى تسويات عرفت باسم "سوتشي الأولى والثانية"، وقبلهما الاتفاق غير المعلن حول حلب، وفي جميع هذه الاتفاقيات لم يكن لإيران أي دور، وقد قبلت حينها، حتى لو على مضض، إما بسبب ضعف تشكيلاتها في شمال وشرق سوريا وحاجتها الدائمة للغطاء الروسي في معاركها، أو بسبب الاعتقاد بأن روسيا لن تسمح لأنقرة بزيادة مساحات السيطرة، لما لذلك من تأثير على المعادلات القائمة في سوريا والتوازنات التي أرستها الحرب السورية في السنوات الأخيرة.

لكن كيف ستبرر روسيا تراجعها عن تفاهمات قمة طهران مع إيران، والجبهة المتماسكة التي أسساها في مواجهة تركيا ورفضهما لأي عمل عسكري هناك؟ الأرجح أن روسيا لم تكن ترغب في إغلاق الباب نهائياً في وجه العملية التركية، وذلك بالنظر للفوائد التي من الممكن أن تجنيها من وراء تغيير بسيط في خرائط السيطرة ضمن مناطق لا تسيطر عليها أصلاً، والأرجح أن مفاوضاتها مع الإدارة الذاتية الكردية وصلت إلى طريق مسدود، بعد أن رفضت قيادة "قسد" تسليم المناطق التي تدخل ضمن برنامج العملية التركية لقوات النظام، كما أن المفاوضات بين الأسد و"قسد" فشلت في تحقيق أي نتيجة بسبب رفض النظام السوري مطالب الأكراد في الحكم الذاتي.
المشهد السوري بعد قمة سوتشي سيكون أمام تغييرات استثنائية، إن على مستوى خرائط السيطرة، أو العلاقة بين الفاعلين الأساسيين، وخاصة تركيا وإيران

أمام هذه المعطيات، قد يجد بوتين في التحرك التركي في شمال سوريا فرصة لتحقيق بعض المطالب من تركيا، مثل إعادة فتح الأجواء للطائرات العسكرية الروسية الذاهبة والقادمة من وإلى سوريا، بالإضافة إلى أنها فرصة لتوتير العلاقات بين أنقرة وواشنطن، التي وصلت إلى حد ينذر بحصول خلاف حاد بين الطرفين، وهذا مكسب سياسي مهم لبوتين.

بالنسبة لإيران، سيكون أي اتفاق بين موسكو وأنقرة في شمال سوريا مؤذياً لمصالحها، بعد أن باتت حلب في الحسابات الإيرانية تحتل أهمية خاصة في المشروع الجيوسياسي الإيراني في المنطقة، حيث صرفت طهران استثمارات عسكرية واقتصادية كبيرة في حلب خلال السنوات الأخيرة، بعد استعادة السيطرة عليها، كما ترى إيران في تل رفعت ومنبج بوابة حلب الشمالية، وسيطرة تركيا والفصائل عليهما ستضع حلب تحت مرمى مدفعية تركيا، وقد تكون السيطرة على المدينة الهدف القادم للقوات التركية، وهذا ما يضع إيران أمام خيارات صعبة؛ إما القبول بهذا الواقع رضوخاً للتفاهم التركي الروسي، وإما المقاومة وتوتير العلاقات مع أنقرة المتوترة أصلاً.

المشهد السوري بعد قمة سوتشي سيكون أمام تغييرات استثنائية، إن على مستوى خرائط السيطرة، أو العلاقة بين الفاعلين الأساسيين، وخاصة تركيا وإيران، في ظل انعدام مؤشرات التوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية.

twitter.com/ghazidahman1
النقاش (0)