قضايا وآراء

المفاضلة بين الغذاء والتدفئة في بريطانيا

هاني بشر
عربي21
يدعو إعلان منسوب لروسيا على وسائل التواصل الاجتماعي إلى هجرة الأوروبيين إليها قائلا إن فيها غذاء وتدفئة وتاريخ وثقافة. أثار الإعلان غضب الأوروبيين في إطار المواجهة المشتعلة بين المعسكرين على خلفية حرب روسيا في أوكرانيا، ومناط الغضب ليس فقط المواجهة، بل لأنه أتي ربما على أكثر قضية حساسة تتوجس منها الحكومات والشعوب الأوروبية مؤخرا، وهي قضايا الغذاء والتدفئة في الشتاء القادم.

لقد اندلعت حرب روسيا في الشتاء الماضي، واحتاج الأمر لعام كامل حتى تظهر أثر المواجهة الاقتصادية المباشرة والعسكرية غير المباشرة بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية من جهة، وروسيا من جهة أخرى على الشعوب الأوروبية.

كانت مسألة فواتير الطاقة للمنازل والمصانع دائما في بؤرة الحديث الاقتصادي والسياسي في بريطانيا؛ لأنها أحد المؤشرات الهامة على تكلفة المعيشة وقدرة المواطنين على مواكبتها على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية.
النقاش والحديث عن أخبار المفاضلة بين الطعام والتدفئة في بريطانيا كان محصورا داخل نطاق محدود من الفئات الاجتماعية في بريطانيا، والتي تحاول المنظمات الأهلية والحكومية مساعدتها عبر طرق مختلفة. تغير الأمر حاليا بسبب أزمات الطاقة المنبثقة عن حرب روسيا وأوكرانيا والتي ألقت بظلالها على الحياة اليومية للناس، وبدأ الحديث عن ظاهرة عامة

وأتذكر قبل سنوات عندما كنت أنجز تقريرا إخباريا يتناول قضايا مستويات الفقر في بريطانيا زرت فرع مؤسسة "أنقذوا الأطفال" الدولية في لندن، وأخبرتني إحدى المسئولات هناك عن أن هناك عديدا من الأسر البريطانية تفاضل بين إطعام أطفالها أو توفير تدفئة لهم في ليالي الشتاء الباردة، وأن بعض الأطفال لا يذهبون للمدارس لأن أولياء أمورهم عاجزون عن شراء معاطف مناسبة تقيهم البرد.

مثل هذا النقاش والحديث عن أخبار المفاضلة بين الطعام والتدفئة في بريطانيا كان محصورا داخل نطاق محدود من الفئات الاجتماعية في بريطانيا، والتي تحاول المنظمات الأهلية والحكومية مساعدتها عبر طرق مختلفة. تغير الأمر حاليا بسبب أزمات الطاقة المنبثقة عن حرب روسيا وأوكرانيا والتي ألقت بظلالها على الحياة اليومية للناس، وبدأ الحديث عن ظاهرة عامة قد يضطر فيها كثير من البريطانيون لهذه المفاضلة المزعجة في الشتاء القادم؛ ليس عن ضيق ذات يد ولكن بسبب قفزة مهولة متوقعة في أسعار الكهرباء والغاز. فيكفي أن نعرف أن متوسط إنفاق الأسرة الواحدة على فواتير الطاقة خلال السنوات الماضية كان يتراوح بين 3 و5 في المئة من الدخل، وهذا المعدل مرشح للقفز في كانون الثاني/ يناير 2023 المقبل إلى 25 في المئة.
المفاجأة هو بدء المحافظين أنفسهم في التفكير في برامج التأميم لقطاع الطاقة لمواجهة هذه الأزمة. وقد نشرت صحيفة الغارديان البريطانية قبل أيام استطلاعا للرأي يفيد بأن ثلثي الكتلة التصويتية لحزب المحافظين يدعمون تأميما لمؤقتا لشركات الكهرباء والغاز، وهو موقف تاريخي نادر

الأمر ليس حسابات اقتصادية فقط لأن العامل السياسي متداخل وبقوة، وذلك لأن هذه الأزمة تواكب أزمة سياسية أخرى تمر بها حكومة حزب المحافظين البريطانية، والتي اضطر فيها رئيس الحزب ورئيس الحكومة بوريس جونسون للتخلي عن منصبه، كما أن الشرطة تستعد لاحتمال اندلاع مظاهرات عارمة بسبب الغضب المتصاعد من الوضع الاقتصادي. كما أشارت استطلاعات الرأي إلى أن أسهم حزب العمال المعارض ازدادت وبسرعة لأول مرة منذ عشر سنوات، وهو الحزب الذي كان قد طرح فكرة تأميم شركات الطاقة في برنامجه في الانتخابات الماضية عام 2017، إبان زعامة رئيسه السابق جيرمي كوربن.

المفاجأة هو بدء المحافظين أنفسهم في التفكير في برامج التأميم لقطاع الطاقة لمواجهة هذه الأزمة. وقد نشرت صحيفة الغارديان البريطانية قبل أيام استطلاعا للرأي يفيد بأن ثلثي الكتلة التصويتية لحزب المحافظين يدعمون تأميما لمؤقتا لشركات الكهرباء والغاز، وهو موقف تاريخي نادر، وإن حدث فسيكون سابقة سياسية واقتصادية هامة في تاريخ البلاد؛ ليس لدلالة الخطوة نفسها، ولكن لكونها تأتي من الحزب اليميني الحاكم الذي طالما عارض مثل هذه الخطوات ذات الطابع الاشتراكي.

المؤكد أن بريطانيا مقبلة على خيارات صعبة على مستوى القيادة السياسية وعلى المستوى الشعبي، وهي خيارات بدأ الجميع في طرح حلول غير تقليدية لها من الآن، وستتصاعد هذه الحلول حتى نهاية العام الجاري، وكل الخيارات مفتوحة وكل الاحتمالات واردة.

twitter.com/hanybeshr
النقاش (0)