قضايا وآراء

الاحتقان الطائفي والتحول الديمقراطي والحوار المطلوب

قطب العربي
عربي21
من بين الكوابح الحقيقية أو المصطنعة أمام التحول الديمقراطي في مصر تبرز مشكلة الاحتقان الطائفي، وهي ظاهرة حقيقية موجودة بفعل أوضاع ثقافية واجتماعية ودينية متنوعة، لكن النظام الحاكم منذ السبعينيات وجد فيها فرصة وليس تهديدا، ذلك أنه وظفها لصالحه طوال الوقت، وأبقي عليها في حدود "آمنة" بالنسبة له، أي بما يبقي الظاهرة عند حدود معينة، ويتدخل النظام عندما يحدث تجاوز لتلك الحدود ينذر بتحويل الفرصة إلى تهديد.

تسهم أطراف عديدة في تغذية هذه الحالة على المستوى الشعبي من مسلمين أو مسيحيين، وتتدخل أجهزة مخابرات دولية أيضا لإذكاء الحالة، وتوظيفها لصالحها عبر أدوات متنوعة، لترفع منسوب الخوف لدى الأقباط وتدفعهم للهجرة أو طلب التدخل الأجنبي لحمايتهم.

ولكن الأخطر من تلك التدخلات والسياقات هو الدور الذي تلعبه أجهزة النظام نفسه لتذكية الطائفية، وما جريمة كنيسة القديسين عنا ببعيد، لقد وقع ذلك التفجير بسيارة مفخخة مطلع كانون الثاني/ يناير 2011، قبل أيام من اندلاع ثورة 25 يناير، واتهمت الداخلية تنظيما وهميا اسمه جيش الإسلام بهذا الحادث، وقبضت على شاب يدعى سيد بلال بتهمة الضلوع في الجريمة وعذبته حتى الموت، وكان مع سلفه خالد سعيد سببا لاندلاع الثورة ضمن أسباب أخرى، ثم وجه محامون مسيحيون في بلاغ رسمي لاحقا التهمة لوزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي وضباطه في تلك الجريمة.
تسهم أطراف عديدة في تغذية هذه الحالة على المستوى الشعبي من مسلمين أو مسيحيين، وتتدخل أجهزة مخابرات دولية أيضا لإذكاء الحالة، وتوظيفها لصالحها عبر أدوات متنوعة، لترفع منسوب الخوف لدى الأقباط وتدفعهم للهجرة أو طلب التدخل الأجنبي لحمايتهم. ولكن الأخطر من تلك التدخلات والسياقات هو الدور الذي تلعبه أجهزة النظام نفسه لتذكية الطائفية

وفي حادث احتراق كنيسة أبو سيفين مؤخرا ومصرع 41 وإصابة 14 آخرين من روادها، ألمحت قيادات مسيحية كبرى مثل رجل الأعمال نجيب ساويرس وتبعه نشطاء مسيحيون آخرون؛ إلى أن الحادث ليس نتيجة ماس كهربائي كما أعلنت وزارة الداخلية في بيانها، لكن ساويرس لم يشر لجهة معينة بالضلوع في الحادث، وإن سارع نشطاء إسلاميون إلى تحميل النظام مباشرة هذه الجريمة بزعم التغطية على الذكرى التاسعة لمذبحة رابعة. لم يقدم ساويرس أو النشطاء الإسلاميون مبررات مقنعة لكلامهم، لكنه يمثل جانبا من حالة الاحتقان الطائفي، والشكوك تجاه السلطة معا.

لكن هناك مظهرا إيجابيا تجدر الإشارة إليه في حادث الكنيسة الأخير، وهو حالة التعاطف والتضامن الواسعة مع الضحايا، والتي شملت كل فئات الشعب. وقد أبرزت وسائل الإعلام المصرية بطولة شاب سلفي عرض حياته للخطر لإنقاذ عدد من المسيحيين، فتعرض هو لإصابة بالغة.

حالة الاحتقان الطائفي تُستغل دوما لتعطيل أي تحول سياسي نحو الحرية والديمقراطية، بزعم أن فتح أي هامش للحريات سيفتح الباب للمزيد من الجدل والاحتقان الطائفي، وأن القبضة الأمنية هي الكفيلة بلجم أي تهور طائفي، والحقيقة أن مناخ الحرية والديمقراطية هو الكفيل بإزالة الاحتقان الطائفي.

وقد شهدنا نموذجا عمليا لذلك في أيام ثورة يناير الثمانية عشر، لقد كان المظهر العام في ميدان التحرير وغيره من الميادين دالا على تراجع الروح الطائفية، فالمسيحيون يصبون ماء الوضوء للمسلمين ويحرسونهم أثناء صلوات الجماعة.
حالة الاحتقان الطائفي تُستغل دوما لتعطيل أي تحول سياسي نحو الحرية والديمقراطية، بزعم أن فتح أي هامش للحريات سيفتح الباب للمزيد من الجدل والاحتقان الطائفي، وأن القبضة الأمنية هي الكفيلة بلجم أي تهور طائفي، والحقيقة أن مناخ الحرية والديمقراطية هو الكفيل بإزالة الاحتقان الطائفي

حرصت النظم العسكرية المستبدة التي حكمت مصر لأكثر من ستين عاما على أن تدير أمور الأقباط بطرق خاصة استثنائية، تمنع وتمنح وفقا لتقديرات السلطة وليس وفقا لنصوص دستورية أو قانونية، فتعطل بناء أو ترميم الكنائس استنادا إلى أسباب أمنية تسهم في صناعتها أحيانا، وتمنح التراخيص أو حتى تسهم مباشرة في بناء كنائس جديدة أو ترميم القديمة عند اللزوم أيضا، وتسكت على كنائس عشوائية وغير مرخصة أحيانا، وتبادر لهدمها أو إغلاقها أو تترك من يفعل ذلك أحيانا.

والسلطة المستبدة هي التي تحرم المسيحيين من تولي الوظائف الحساسة في الجيش والشرطة والقضاء (إلا قليلا ممن ترضى عنهم)، وتمنع دخولهم للكليات العسكرية إلا في حدود ضيقة ينظمها العرف وليس القانون. هنا قمة التناقض بين التزام السلطة العلني باحترام الدستور الذي أقسمت على احترامه، وبين إهدار نصوص هذا الدستور الخاصة بالمواطنة وتكافؤ الفرص من ناحية أخرى. والحكومة ذاتها هي التي لم تضمن المناهج الدراسية الحقبة القبطية في التاريخ المصري مثل باقي الحقب من الفرعونية حتى الإسلامية.

الاحتقان الطائفي في مصر يظهر حينا ويخبو أحيانا، ولا يمكن تحميل طرف واحد المسئولية عنه، فهي تتوزع على أطراف عديدة، بعضها إسلامية وبعضها مسيحية، وأحيانا كما قلنا حكومية. وقد تصاعدت هذه الحالة منذ مطلع السبعينات التي تزامنت مع اعتلاء الرئيس السادات لمنصب الرئاسة واعتلاء البابا شنودة منصب البابوية، فكانت أحداث منطقة الخانكة شمال القاهرة في العام ١٩٧٢، والتي تم خلالها إحراق دار خدمات مسيحية تحولت إلى كنيسة، وكان الرد علي ذلك بمسيرة كبيرة قادها الكهنة، تلتها مظاهرة من المسلمين في اليوم التالي، وعرض السادات هذه الأزمة على البرلمان الذي شكل لجنة لتقصي الحقائق (برئاسة جمال العطيفي) أوصت ببعض التوصيات التي لم تنفذها السلطة لاحقا، لتظل سياسة المنع والمنح وفقا لتقديرات السلطة وليست وفقا لقوانين واضحة.

تجددت الأحداث الطائفية أواخر عهد السادات بحادث الزاوية الحمراء، والذي تسبب مع أحداث أخرى في لجوء السادات لفرض حالة الطوارئ، واعتقال عدد كبير من الرموز الوطنية بينها شخصيات إسلامية ومسيحية، كما فرض الإقامة الجبرية على البابا شنودة حتى رفعها مبارك بعد عام من توليه الحكم.

كانت فترة منتصف التسعينات هي الأكثر عنفا في الأحداث الطائفية، وقد قمت بتغطيات صحفية للعديد منها، فعرفت كيف تلاعبت الشرطة ببعضها، وكيف تلاعبت جهات خفية ببعضها الآخر. وأذكر هنا مثالا لمنشور سري عبارة عن إيصال تبرع لما وصف بجمعية مسيحية سرية مسلحة، وكان الإيصال ممهورا بخاتم كنيسة رسمية في أسيوط، وكم كان سهلا على أن أكتشف تزوير هذا الإيصال الذي كان أحد أسباب فتنة كبرى في حينه، فليس معقولا أن جمعية تصف نفسها بأنها سرية، وليس معقولا أن تضع كنيسة ختمها الرسمي على هكذا إيصال، كان من الواضح أنه من فعل طرف ثالث أراد إثارة الفتنة ونجح في مسعاه مستغلا سذاجة البعض.
تلك الاستجابات لم تتحول إلى سياسات طبيعية مستقرة، فأزمة بناء وترميم الكنائس كان يمكن حلها مبكرا من خلال قانون موحد لبناء دور العبادة، يشمل المساجد والكنائس ويضع اشتراطات ومواصفات موضوعية تنطبق على الجمي

لا شك أن العديد من المطالب المسيحية تمت الاستجابة لها خلال العقود الأخيرة ابتداء من النصف الثاني لحكم مبارك وحتى الآن، ولكن تلك الاستجابات لم تتحول إلى سياسات طبيعية مستقرة، فأزمة بناء وترميم الكنائس كان يمكن حلها مبكرا من خلال قانون موحد لبناء دور العبادة، يشمل المساجد والكنائس ويضع اشتراطات ومواصفات موضوعية تنطبق على الجميع. والغريب أن هذا القانون كان مطلبا مسيحيا ملحا قبل ثورة 25 يناير 2011، غير أن الكنيسة اعترضت عليه حين جاءت فرصة حقيقية لإقراره بعد الثورة، وقد أصدر نظام السيسي قانونا لبناء الكنائس في العام 2016 كبديل عن القانون الموحد.

النصوص الدستورية والقانونية التي تؤسس للمواطنة والمساواة هي أمور جيدة وهي كثيرة لكنها مهملة أو مجمدة عمليا، ولم تستطع وحدها مواجهة حالة الاحتقان الطائفي، والحل الحقيقي لإنهاء هذا الاحتقان هو حوار شعبي حقيقي يشارك فيه قادة حقيقيون مسلمون ومسيحيون، في كل المجالات الدينية والسياسية والثقافية والاجتماعية.. الخ. هذا الحوار هو الكفيل بمعرفة الهواجس الحقيقية لكل طرف، وليس لطرف واحد، وهو الكفيل باقتراح وتنفيذ الحلول العملية.

twitter.com/kotbelaraby
النقاش (0)