فلسطين الأرض والهوية

فن الكاريكاتير الفلسطيني.. تثبيت للهوية عبر الصورة

أمية جحا وهاني عباس.. الكاريكاتير في خدمة الهوية الفلسطينية
أمية جحا وهاني عباس.. الكاريكاتير في خدمة الهوية الفلسطينية

يعتبر فن الكاريكاتير الفلسطيني من أهم التعبيرات الدالة على معاناة الشعب الفلسطيني وهمومه وحراكه المقاوم لاسترجاع الحقوق وطرد الغزاة من جنبات الوطن الفلسطيني، فضلاً عن كونه صورة تعكس عبر ريشة رسام مبدع صيرورة الهوية الوطنية الفلسطينية المتجذرة رغم محاولات الاحتلال الإسرائيلي  طمسها، بغرض فرض الرواية والمزاعم الصهيونية لاحتلال فلسطين وطرد شعبها؛ وفي هذا السياق نستحضر سيرة رمزين من جيل الشباب الفلسطيني سارا على نهج الشهيد ناجي العلي (أبي خالد)، وهما أمية جحا وهاني عباس.

أمية جحا
 
رسامة كاريكاتير فلسطينية، ولدت في مدينة غزة بتاريخ 2 شباط/ فبراير 1972م، حاصلة على جائزة الصحافة العربية لعام 2001، والعديد من الجوائز الفنية الأخرى، وهي تعد أول رسامة في العالم العربي تعمل في صحف سياسية يومية ومواقع إخبارية، وهي رسامة في الجزيرة نت؛ أشهر موقع إخباري عربي، ولها صفحة خاصة على الموقع. تخرجت في قسم الرياضيات بجامعة الأزهر عام 1995 بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى على الجامعة. 

 



تعتبر أمية جحا أول رسامة كاريكاتير في فلسطين والعالم العربي تعمل في صحيفة سياسية يومية. وشاركت في العديد من المعارض المحلية، كان منها معرض الكاريكاتير بعنوان "عائدون" في 27 أيلول/ سبتمبر 2005، وذلك في مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، احتفالاً بالانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، وقد عملت معلمة للرياضيات لمدة ثلاث سنوات ثم استقالت عام 1999 لتتفرغ للعمل الفني، حيث عملت منذ ذلك الحين كرسامة كاريكاتير في صحيفة القدس اليومية منذ أيلول/ سبتمبر 1999؛ وهي عضو في جمعية ناجي العلي للفنون التشكيلية في فلسطين. وتعمل إضافة لصحف سياسية يومية، في مواقع إخبارية، فضلاً عن رئاستها لشركة "جحا تون" لرسوم الكرتون. 

خلال عام 1999، فازت بالمرتبة الأولى على محافظات فلسطين بالكاريكاتير في مسابقة الإبداع النسوي التي أقامتها وزارة الثقافة الفلسطينية، كما أنها فازت بجائزة الصحافة العربية في الإمارات العربية المتحدة، وعام 2010، وفازت بالجائزة الكبرى في مسابقة ناجي العلي الدولية للكاريكاتير التي تنظمها جمعية التضامن مع الشعب الفلسطيني في تركيا بالتعاون مع مجموعة "هومور" للفكاهة والكاريكاتير في 28 تشرين الثاني (نوفمبر) 2010.

هاني عباس 

زارني الشاب الوادع هاني عباس لأول مرة وهو في نهاية الثانوية العامة، وفي حوزته عشر رسومات كاريكاتورية كنماذج من أعماله لانطلاقته الأولى. ولد الرسام الفلسطيني هاني عباس في مخيم اليرموك عام 1977، وينحدر من قرية صفورية قضاء مدينة الناصرة الفلسطينية الجليلية.

حاز على جائزة "حرية الصحافة للرسام الصحفي الدولية" في جنيف. مقيم في جنيف منذ 2014 بعد تهجيره قسراً من مخيم اليرموك عام 2012. بدأ الرسم العادي في فترة مبكرة من حياته، ومن ثم تطورت بعدها مهاراته في الرسم بشكل ذاتي وشارك في المعارض التي كانت تنظمها الأمم المتحدة.

نشأ في حنايا وزواريب مخيم اليرموك وبالتحديد في شارع صفد. وفي عام 1998 بدأ برسم الكاريكاتير السياسي، وفي العام نفسه نشر أول رسم في مجلة الهدف الفلسطينية، وبعد ذلك اعتمد الرسام هاني عباس على إقامة المعارض الفردية في المراكز الثقافية وكليات الجامعة. 

 



واللافت أن رسوماته تعكس الهم الفلسطيني على المستوى السياسي أو الاجتماعي. وأشار هاني عباس في مقابلته مع الصحفي فايز أبو عيد التي نشرت في موقع لاجئ نت، إلى أن "اللحظات الحقيقية والصادقة في حياتنا هي لحظات الحزن والمآسي.. ونحن كفلسطينيين أخذنا النصيب الأكبر من الهم والحزن في حياتنا.. إضافة إلى أننا قد ورثنا ذاكرة أجدادنا التي تشكل زخماً إضافيا.. هذه المعاناة اليومية تسهم بشكل مباشر في صياغة مفهوم صناعة الحيز الإبداعي في الشخصية الفلسطينية. وفي كافة المجالات.. ليس الفن فقط.. 

ولأن الفن هو الصيغة الأكثر وضوحاً وانتشاراً.. نجد بصمات المأساة الفلسطينية ظاهرة بشكل كبير في كل عمل فني.. ما يعطيه الصدق والعمق الأكبر". 

وفي معرض إجابته عن سؤال الصحفي أبو عيد: هل لك أن تصف لنا ما شعورك وأنت تضطر لمغادرة مخيم اليرموك وكيف انعكس ذلك في لوحاتك؟ وهل تجليات الأزمة السورية جعلتك تتجاوز خطوطا حُمرًا أنت كنت تضعها لنفسك؟ رد الرسام المبدع هاني عباس قائلاً: "هو الشعور الذي لا أستطيع وصفه، وتوصيفه، شيء يشبه اقتلاع شجرة من التراب، ورميها في موقد مشتعل، فخلال فترة وجودي في المخيم تحت القصف والتي استمرت حوالي الخمسة أشهر، كانت رسومي تميل باتجاه التحدي والصمود.. بعد أن نزحنا من المخيم بدأت الرسوم تميل نحو أزمة النزوح والتشرد الجديد. يمكنك ملاحظة ذلك من التسلسل الزمني للرسوم لدي.. نحن نمر بأزمات متلاحقة ومركبة أحاول توثيقها فنيا".

وعن كثرة تكرار شخصيات الأطفال في أعماله، وعن الطفولة الجانحة ماذا تركت من أثر في رسوماته؛ قال عباس: "الأطفال هم الفئة الأكثر تضررا في الحروب، النقاء الذي يتعرض لكل تلك القسوة، الرسم بعيون طفل يعطيك رؤية بسيطة وواضحة لما يجري، لقد فقدنا الكثير من أطفالنا وتشرد الكثير منهم أيضاً. إنني دائماً أشعر بجرحهم الذي لم يعوه بعد، إنه الجرح الذي سيترك أثره بشكل واضح على مستقبلهم ومستقبل عدة أجيال من شعبنا. لاحظ براءة الطفل وهو ينظر إلى طائرة ربما تلقي عليه صواريخها بعد ثوان".. 

وأكد عباس أن فن الكاريكاتير "هو في الأصل فن مقاوم، ومع ثورة الاتصالات الحديثة أصبح من الضروري استغلال هذه الثورة في الرسائل التي نريد إيصالها إلى العالم بشكل أسهل وأسرع، وكلنا يعلم أن الصورة أكثر تأثيراً من الكلمة والفكرة أكثر تأثيراً من الصورة. قضيتنا عادلة وكان ينقصها سابقاً الوصول بشكل صحيح إلى العالم، أما الآن فلا يمكن لأحد أن يمنع تدفق المعلومات والصور عبر الإنترنت، لذلك فإن علينا استثمار ذلك جيداً، أما بالنسبة لي فكانت وسائل التواصل الاجتماعي من أهم القنوات التي استطعت إيصال عملي وفكرتي من خلالها، دون الحاجة لوسائل الإعلام التقليدية كالصحف والتلفزيونات التي أعتبرها ذات مساحة محدودة في النشر والانتشار والتي تتحكم بها عقليات مؤطرة. مفهوم الحرية هو مفهوم راسخ هنا في إيصال أفكارك بمفردك، القصيدة تصنع ثورة، الحرب لا توقفها قصيدة". 

والمقياس الحقيقي لنجاح رسوم الكاريكاتير ـ بحسب الرسام هاني عباس ـ هو مدى تأثيره، سواء بكلام أو بدون كلام، إنه يعتمد على ثقافة المجتمع الذي يوجه الكاريكاتير له، وطبيعة تحمل الكاريكاتير للكلام، ونادراً جدا ما يكتب هاني في الكاريكاتير، إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك. المهم إيصال رسالته. وثمة  رموز كثيرة سطع نجمها خلال العقود الثلاثة الماضية من الفلسطينيين في مجال فن الكاريكاتير، وفي المقدمة منهم أمية جحا وهاني عباس، لاستكمال نهج الشهيد ناجي العلي؛ مقاومة الاحتلال الصهيوني عبر ريشة فنان.

*كاتب فلسطيني مقيم في هولندا 


النقاش (0)
الأكثر قراءة اليوم