قضايا وآراء

تغييرات الوزراء ومحافظ البنك المركزي المصري بين الشكلية والموضوعية

أشرف دوابة
عربي21

شهدت مصر خلال الأيام القليلة الماضية تغييرا وزاريا تم إقراره بجلسة استثنائية من مجلس النواب بعد استدعاء أعضائه من عطلتهم السنوية، وبموجبه تم تغيير 13 وزيرا، هم وزراء الصحة، والتربية والتعليم، والري، والهجرة، والتعليم العالي، والسياحة والآثار، والتجارة والصناعة، والطيران المدني، والقوى العاملة، والثقافة، والتنمية المحلية، وقطاع الأعمال العام، والإنتاج الحربي. ثم لحق ذلك إعلان محافظ البنك المركزي طارق عامر استقالته، أو بمفهوم الحقيقة إقالته وتعيين حسن عبد الله قائما بأعمال محافظ البنك المركزي خلفا له.

ومن خلال النظر في التغييرات في الحكومة نجد أنها لا تسمن ولا تغني من جوع، فهي تغييرات شكلية. ولا يختلف الأمر بالنسبة لمحافظ البنك المركزي في ظل عسكرة الاقتصاد والقبضة الأمنية الحديدية واعتماد التنفيذ على الأوامر من اتجاه واحد، كما هو حال العقلية العسكرية.

وقد جاءت استقالة أو إقالة محافظ البنك المركزي طارق عامر لتكشف عن أن تجميل القبيح لا يمكن أن يدوم وأن المسكنات والشكليات لا تستمر طويلا، حيث إن سجل طارق عامر مليء بالإخفاقات والنفاق الاقتصادي.

التغييرات في الحكومة نجد أنها لا تسمن ولا تغني من جوع، فهي تغييرات شكلية. ولا يختلف الأمر بالنسبة لمحافظ البنك المركزي في ظل عسكرة الاقتصاد والقبضة الأمنية الحديدية واعتماد التنفيذ على الأوامر من اتجاه واحد، كما هو حال العقلية العسكرية

لقد اجتهد البعض في سبب استقالته أو إقالته التي عزاها هو لضخ دماء جديدة تحمل المسؤولية، وعزاها البعض إلى صدور قرار منه منتصف شباط/ فبراير الماضي بوقف العمل بمستندات التحصيل على أغلب السلع المستوردة، وقصر ذلك على الاعتمادات المستندية لتخفيف الضغط على النقد الأجنبي، وهو ما أدى إلى تأثير سلبي من جانب آخر على حركة التصنيع والصادرات، وخلق جوا من النزاع العلني والمستتر بينه وبين العديد من منظمات الأعمال؛ منها اتحاد الصناعات وجمعية رجال الأعمال المصريين واتحاد العام للغرف التجارية، لا سيما في ظل تعليماته أيضا للبنوك في نيسان/ أبريل الماضي بمنع قبول موارد النقد الأجنبي غير معلومة المصدر أو التي مصدرها شركات الصرافة؛ في العمليات الاستيرادية، وهو ما أجج الأجواء بين الطرفين. وإن كان السيسي تدخل بعد ذلك في أيار/ مايو الماضي بإصدار توجيهاته باستثناء مستلزمات الإنتاج والمواد الخام من فتح الاعتمادات المستندية في البنوك قبل عملية الاستيراد، والعودة إلى النظام القديم من خلال مستندات التحصيل.

كما أضاف البعض لسبب الاستقالة أو الإقالة الفشل للآن في التوصل لاتفاق مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض جديد، في ظل طلب الصندوق المزيد من تخفيض قيمة الجنيه المصري رغم انخفاضه مقابل الدولار بنسبة 22 في المئة من آذار/ مارس الماضي وحتى الآن، وغل يد العسكر في الاقتصاد، وما يواجهه الاقتصاد المصري من تعثر وارتفاع فاتورة الديون، إضافة إلى الخلافات الخفية بين إدارة السياسة النقدية التي من مهمة البنك المركزي، والسياسة المالية التي من مهمة وزارة المالية في ظل متطلبات صندوق النقد الدولي للقرض الجديد.

إن سياسة طارق عامر في إدارته للبنك المركزي كانت تنبثق من منطلق تحقيق الرضا للسيسي بتجميل الاقتصاد بقناع وهمي دون أي اعتبارات لقواعد الاقتصاد، وهو ما مثّل دعما للسيسي في أن يلعب في ميدان الديون بلا تنمية والمشروعات باهظة التكاليف قليلة العائد المادي والاجتماعي؛ والتي لا استفادة منها سوى للطبقة الغنية المقتدرة، دون بقية الشعب المطحون.
القضية ليست قضية أشخاص بل قضية سياسات، وهذا المحافظ الجديد قد يغير من بعض الأدوات النقدية المستخدمة ولكنه في النهاية يلعب في ملعب محدود أنهكته الديون والغلاء المشهود وبوادر الإفلاس التي على القدوم، وتعليمات العسكر وتوجيهات السيد الرئيس التي هي العلم الذي لا مناص منه والخبرة التي لا مثيل لها

لقد عمد طارق عامر إلى تثبيت سعر صرف الجنيه المصري من خلال الاحتياطي من النقد الأجنبي في البنك المركزي المصري؛ الذي عمد كذلك لرفعه بودائع تمثل ديونا من دول الخليج وغيرها لتجميل صورة هذا الاحتياطي، فضلا عن فتح الباب للأموال الساخنة لتسرح وتمرح في ظل رفع سعر الفائدة بصورة مغالى فيها، ويوم أن رفعت الولايات المتحدة الأمريكية سعر الفائدة خرج أكثر من 20 مليار من هذه الأموال لتضرب سعر صرف الجنيه في مقتل وتخلخل الاقتصاد، حتى هبط الاحتياطي من النقد الأجنبي بنسبة 19 في المئة خلال سبعة شهور، ليصل لنحو 33.1 مليار دولار في نهاية تموز/ يوليو الماضي. بل إن من مصائب هذا المحافظ شراء البنك المركزي 44 طن ذهب في شباط/ فبراير الماضي، في وقت هبط فيه سعر الذهب بعد الشراء مباشرة محققا خسائر لبلد تحتاج إلى كل جنيه بفعل العشوائية في اتخاذ القرارات.

إن استقالة أو إقالة طارق عامر والإتيان بغريمه حسن عبد الله لن يغير من المضمون كثيرا، وإن ظهر بعض التغير الشكلي، فكما يقوم المثل المصري "أحمد مثل ازدحمد"، فالقضية ليست قضية أشخاص بل قضية سياسات، وهذا المحافظ الجديد قد يغير من بعض الأدوات النقدية المستخدمة ولكنه في النهاية يلعب في ملعب محدود أنهكته الديون والغلاء المشهود وبوادر الإفلاس التي على القدوم، وتعليمات العسكر وتوجيهات السيد الرئيس التي هي العلم الذي لا مناص منه والخبرة التي لا مثيل لها بمنطق القوة العسكرية لا قوة المنطق المدنية.

 

twitter.com/drdawaba
النقاش (0)