قضايا وآراء

رحيل كمال عيد.. أستاذ الأساتذة

هشام عبد الحميد
1300x600
1300x600
ورحل د. كمال عيد، آخر رجال مسرح الستينيات، وآخر جيل الأساتذة، واستحق عن جدارة هذا اللقب (أستاذ الأساتذة). والأساتذة هم: كرم مطاوع، وسعد أردش، وجلال الشرقاوي، ونبيل الألفي، وحمدي غيث، وكمال يس، وعبد الرحيم الزرقاني، وأحمد عبد الحليم، وقبلهم جيل الرواد، وهم: جورج أبيض، ويوسف وهبي، ونجيب الريحاني، وزكي طليمات.

كان د. كمال عيد، يتمتع بحس مهني كبير، وهو بحق أستاذ في فصول الدراسة الأكاديمية، قد نختلف معه أو نتفق، ولكننا أبدا لا نستطيع أن نبخس حقه الأكاديمي، وجهوده العلمية المتواصلة، التي استفادت منها العديد من الأجيال المتعاقبة على المعهد العالي للفنون المسرحية، وخصوصاً قسم التمثيل والإخراج، وطلاب الدراسات العليا عموما.

ولقد كان الراحل سببا مباشرا في اكتشاف أو المساهمة في تسليط الضوء على المواهب الجديدة، التي تتلمس أولى خطواتها العملية، سواء داخل جدران المعهد أو خارجه، فكان ممن ساهموا في لفت الأنظار إلى النجم الراحل نور الشريف.

فقد عزم د. كمال عيد على تقديم مسرحية روميو وجولييت على مسرح الجيب من طلبة المعهد العالي للفنون المسرحية قسم التمثيل، فكان نصيب دور البطولة لنور الشريف الذي كان طالبا في المعهد وقتذاك، وقد سلط الإعلام الأضواء على هذه المسرحية وأبطالها الوجوه الشابة. وكان نور في مقدمتهم، وبعد بروفات طويلة اعتذر د. كمال عيد لسفره في الخارج الذي طال بعض الشيء، وتوقفت المسرحية قبل أن تبدأ، ولكن جاءت بثمارها، ولفتت الأنظار بقوة لهذا الشاب الذي يتحسس طريقه في عالم الفن وهو نور الشريف.

صحيح المسرحية لم تكتمل، ولم يتم عرضها، ولكنه كوجه شاب، جاءت له فرص مهمة، كمسلسل القاهرة والناس من إخراج محمد فاضل، والتي انطلق من خلالها للسينما في فيلم بين القصرين للمخرج حسن الإمام، وشق طريقه بعد ذلك في رحلة فنية بديعة.

ومما يحضرني أيضا لهذه القامة العلمية التي لا تخطئها العين، أنه أثناء تدريسي بقسم التمثيل والإخراج بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وكنت معيدا للسنة الرابعة، وكان د. كمال عيد هو أستاذ لمادة المشروع، حدث أن جاءني طالب نابه، ولكنه بسبب حماقة ارتكبها ذلك الطالب، أشعل غضب د. كمال عيد، مما أدى إلى تجاهل د. كمال عيد له، وعدم موافقته لعمل مشروع تخرج لهذا الطالب، مما دفع الطالب للاستعانة بي لعمل مشروع التخرج، وكان مشهدا تمثيليا صامتا، على أن قبولي لعمل المشروع يساوي توتر العلاقة بيني وبين د. كمال عيد.

ومرت الأيام والشهور وجاء اليوم المشهود، واستطاع الطالب أن يثبت جدارته بامتياز في المشروع، بل وينتزع إعجاب د. كمال عيد نفسه.

وخرج د. كمال عيد ليسألني: هل أنت من قام بعمل المشروع لهذا الطالب؟! أجبته فورا بالإيجاب، فتهللت أساريره فرحا، وقال لي: كنت قد اتخذت قرارا بإعطائه صفرا، لحماقته ونزوقه، ولكن عندما شاهدته على خشبة المسرح ينفذ تقنيات عالية الجودة والتدريب، قررت أن أعطيه تقديرا عاليا، والفضل في الواقع يعود إليك، فكل الشكر لك.

بهذا نرى هذا التصرف النبيل من هذا الأستاذ الحقيقي، الذي انتصر فيه لقيم الحق والخير والجمال، ولم يغضب مني أو يحمّل الموقف ما لا يحتمل، ولم يصمم برعونة وصلف بعض من يطلق علهم أساتذة، على رسوب الطالب.

د. كمال عيد كان يقترب إلى الكمال الذي يفتقده الكثيرين، فاستحق بتواضع جم وجدارة علمية حقيقية، لقب أستاذ الأساتذة، ليس في مصر وحدها، بل في الوطن العربي الكبير.. فوداعا المعلم الكبير د. كمال عيد.
النقاش (0)