مقالات مختارة

أي أفق للعلاقات الجزائرية الفرنسية؟

بلال التليدي
عربي21
تطرح زيارة إيمانويل ماكرون إلى الجزائر سؤال أفق العلاقات الجزائرية الفرنسية، وما إذا كانت ستبدد جليد الخلاف بين البلدين، وتؤسس لتفاهمات استراتيجية، وتفتح الطريق لعودة الاستثمارات الفرنسية، وتشكيل رؤية مشتركة حول الملفات الخلافية بين البلدين؟
الجواب عن هذا السؤال يتطلب طرح ثلاثة أسئلة ضرورية يتعلق الأول بماذا تريد الجزائر اليوم من فرنسا، والثاني بماذا تريد فرنسا اليوم من الجزائر، ويرتبط الثالث بحدود تحقيق هذه التطلعات المشتركة، وتحديات ذلك في سياق إقليمي مشوب بكثير من التوتر والحذر.
فرنسا تمر من فترة صعبة في علاقتها بكل من إسبانيا والمغرب، وهي تترقب موسم شتاء صعب بسبب أزمة الإمدادات الطاقية، وتتحرك في سياق حذر بسبب خشيتها من خروج علاقاتها مع المغرب من دائرة البرود إلى دائرة التوتر.
الجزائر هي الأخرى تمر في فترة صعبة، وذلك بسبب توتر علاقتها مع إسبانيا، وبسبب انزعاج أوروبي أمريكي من انتقال تقاربها مع روسيا إلى خدمة لوجستية لها تعينها على تقوية نفوذها في منطقتي شمال إفريقيا والساحل جنوب الصحراء، لكنها في المقابل تعيش لحظة انتعاش مالية مهمة، بسبب ارتفاع أسعار الطاقة، وتكثف الطلب عليها أوروبيا بسبب قدرتها على تحقيق جزء من الإمدادات الطاقية نحو أوروبا.
الجزائر تنظر للعلاقات مع فرنسا من منظار خاص، تغطي الذاكرة أكثر من نصفها، ويغطي النصف الآخر قضايا إقليمية تتعلق بملف الصحراء والعلاقة مع المغرب، فضلا عن الملف المالي وأيضا الليبي.
النظرة الفرنسية مختلفة تماما، فما يهمها اليوم من الجزائر هو تلبية حاجتها من الإمداد الطاقي حتى تتجنب شتاء قاسيا، والتمكين لمصالحها الاقتصادية والتجارية، وتحصين نفوذها اللغوي والثقافي، حتى لا تسير الجزائر في طريق دعم اللغة الانكليزية ومحو اللغة الفرنسية من المنظومة التربوية، وهي تتطلع في المحور الإقليمي أن تبدد جزءا من الخلاف على مستوى الملف المالي.
تبدو هذه هي التطلعات التي يريد كل بلد تحقيقها من الآخر، لكن، ليس من السهل تصور حصول تفاهم على كافة هذه المستويات، لأن إمكان تحقيقها في ظل المناخ الإقليمي المتوتر، يظل صعبا، ففرنسا لا يمكن أن تحرق كل أوراقها، وتربك خط التوازن الاستراتيجي الذي كانت تتعامل به مع كل من المغرب والجزائر، وهي في الوقت ذاته، لا يمكن أن تخرج عن المحور الأوروبي، بل والأمريكي، في ملف محاصرة النفوذ الروسي في شمال إفريقيا وفي غربها أيضا. أما الجزائر، فقرارها الخارجي أيضا مقيد بجملة إكراهات تمنعه من الذهاب بعيدا في رسم أفق العلاقات مع فرنسا، فهي مرتبطة بالمحور الروسي، سواء على مستوى التفاهمات في مجال الطاقة، أي أن الجزائر لا يمكن لها بحكم علاقتها الوطيدة بموسكو أن تكون أداة لإفشال التكتيكات الروسية في إدارة الصراع مع أوروبا، ولا يمكن لها أيضا أن تطعن موسكو من الخلف سواء في الملف الليبي أو الملف المالي، وحتى نقطة الاستثمارات التي تعتبر أقل خلافية بين البلدين، بحكم أنهما معا يرغبان في عودة الاستثمارات الفرنسية إلى الجزائر وتعزيزها، فهي الأخرى، غير مرشحة للذهاب بعيدا لأن الرؤية الشمولية التقليدية التي تحكم نظرة الجزائر للاستثمارات لا يمكن أن تشجع كثيرا في هذا الباب.
فإذا استحضرنا المحيط الإقليمي، وبالضبط العلاقة مع المغرب، فإن خيارات فرنسا تبقى جد محدودة، لأن أي استثمار سياسي واستراتيجي في العلاقة مع الجزائر يعني فقدان حليف استراتيجي يملك أوراقا مهمة في الضغط على فرنسا، وفي تعظيم معاناتها خلال فصل الشتاء المقبل.

ما يؤكد ذلك مؤشران اثنان، أولهما ما ورد في خطاب الملك محمد السادس في ذكرى ثورة الملك والشعب، والذي من المؤكد أنه قرئ فرنسيا على أنه تهديد سبق زيارة ماكرون إلى الجزائر، حيث أكد الملك بأن الصحراء أضحت هي نظارة المغرب في توجيه السياسات الخارجية ودعا الحلفاء التقليديين (ويقصد على وجه الخصوص فرنسا) إلى إنهاء مرحلة الغموض والازدواجية في هذا الموضوع، وحذر من أن هذا الخط يعني انتهاء العلاقات الاستراتيجية مع باريس. أما المؤشر الثاني، فقد سبق هو الآخر الزيارة، ويتمثل في إعلان إيمانويل ماكرون عن عزم باريس القيام بوساطة والتحضير لرباعية يحضر فيها الطرف الإسباني والمغربي والجزائري والفرنسي لخلق تفاهمات جديدة تجيب عن تحديات الحرب الروسية على أوكرانيا على المنطقة.
تبعا لهذا التحليل، يمكن أن نسجل صعوبة كبيرة ستجدها المباحثات بين الطرفين على مستوى النظر للقضايا الإقليمية، وبشكل خاص قضية الصحراء والملف الليبي والملف المالي، ومن المرجح أن تترك قضية النفوذ الروسي في المنطقة ودور الجزائر في الخدمة اللوجستية لها، وأن يتم التركيز على أجندة أخرى، يتم فيها مقابلة الذاكرة بالإمدادات الطاقية والاستثمارات الفرنسية في الجزائر، مع طمأنة باريس بأن الجزائر لن تكون فاعلة في تقويض نفوذها اللغوي والثقافي في المنطقة، وأنها بدلا من ذلك ستعمل على استبقاء الحالة التي سبقت التهديد بإحلال الإنكليزية في منظومة التربية والتكوين بدل اللغة الفرنسية.
فرنسا تعرف أن ملف الذاكرة حساس، وتعرف بخبرتها التاريخية أنه يأخذ الجزء الأكبر من الزمن في محادثات رؤسائها السابقين مع مسؤولي الجزائر، وتدرك أن الطرف الجزائري سيحس بنشوة كبيرة عند أي تنازل فرنسي، ويمكن أن يغطي هذا التنازل على كافة الملفات، ولذلك، من الأرجح أن يتجه الطرف الفرنسي إلى حلحلة هذا الملف، وتقديم مزيد من التنازلات دون الوصول ضرورة إلى الاعتذار، لكنها في المقابل، ستكون مشتطة في الطلب من جهة ثلاث أجندات أساسية: أولها تلبية الإمدادات الطاقية، والثاني، عودة الاستثمارات الفرنسية وأخذ ضمانات بعدم المس بالمصالح الفرنسية، والثالث، هو تحصين النفوذ اللغوي والثقافي الفرنسي في الجزائر والحفاظ على موقع اللغة الفرنسية في منظومة التربية والتكوين.
المشكلة أن الإمدادات الطاقية تواجه إكراه الاعتبارات التقنية، فالجزائر تربطها بأوروبا ثلاثة خطوط أنابيب، يمر الأول مباشرة من الجزائر إلى إسبانيا، والثاني من الجزائر إلى إسبانيا عبر المغرب، والثالث من الجزائر إلى إيطاليا.
الأقرب من جهة التصور التقني للإمدادات الطاقية الجزائرية إلى فرنسا، أن يتم ذلك من جهة إسبانيا، ولذلك تعمل فرنسا جاهزة قبل شتاء العام المقبل على إعداد أنبوب غاز يربطها بإسبانيا يمتد لحوالي 800 كيلومتر.
الإشكال أن الجزائر علقت العمل بالأنبوب المغاربي العام الماضي، وأبقت على أنبوب “ميد غاز” وحده لإمداد الغاز إلى إسبانيا، وحتى في الحالة التي تحصل فيها تفاهمات بين فرنسا وإسبانيا والجزائر حول الإمدادات الطاقية الجزائرية إلى باريس، فإن مشكلة الأنبوب المغاربي ستطرح من جديد، بسبب أن الإسبان جد منزعجين من عدم وفاء الجزائر بالتزاماتها بالتدفق المسترسل للغاز الناتج عن ضعف سعة أنبوب ميد غاز وحاجته للصيانة كل حين، فما بالك إن فرض على هذا الأنبوب مد إسبانيا وفرنسا معا بالغاز.
التطلعات الممكنة وحجم الإكراهات تقول بأن الأفق الممكن للعلاقة الفرنسية الجزائرية لن يتجاوز هذا المستوى، وأن أي تجاوز له يعني دخول العلاقات الفرنسية المغربية إلى نفق مظلم، يمكن أن يدفع المغرب لاستعمال أوراقه المختلفة، على غرار ما فعل مع إسبانيا وألمانيا قبل تحول موقفهما من قضية الصحراء.
فرنسا جربت في 2016 تداعيات التوتر على مستوى ملف واحد يهم التعاون الأمني والقضائي مع المغرب بعد أن اتخذت الرباط قرارا بتعليقه، وقد أدركت بعد الهجمات الإرهابية (باريس ثم نيس)، أنها خسرت كثيرا من جراء تبنيها لرؤية تنظر للمغرب على أساس أنه مجرد لاعب مساير السياسة الفرنسية في غرب إفريقيا، وليس فاعلا منافسا وشريكا.
ولذلك، فقد سارع ماكرون إلى الإعلان عن ورقته لتشكيل لجنة رباعية لتحقيق تفاهمات بين الرباط ومدريد والجزائر وباريس، وذلك لأنه يعلم أنه حتى ولو بدأ زيارته إلى الجزائر بعد انتخابه رئيسا لولاية ثانية وذلك على غير المعتاد، فإن المصالح الاستراتيجية الفرنسية لا تتحمل أن تمضي في اتجاه واحد.


القدس العربي اللندنية
2
النقاش (2)
غزاوي
الجمعة، 26-08-2022 01:21 م
.../...يتبع مجرد تساؤل. هل يقدر الكاتب مكانة الجزائر ويفهم آلية النظام الجزائري !!!؟؟؟ لا أظن ذلك. جاء في المقال ما نصه: "لكنها في المقابل، ستكون مشتطة في الطلب من جهة ثلاث أجندات أساسية: أولها تلبية الإمدادات الطاقية، والثاني، عودة الاستثمارات الفرنسية وأخذ ضمانات بعدم المس بالمصالح الفرنسية، والثالث، هو تحصين النفوذ اللغوي والثقافي الفرنسي في الجزائر والحفاظ على موقع اللغة الفرنسية في منظومة التربية والتكوين." انتهى الاقتباس. الكاتب يتكلم كأنه هو من سيوقع على هذه التنازلات السالفة. في مقالة منشورة له في صحيفة “لوبوان” الفرنسية بتاريخ: 22/08/2022، تحت عنوان: " ريح باردة بين المغرب وفرنسا"، قال الطاهر بن جلون الكاتب المغربي ما نصه: " وقيامه (ماكرون) بهذه الزيارة إلى الجزائر تؤكد أنه لم يفهم آلية النظام الجزائري الذي لا يقدم أي تنازلات.”. انتهى الاقتباس. عكس ما يتوهم أو يتمنى الكاتب فإن ماكرون هو الذي سيقدم التنازلات بدليل الوفد المرافق له الذي يبلغ تعداده 90 شخصا بينهم سبعة وزراء. وفي نفس مقال صحيفة “لوبوان” الفرنسية قال بن جلون ما نصه: "Il (Macron) est cependant obsédé par l'Algérie" ما ترجمته: (ماكرون مهووس بالجزائر). والحقيقة ليس فقط ماكرون بل كل فرنسا مهووسة بالجزائر. فبعد ثماني سنوات قضاها كسفير سابق لفرنسا في الجزائر قال كسافيي دريانكور في مذاكراته المعنونة: ”اللغز الجزائري: أوراق سفارة في الجزائر” ما نصه: "أن الجزائر بالنسبة للفرنسيين لا تقل أهمية عن ألمانيا من حيث التاريخ المشترك والشراكة الاقتصادية”. انتهى الاقتباس. وينقل درايانكور تصريحا لموريس جوردو مونتاني، الأمين العام للسفارة عندما كان هو في الجزائر، قال فيه ما نصه: “بالنسبة لفرنسا ودبلوماسيتها، كان هناك بلدان مهمّان بشكل خاص ولأسباب مختلفة بالطبع: ألمانيا والجزائر. لذلك يجب أن نكون منتبهين لعلاقاتنا مع هذين الشريكين الرئيسيين”. انتهى الاقتباس. وقال في أحد تصريحاته ما نصه: Les Algériens «savent faire plier leurs interlocuteurs, dont nous sommes évidemment», ما معناه: "الجزائريون يجيدون تركيع محاوريهم، ونحن منهم طبعا". ;في حوار نشرته جريدة " algeriepatriotique" الجزائرية يوم:25/08/2022، قال جاكوب كوهين عن زيارة ماكرون للجزائر ما نصه: « Macron voudra certainement colmater les brèches causées par le retournement total du Mali, le sentiment antifrançais qui se répand dans la région et l’influence grandissante de la Russie et de la Chine. Il cherchera à consolider les livraisons de gaz et de pétrole après les sanctions désastreuses prises contre la Russie et qui se retournent contre les Européens. Il se fera le porte-parole de l’OTAN qui craint de voir l’Algérie rejoindre les BRICS. Il vient donc en demandeur et devra donner des gages qui iront dans l’intérêt de l’Algérie. Cela n’est pas dans sa nature, mais il devra faire preuve d’humilité.» مع التشديد على عبارة: « Il vient donc en demandeur » لتذكير القراء الكرام: 1- موريس جوردو مونتاني: هو دبلوماسي فرنسي مخضرم وسفير سابق لدى الصين واليابان والمملكة المتحدة وألمانيا. 2- جاكوب (يعقوب) كوهين: هو كاتب ومفكر مغربي من المغاربة اليهود، هاجر إلى فرنسا وحصل على جنسيتها وهو ومقيم الآن بالعاصمة الفرنسية باريس.
غزاوي
الجمعة، 26-08-2022 01:20 م
مجرد تساؤل. مقالا لا يعكس الواقع وسأستشهد بخبرين نظَّر لهما الكاتب. 1- هل اشتكت إسبانيا من الجزائر. !!!؟؟؟ جاء في المقال ما نصه: "أن الأسبان جد منزعجين من عدم وفاء الجزائر بالتزاماتها بالتدفق المسترسل للغاز الناتج عن ضعف سعة أنبوب ميد غاز. " انتهى الاقتباس." الانخفاض الذي حصل بسبب نقص من الحجم الإضافي الخارج عن العقود وتم تحويله إلى إيطاليا. 2- متى أعلن ماكرون عن تشكيل اللجة الرباعية !!!؟؟؟ جاء في المقال ما نصه: "فقد سارع ماكرون إلى الإعلان عن ورقته لتشكيل لجنة رباعية لتحقيق تفاهمات بين الرباط ومدريد والجزائر وباريس. " انتهى الاقتباس." المشكل لدى المغربيين أنهم يُنضرون لافتراضات ويؤولون تصريحا ومواقف الآخرين حسب تمنياتهم وما تشتهي أنفسهم، فما يلبثون حتى تصدمهم الحقائق. تماما كم نظروا لتغريدة ترامب ومديح ألمانيا وإسبانيا ليصدمهم التوضيح الذي طلبه الملك الصادر عن المتحدثة باسم الحكومة الإسبانية، إيزابيل رودريغيز وعن الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والأمنية جوزيب بوريل اللذين أكدا موقف اسبانيا والاتحاد الأوروبي الثابتين لتمكين الشعب الصحراوي من تقرير مصيره. مع التشديد على عبارة "الشعب الصحراوي" التي استعملاها. .../...تتمة