قضايا وآراء

البنوك المركزية التائهة في زمن التضخم

محمد موسى
عربي21

كل الاقتصادات العالمية في حالة الموت السريري الاقتصادي، فالحرب الروسية الأمريكية على الأراضي الأوكرانية لم تبقِ ولم تذر من شرها وتداعياتها من اقتصاد في العالم إلا وأنزلت أوزارها عليه. فلا الاقتصاد الأساسي للدول المحاربة قادر على الاستمرار في الوتيرة نفسها، ولا الاقتصادات للدول الداعمة للحرب قولا وفعلا ومساعدات بمختلف الأشكال تستطيع استكمال داعمها، وهي ترى اقتصاداتها تتهالك رغم كل المكابرة القائمة بفعل عدم التنازل، ولو لحلول وسطى قد تعيد الآمال لنهوض الاقتصاد العالمي من كبوته القائمة والمستمرة، التي على الأرجح أنها ستتفاقم مع هذه المناخات الاقتصادية والسياسية القائمة بين دول المتصارعين والداعمين، والتي لم يسلم من نارها الاقتصادية الدول الناشئة والدول النامية التي باتت تتضور "جوعا وتقشفا". 

الأزمات الاقتصادية تبدو متلاحقة، إن بفعل أزمة المحروقات وأسعارها، أو بفعل أزمة الحبوب وندرتها وغيابها، أو بأزمة الديون المتراكمة والمتصاعدة، لاسيما بعد كوفيد 19 وما خلفه من سنوات عجاف ذبحت اقتصاداتها من الوريد إلى الوريد، ولم يكن ينقصها إلا الأزمات القائمة عالميا، "وعلى رأسها التضخم القادم كالليل الأسود، الذي يجتاح كل شيء"، منذرا بأيام كالحة مرافقة لركود تضخمي وحالات تخبط مالي واقتصادي، باتت مسارات قلق لكل صانعي القرار في العالم بفعل الأرقام والمؤشرات الاقتصادية والمالية السارية. 

كل التوقعات والتحليلات، تؤكد أن الخروج من الأزمة القائمة والمتفشية شيئا فشيئا في كل العالم، ليس بالسهل أبدا، وحتى ذاك البصيص من الأمل يحتاج تضافر كل الجهود بين الدول للنفاد قبل بداية وقوع الانعكاسات بكل معانيها على الوقائع السياسية والجيوسياسية، وحتما الاقتصادية والمالية التي على ضوء كل معطياتها تنعقد قمة البنوك المركزية لاجتراح حلول، وما أضيق الخيارات في زمن الأزمات.

ويبحث محافظو المصارف المركزية في اجتماعهم السنوي الكبير بالولايات المتحدة كيفية معالجة مشكلة التضخم، دون الدخول في حالة ركود، وفي ذلك قد لا يقارب المجتمعون الحقائق الاقتصادية والمالية كما هي، فالكل يدرك مآلات الاقتصادات الكبرى والناشئة التي تئن. فبالرغم مما بدأه التضخّم من تباطؤ مرحَّب به في تموز (يوليو) إلى 8.5% على مستوى سنوي، بعد تجاوزه في حزيران (يونيو) رقما قياسيا في زيادة الأسعار خلال أكثر من أربعين عاما، وصولا إلى أكثر من 9.1 بالمائة، إلا أن وقائع بقاء الأزمات لا يجزم بأن مسارات التعافي ستبقى قائمة. 

 

كل التوقعات والتحليلات تؤكد أن الخروج من الأزمة القائمة والمتفشية شيئا فشيئا في كل العالم، ليس بالسهل أبدا، وحتى ذاك البصيص من الأمل يحتاج تضافر كل الجهود بين الدول للنفاد قبل بداية وقوع الانعكاسات بكل معانيها على الوقائع السياسية والجيوسياسية، وحتما الاقتصادية والمالية.

 



وعليه، فإن الاجتماع المقرر له في مدينة جاكسون هول الأمريكية، يركز على مناقشة معضلة رئيسية تتمثل في ضرورة رفع معدّلات الفائدة في مواجهة التضخّم، ولكن ليس كثيرا لتجنّب دفع الاقتصاد إلى الركود، وهو إن لم يكن قائما اليوم بشكل فعلي، لكنه بات مرجحا وإن بنسب عالية؛ فالمجتمعون يعقدون هذا الاجتماع في الوقت الذي تشدّد فيه المصارف المركزية في أنحاء العالم كافة تقريبا، سياساتها المالية لمكافحة التضخّم، وسط خطر عرقلة الانتعاش، ولا أدل من الإجراءات التي كان الاحتياطي الفدرالي الأمريكي قد قام بها، من رفع أسعار الفائدة أربع مرّات منذ آذار (مارس) 2022. 

وبدأ بربع نقطة مئوية قبل تسريع الوتيرة، ولا زالت التوقعات تشير إلى مزيد من الارتفاعات في الأشهر المقبلة، مع ما يصاحب ذلك من تأثيرات بقرب حالة الركود التضخمي، فبالرغم مما بدأه التضخّم من تباطؤ مرحَّب به في تموز (يوليو) إلى 8.5% على مستوى سنوي، بعد تجاوزه في حزيران (يونيو) رقما قياسيا في زيادة الأسعار خلال أكثر من أربعين عاما، وصولا إلى أكثر من 9.1 بالمائة، إلا أن وقائع بقاء الأزمات لا يجزم بأن مسارات التعافي ستبقى قائمة.

الكل ينتظر كلام جيروم باول الحاكم الفيدرالي الأمريكي عن السياسات النقدية والمالية الجديدة وهامش الأسعار والفوائد والعوائد وخبايا المستقبل، ولكن مهلا فالكل يدرك أيضا أن تباطؤا حادا في الاقتصاد العالمي قائم، وربما مستمر طالما أسعار الطاقة لم تنخفض، ولا أدل على ذلك من انخفاض النشاط التجاري للشركات عالميا من جراء ارتفاع الأسعار للمشتقات الطاقوية الذي انعكس بالمباشر على الأسعار السلعية، واستتبع بأزمات متلاحقة على المستويات والتعاملات كافة، وضعف مباشر على مستوى سلاسل التوريد، وهنا يكمن ربما اقتراب الحل بين إيران ومجموعة الست للملمة أسعار النفط عبر 4 ملايين برميل جديدة من طهران. 

وعليه، مهما خرجت النتائج فتقارير البنك الدولي وصندوق النقد استبقت الاجتماع ونتائجه، وخلاصة ذلك كله: ستبقى الأزمة مفتوحة عالميا، وستواجه الدول الفقيرة على نحو خاص آثارا مدمرة نتيجة ارتفاع التضخم، الذي بلغ في بعضها خانة المئات، في وقت تفتقر إلى الإمكانيات المالية الكافية لتعويض مواطنيها عن تآكل دخولهم وتراجع قدرتهم الشرائية، وتزايد الديون وضعف قدرة التسديد، ويترافق ذلك مع ضعف قدرة هذه الدول على شراء لقاحات كافية لتحصين مواطنيها ضد فيروس كورونا على أبواب الخريف، والخشية من موجات ومتحورات جديدة، ومن ثم تبقى استفادتها من مواردها الطبيعية، كالمواد الأولية، محدودة بسبب إجراءات الحد من تفشي الجائحة، ولتأكيد حجم المخاطر، فقد عززت الصين تحفيزها للاقتصاد من خلال ضخ تمويل إضافي بقيمة تريليون يوان (146 مليار دولار)، يركز بشكل كبير على الإنفاق في مجال البنية التحتية، وهو دعم من المحتمل ألا يحقق ما يكفي لمواجهة الأضرار الناجمة عن عمليات الإغلاق المتكررة لمواجهة فيروس كوفيد وركود سوق العقارات. وكخلاصة، ستواجه البنوك المركزية حول العالم ضغوطا شديدة لتغيير سياساتها النقدية في عام 2023، فهي من جهة تريد الحفاظ على زخم النمو الاقتصادي بمواصلة سياسة نقدية مرنة، ومن جهة أخرى مطالبة بمواجهة التسارع الكبير في معدلات التضخم عبر التشدد بسياساتها بالمعنى المالي والاقتصادي. المعادلة تقول: في زمن التضخم سيبقى اقتصاد العالم يتراقص على حافة الهاوية حتى تركب قاطرة التسويات السياسية.

*أكاديمي وباحث
[email protected]


النقاش (0)