قضايا وآراء

الثورة السورية بين "قسد" وكييف

أحمد موفق زيدان
عربي21
استبشر أنصار الثورة السورية كثيراً يوم اندلعت الحرب الروسية-الأوكرانية، لأنها ستوفر لهم فرصة ذهبية لتحسين وضع ثورتهم داخلياً وخارجياً، مع الانشغال الروسي في جبهة روسية شديدة الحساسية، وتعاظم انشغالها مع توجيه قوات فاغنر الروسية، ومعدات روسية بما فيها آليات برية من ميناء طرطوس باتجاه أوكرانيا، وعوّل أنصار الثورة السورية على أن تشكل أوكرانيا مفصلاً حاسماً غربياً لمن يقف معه ويقف ضده.. 

وما دام النظام السوري قد حسم أمره بالوقوف مع روسيا، بينما حسمت الثورة السورية موقفها بدعم أوكرانيا وتأييدها، وهو ما أغرى الثورة والثوار في أن يتحول هذا التمايز لفرصة دعم غربي غير مسبوقة لثورتهم، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، وزاد من الإحباط الثوري السوري التصريحات التركية الأخيرة التي تحدثت عن مصالحة مع النظام السوري، فاعتبرها البعض تنازلاً تركياً لروسيا من أجل دعمها في عملية عسكرية ضد قوات قسد الكردية، ومن ثم تأمين ما يتوهمه الأتراك عمقاً جغرافياً لهم داخل الأراضي السورية يصل إلى 30 كم.

لأشهر ونحن نسمع عن عملية عسكرية تركية في الشمال السوري ضد مليشيات قسد التي تتنقل من الحبل الأمريكي إلى الحبل الروسي، ولكن لا مؤشرات على قيام هذه العملية بالحجم الذي وعد به الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مع رفض روسيا وأمريكا إعطاءه ضوءاً أخضرَ للقيام بها، فكان أن انحازت قسد بشكل أوضح إلى الجانب الروسي وجلبت قوات أسدية إلى معاقلها كبوليصة تأمين للحماية، وهو ما دفع القوات التركية إلى الإحجام عن شن العملية، التي ستكون في حال القيام بها مواجهة مباشرة مع روسيا والنظام السوري وإيران.

ألقت التصريحات التركية التي بدأها وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو برغبة تركية لمصالحة بين النظام، والثوار في سوريا حجرة في مياة راكدة، لكنها جوبهت بردة فعل قوية شعبياً وثورياً غير مسبوقة، ولم يتوقع كثيرون أن تكون ردة فعل المدنيين في المناطق الخاضعة للسيطرة التركية، عنيفة ضد الدعوة التركية، وشملت ردود الأفعال الغاضبة على هذه التصريحات مناطق إدلب وما حولها، لكن الجانب التركي عزز رغبته بالتقارب مع النظام السوري، بتصريحات تبعتها للرئيس التركي، وما تردد عن رغبة بوتين بدعوة أردوغان والأسد إلى قمة شنغهاي وعقد محادثات مباشرة بينهما.

كان الرد الأوضح ضد هذه التصريحات والتحركات من هيئة تحرير الشام الجهة الحاكمة في مناطق إدلب، وكذلك من المجلس الإسلامي السوري، اللتين رفضتا الدعوة، بينما اكتفت الفصائل الأخرى بنشر تغريدات على حسابات قادتها، تندد وترفض المصالحة، ولكن الواضح أن الاحتقان الشعبي وصل مديات غير مسبوقة برفض مصالحة أتت من الحليف التركي، مما سيضر بالعلاقات بين الطرفين التي عمّدت بالدم والعرق والعذابات خلال سنوات الثورة السورية.

أما النظام السوري فكان رده على هذه الدعوة قصف سوق مدينة الباب بالصواريخ مما أدى لمقتل 17 شخصاً وجرح العشرات، وهو ما عزز رؤية الثورة والثوار الرافضين للتصالح معه، فدعوا إلى مظاهرات شعبية ضد النظام والمصالحة، ودعوا لإضرابات عامة في المناطق الخاضعة للسيطرة التركية.

ويعتقد بعض المراقبين والمحللين المتابعين للشأن الثوري الداخلي بأنه في حال ضغطت تركيا أكثر على الفصائل الثورية للتصالح مع النظام السوري فثمة خياران أمام القوى الغاضبة، وعلى رأسها كتلة النازحين والمشردين القابعين في الخيام ممن نزحوا عن أرضهم فتركوا كل ما يملكون، وآثروا حياة التشرد على حياة البقاء تحت رحمة النظام الكيماوي الذي قصفهم بحسب تقرير ألماني 331 مرة.

الخياران هما إما بذهاب بعض الشباب الثوري المتمرد نحو تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" الذي يقاتل النظام وحلفاءه في بادية الشام، ويلتحق به لينتقم من النظام وسدنته، مع قناعته أن هذا التنظيم لا يمثله، بل وقاتله وقتله في فترات سابقة، أو أن تنجح الولايات المتحدة الأمريكية في نسج تحالف بين قوى ثورية سورية وبين قوات قسد ودعمها بمضادات جوية ودفعها للسيطرة على مدن سورية كبيرة، تمنحها شعبية وحضوراً وسط الحاضنة الشعبية، مما سيضع تركيا في حرج كبير، بل وربما يؤدي إلى الخروج من المعادلة السورية، وهو ما قد أشار إليه رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو، حين تنبأ بأن بوتين ينصب لتركيا فخاً كبيراً بدفعها للتصالح مع أسد.

النقاش (0)